كان أودين كلباً من فصيلة كيلبي. يقظاً وحامياً، بابتسامة سعيدة وشهية لا تنتهي للطعام، لكنه استسلم لمرض عضال في أواخر العام الماضي. وعند وفاته، اجتاح شعور عميق بالحزن منزل أحدنا (أندرو): فبرغم أنه لم يكن إنساناً، كان عضواً لا يُستبدل في العائلة.
تساعد أبحاثنا الجديدة، المنشورة هذا الأسبوع في مجلة Nature، على تفسير الطريقة الفريدة والمذهلة التي تنخرط بها كلاب مثل أودين في عالم البشر – سواء من خلال قراءة مشاعرنا، أو تتبع تحركاتنا، أو أن تصبح جزءاً من إيقاع حياتنا اليومية.
استناداً إلى تعاونات دولية امتدت لعقود، كشفت دراستان جديدتان معلومات لم تكن متاحة من قبل من عظام كلاب ماتت منذ زمن بعيد. ومع ذلك، فهذه الأبحاث لا تتعلق فقط بالعظام القديمة المغبرة التي نعثر عليها في مواقعنا الأثرية، أو بالعلوم المتقدمة المستخدمة لدراستها.
بل إنها تسلط الضوء على علاقة كانت جزءاً من العالم الاجتماعي للبشر منذ ما لا يقل عن 16 ألف عام.
أقدم كلب معروف
تُعد الكلاب أقدم الحيوانات التي تم ترويضها وفصلها عن أقاربها البرية عبر أجيال من قبل البشر. وتُعرف هذه العملية باسم الاستئناس.
لطالما اعتُقد أن الكلاب دُجِّنت من الذئاب، أقرب أقاربها، خلال العصر الجليدي الأخير. لكن العثور على أدلة قاطعة كان صعباً في المواقع الأثرية، لأن عظام الكلاب يصعب تمييزها عن عظام الذئاب اعتماداً على الشكل فقط.
وقد تطلّب الأمر استخراج الحمض النووي القديم (aDNA)، وهي تقنية حديثة نسبياً، لتقديم دليل حاسم على هوية الكلاب، التي تختلف وراثياً عن الذئاب.
أكدت إحدى الدراستين الجديدتين أن أقدم كلب معروف حتى الآن يعود إلى موقع بينارباشي، وهو مأوى صخري في كارامان بوسط تركيا. وقد عاش هذا الكلب قبل نحو 15,800 عام.
تم التنقيب عن هذه العظام في عام 2004، وكان من الممكن أن تعود إلى جراء كلاب أو أشبال ذئاب. لكن تحليل الحمض النووي القديم أكد هويتها ككلاب بعد 20 عاماً، عقب عشر سنوات من التحليل والمقارنة مع نتائج أخرى.
وقد دُفنت الجراء بعناية، وعوملت بعد موتها بطريقة مشابهة للبشر المدفونين بالقرب منها. وهذا يشير إلى استمرار علاقة وثيقة مع البشر خلال حياتها، كما توضح التحليلات الكيميائية التي تشير إلى أن الكلاب والبشر كانوا يتشاركون غذاءً مشابهاً، بما في ذلك الأسماك الصغيرة من الأراضي الرطبة المحلية. لم تكن الكلاب مجرد حيوانات تتجول على أطراف المخيمات، بل كانت بالفعل جزءاً لا يتجزأ من المجتمعات البشرية.
وقد يكون اندماج الكلاب في العالم الاجتماعي للبشر ناتجاً عن تعاون وثيق في الصيد. كما ربما أدت دور الحراس والمنذرين لمجتمعات عاشت في عالم مليء بالحيوانات المفترسة الخطرة مثل الذئاب والنمور.
التحرك مع البشر
أظهر التحليل نفسه وجود كلاب مشابهة وراثياً لتلك الموجودة في بينارباشي في كهف غوغ ببريطانيا قبل نحو 14,300 عام. وهذا يشير إلى أن مجموعة من الكلاب المرتبطة جينياً انتشرت بسرعة من أوراسيا إلى أقصى أوروبا، متحركة مع البشر وأيضاً بين مجتمعات بشرية مختلفة.
لم تكن هذه الكلاب مرتبطة بالذئاب الأوروبية، وتشير أدلة الدراسة الثانية إلى أن الكلاب الأوروبية لم يتم استئناسها بشكل مستقل عن غيرها، وهو ما يدحض فرضية سائدة منذ زمن طويل. ويُعزى اختلافها عن كلاب شرق آسيا إلى انتقالها إلى أوروبا مع المزارعين قبل نحو 8,500 عام من تركيا، حيث كانت قد تزاوجت مع ذئاب محلية.
نعرف ذلك بفضل الحمض النووي لكلب من موقع بونجوكلي، وهو قرية عمرها 11,000 عام قرب قونية في وسط تركيا. أظهرت حفرياتنا أن الجراء كانت تُدفن في قبور أشخاص يرتبطون مباشرة بالمجتمعات الأقدم في بينارباشي، الواقعة على بعد 30 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي، رغم أنهم عاشوا حياة مختلفة تماماً في منازل دائمة مدعومة بالزراعة صغيرة النطاق.
انتشر مزارعون مرتبطون وراثياً من هذه المنطقة إلى أوروبا قبل نحو 8,500 عام، وكانت كلاب مرتبطة وراثياً بكلاب بونجوكلي ترافقهم. وقد تزاوجت الكلاب الوافدة مع تلك الموجودة بالفعل في أوروبا، لكنها لم تستبدلها بالكامل.
من الماضي العميق إلى الحاضر
تُظهر الدراستان معاً أن الكلاب كانت تعيش بالفعل إلى جانب البشر عبر مساحة واسعة بشكل مدهش تمتد من الأناضول إلى أقصى غرب أوروبا خلال العصر الجليدي الأخير، أي قبل وقت طويل من ظهور الزراعة. كما أن تاريخها أقدم وأكثر حركة وتشابكاً مع تاريخ البشر مما كنا نعتقد.
تكشف الأدلة الأثرية المفصلة من بونجوكلي وبينارباشي مدى القرب الذي وصل إليه الكلاب والبشر، بينما تُظهر التحليلات الأوسع أنها تحركت مراراً عبر شبكات بشرية تجاوزت الحدود الثقافية.
لا نزال لا نعرف بالضبط أين ومتى بدأ استئناس الكلاب، لكن الأبحاث الدقيقة التي ستجيب عن هذا السؤال جارية بالفعل في مواقع تنقيب حول العالم.
غير أن هاتين الدراستين الجديدتين توضحان أمراً واحداً بشكل جلي: بحلول نهاية العصر الجليدي، كانت الكلاب قد اندمجت بعمق في حياة البشر وأصبحت جزءاً من المجتمع، مكوّنة روابط عميقة لا تزال مستمرة حتى اليوم.
