يُعد قطاع الملابس الجاهزة في بنغلاديش واحدًا من أبرز قصص النجاح الصناعي في العالم. إذ يمثل ما يقرب من 80% من صادرات البلاد، وهو في الوقت نفسه أكبر مصدر للتلوث الصناعي للمياه. هذا الواقع المزدوج يضع إعادة استخدام المياه في صميم القدرة التنافسية طويلة الأجل للقطاع، ليس فقط كقضية بيئية، بل كقضية اقتصادية أيضًا.
في منطقة دكا الكبرى وحدها، يُقدَّر أن نحو 5.3 مليون متر مكعب من مياه الصرف تُنتَج يوميًا، يأتي نحو 70% منها من الصناعات كثيفة الاستخدام للمياه. وتُسهم هذه المنطقة بحوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وتضم أكثر من 5000 مصنع، ويعيش فيها نحو 20 مليون نسمة. وبالتالي، فإن الحفاظ على النمو الصناعي مع ضمان الأمن المائي أصبح ضرورة اقتصادية ملحّة.
على مدى عقود، كان النموذج السائد خطيًا، حيث تُستخرج المياه من الأنهار والمياه الجوفية، وتُستخدم في الإنتاج، ثم تُعالج وتُعاد إلى البيئة. ورغم تحسن عمليات المعالجة، فإن الطلب المتزايد، وارتفاع مستويات التلوث، وتزايد الضغط على الموارد المائية تكشف حدود هذا النهج. لذلك يتجه الاهتمام الآن نحو أنظمة يُصمَّم فيها إعادة الاستخدام منذ البداية، بدلًا من اعتبارها مجرد خطوة لاحقة بعد انتهاء العملية الإنتاجية.
تحالف وطني يتشكل
جاءت خطوة مهمة في هذا التحول مع إنشاء تحالف إعادة استخدام وتدوير المياه (A4R) في بنغلاديش، والذي أُطلق رسميًا في مايو 2025. وبدعم من مجموعة البنك الدولي عبر مبادرة مجموعة موارد المياه 2030، يجمع هذا التحالف بين الوزارات الحكومية، والصناعة، وشركاء التنمية، والعلامات التجارية العالمية في قطاع النسيج.
طموح التحالف واضح: خفض إجمالي مياه الصرف في حوض دكا الكبرى بنسبة 20% من خلال إعادة استخدام وتدوير نحو 350 مليون متر مكعب من المياه سنويًا. ويعكس هذا التحالف إدراكًا مشتركًا بأن التنظيم وحده أو حوافز السوق وحدها لا تكفي لتحقيق التغيير بالحجم والسرعة المطلوبين.
إثبات جدوى إعادة الاستخدام عمليًا
بدأت أهداف التحالف تُختبر على مستوى المصانع. فقد تم تنفيذ شراكة بين القطاعين العام والخاص مع شركة “فكير للمنسوجات” باستثمار إجمالي قدره 1.7 مليون دولار، منها 0.6 مليون دولار من برنامج التصنيع المستدام والتلوث البيئي التابع للأونكتاد، بينما تولى المصنع تمويل الباقي. وشارك في المشروع عدد من الشركاء مثل Primark وH&M وWaterAid وGrundfos وPanta Rei ومجموعة موارد المياه 2030.
يشمل الاستثمار تحديث محطة معالجة مياه الصرف في المصنع، مما يتيح إعادة استخدام 438 ألف متر مكعب من المياه المعالجة سنويًا. ويتم الآن إعادة أكثر من 22% من إجمالي مياه الصرف—أي نحو 1.2 مليون لتر يوميًا—إلى العملية الإنتاجية، مع هدف للوصول إلى 25% كمرحلة تالية. ويُبرز تحقيق فترة استرداد لا تتجاوز عامًا واحدًا الجدوى المالية للمشروع، كما تم اعتماد أدائه التقني وتصميمه المالي على المستوى الوطني.
والأهم من ذلك أن المشروع يُظهر أن إعادة استخدام المياه في قطاع النسيج يمكن أن تتجاوز مجرد التزامات الاستدامة للشركات لتصبح ممارسة تجارية قابلة للتكرار ومجدية اقتصاديًا.
بناء الأنظمة المؤسسية
يتحول التركيز الآن من المشاريع التجريبية إلى ترسيخ الأنظمة المؤسسية. وبالتعاون مع وزارة الموارد المائية، يجري العمل على تطوير نظام متكامل لمعلومات المياه مرتبط بقاعدة البيانات الوطنية. وسيعمل هذا النظام على ربط الشركات والجهات الحكومية والمستثمرين وشركاء التنمية ومزودي التكنولوجيا، مع إنشاء إطار شفاف لتتبع جودة المياه وأداء إعادة الاستخدام.
وبالتوازي، يجري إعداد إطار تنظيمي يحدد أهدافًا لإعادة الاستخدام والتدوير على مستوى المصانع. ولتنفيذ ذلك، يتم إنشاء كيان خاص تحت إشراف وزارة الموارد المائية لإدارة صندوق تنفيذ مشترك، مدعوم بوحدة فنية لتسهيل العمليات. وسيُنسّق هذا الإطار عمليات المراقبة، والدعم الفني، وجذب الاستثمارات، كما يُتوقع أن يجمع الصندوق بين التمويل الجماعي، ورأس المال المتجدد، والتمويل الميسر لمساعدة المصانع على الاستثمار في تحسينات الكفاءة وإعادة الاستخدام.
وتعزز هذه الجهود من خلال برنامج “أمن المياه والمرونة في دكا الكبرى” الذي تمت الموافقة عليه مؤخرًا، والمدعوم بتمويل قدره 370 مليون دولار من البنك الدولي. ويوفر البرنامج منصة طويلة الأجل لتعزيز إدارة مياه الصرف، والرقابة التنظيمية، والتنسيق بين الجهات المختلفة في المنطقة الحضرية.
ما الذي سيحدد النجاح على المدى الطويل؟
رغم التقدم المستمر، لا تزال هناك قيود حاسمة، أبرزها التنسيق المؤسسي الفعّال، وتطوير نماذج أعمال موثوقة وقابلة للاستثمار على مستوى المصانع. وسيحدد مدى التوافق بين اللوائح، وأنظمة البيانات، وأدوات التمويل المختلط سرعة توسيع نطاق إعادة الاستخدام عبر القاعدة الصناعية.
ومع توفر التمويل على نطاق واسع، لم يعد التحدي يتمثل في إثبات جدوى الفكرة، بل في ضمان التنفيذ المستمر وجذب استثمارات خاصة مستدامة. وقد أثبتت بنغلاديش أن إعادة استخدام المياه الصناعية يمكن أن تكون قابلة للتطبيق تقنيًا، ومجدية تجاريًا، وقابلة للتحقيق مؤسسيًا. والانتقال من المشاريع التجريبية إلى التبني على مستوى النظام بات جاريًا، مما يدمج إعادة استخدام المياه ضمن نموذج النمو الصناعي للبلاد واستراتيجيتها الشاملة للأمن المائي.
