لا يزال مرض السل (TB) السبب الرئيسي للوفاة الناتجة عن عامل مُعدٍ واحد في العالم، ومن بين الأسباب العشرة الأولى للوفاة عالميًا. ففي عام 2024 وحده، يُقدَّر أن 10.7 مليون شخص أصيبوا بالسل، وتوفي 1.23 مليون شخص بسببه – رغم أنه مرض يمكن الوقاية منه وعلاجه. وتشكل منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث أعمل، نحو 25% من جميع حالات السل عالميًا، حيث يُصاب ما يُقدَّر بـ 2.6 مليون شخص.
في مجموعة البنك الدولي، نركز على خلق فرص العمل – فهي أفضل وسيلة لتوفير الدخل والكرامة والأمل بالمستقبل، ولانتشال المجتمعات بأكملها من الفقر. ويُعد السل عقبة مباشرة أمام هذا الهدف. فإلى جانب العدد الكبير من الوفيات، يقلل المرض من إنتاجية العمال وقدرتهم على كسب الدخل، مما يؤثر على الأسر والمجتمعات والاقتصادات على المدى الطويل.
يصادف 24 مارس اليوم العالمي للسل، وهو اليوم الذي تم فيه اكتشاف البكتيريا المسببة للمرض. وفي هذه المناسبة، أود تسليط الضوء على كيفية تأثير السل على أسواق العمل، والتأكيد على أن القضاء عليه ليس فقط واجبًا أخلاقيًا، بل أيضًا محركًا قويًا لتحقيق الازدهار المشترك.
أين نقف الآن / التقدم مهدد
منذ عام 2000، ساهم العلاج في الوقت المناسب للسل في إنقاذ ما يُقدَّر بـ 83 مليون شخص حول العالم. وبدون علاج، قد يموت ما يقرب من نصف المصابين بالسل النشط. أما مع العلاج المناسب، فالسل قابل للشفاء. إن الكشف المبكر والتشخيص في الوقت المناسب وإتاحة العلاج يمكن أن يقلل بشكل كبير من الوفيات وانتقال العدوى – كما يساعد الأشخاص على العودة إلى العمل بسرعة، مما يحمي دخولهم ويحد من الخسائر الاقتصادية طويلة الأمد.
هناك تقدم يستحق الاحتفاء. ففي عام 2024، انخفض عدد الإصابات بالسل لأول مرة منذ عام 2020، وهو ما يعكس تعافيًا تدريجيًا في الخدمات الصحية بعد اضطرابات جائحة كوفيد-19. كما أن عددًا أكبر من الأشخاص المعرضين للخطر يتلقون العلاج الوقائي، ويتم تشخيص المزيد من الحالات وعلاجها، وتستمر حالات السل المقاوم للأدوية في التراجع، مع تحسن معدلات نجاح العلاج. وقد ساهمت هذه الإنجازات في تجنب نحو 83 مليون وفاة منذ عام 2000. وفي أفريقيا، انخفض معدل الإصابة بالسل بنسبة 28% وتراجعت الوفيات بنسبة 46% بين عامي 2015 و2024.
كيف يؤثر السل على أسواق العمل
يؤثر السل بشكل غير متناسب على البالغين في سن العمل، حيث تحدث أكثر من 80% من الحالات والوفيات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وبينما تُعد التكاليف الطبية المباشرة كبيرة، فإن التكاليف غير المباشرة – مثل فقدان الدخل وانخفاض الإنتاجية – غالبًا ما تكون كارثية على الأسر. وتُقدَّر الخسائر السنوية في الإنتاجية بسبب السل بنحو 12 مليار دولار. وكل حالة سل يتم تجنبها تساعد في الحفاظ على مشاركة القوى العاملة، وحماية الدخل، والحد من الفقر.
وتُظهر صناعة التعدين في جنوب أفريقيا هذا الأمر بوضوح. فالقطاع يساهم بنحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، ويشكل 45% من صادرات السلع، ويوفر أكثر من 470 ألف وظيفة. ومع ذلك، فإن معدل الإصابة بالسل بين عمال المناجم من بين الأعلى عالميًا (بين 2500 و3000 حالة لكل 100 ألف شخص). ويكون العمال أكثر عرضة للإصابة بسبب ظروف العمل والمعيشة، والتنقل عبر الحدود، وارتفاع معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية. وهذا يؤدي إلى زيادة انتقال العدوى، وضعف الالتزام بالعلاج، وارتفاع حالات السل المقاوم للأدوية – مما يؤثر على العمال وأسرهم والمنطقة بأكملها.
ويُقدَّر أن 42 ألف عامل مناجم في جنوب أفريقيا مصابون بالسل، مع بقاء العديد من الحالات غير مكتشفة. وتُظهر الاستثمارات في الوقاية والعلاج في هذا القطاع نسبة عائد إلى تكلفة تُقدَّر بـ 1 إلى 40، نتيجة انخفاض الوفيات وزيادة الإنتاجية وتقليل التكاليف الصحية، بالإضافة إلى دعم الفوائد الاقتصادية للتحويلات المالية من العمال المهاجرين.
كان مشروع دعم السل والأنظمة الصحية في جنوب أفريقيا (2016-2024)، والذي تشرفت بالعمل عليه، ثوريًا لأنه ركز على بؤرة انتشار المرض في المنطقة: قطاع التعدين، والشبكة المعقدة من عوامل الضعف المرتبطة به. ومن خلال اعتماد نهج إقليمي متعدد البلدان، عالج المشروع هذه العوامل الجذرية مباشرة، عبر تعزيز الحماية الصحية المهنية للعمال ومجتمعاتهم، وتوسيع الوصول إلى الخدمات الصحية، وتعزيز التعاون عبر الحدود في منطقة لا تعترف فيها الأمراض بالحدود الوطنية.
وعلى المستوى الشخصي، كان المشروع تذكيرًا قويًا بما يمكن تحقيقه عندما يقترن الطموح بالإصرار: حكومات، وعاملون في الخطوط الأمامية، وشركاء إقليميون يعملون رغم التحديات الهيكلية واللوجستية الكبيرة. من استخدام الأشعة السينية المحمولة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتشخيص السل في المناطق النائية في ليسوتو، إلى تبادل الخبرات بين الدول، وإنشاء عيادات صحية متنقلة على الحدود في موزمبيق للوصول إلى السكان المتنقلين. وقد أبرزت هذه الجهود مدى التحول الذي يمكن أن يحققه النهج الإقليمي عندما يستند إلى الواقع المحلي وبدعم سياسي ومؤسسي قوي.
تتكرر أنماط مماثلة في أماكن أخرى. ففي إثيوبيا، شهد مرضى السل انخفاضًا في الإنتاجية بنسبة 37%، وتراجعًا في الدخل بنسبة 10%، وانخفاضًا في ساعات العمل بنسبة 78%، إلى جانب زيادة في تكاليف الأسر. وفي كينيا، فقد المرضى الذين أكملوا العلاج عددًا أقل بكثير من أيام العمل مقارنة بغير المعالجين. وتؤكد هذه النتائج أن الوصول إلى العلاج الكامل وفي الوقت المناسب أمر بالغ الأهمية للحفاظ على الوظائف والدخل.
الحجة الاقتصادية للاستثمار في مكافحة السل
بين عامي 2020 و2050، قد يتسبب السل في 31.8 مليون وفاة وخسائر اقتصادية تبلغ 17.5 تريليون دولار وفق الاتجاهات الحالية. أما تحقيق أهداف خفض الوفيات عالميًا، فيمكن أن يمنع 23.8 مليون وفاة ويجنب خسائر بقيمة 13.1 تريليون دولار. ويكون التأثير أكبر في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، حيث قُدِّرت التكلفة الاقتصادية للسل بنسبة 8.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021.
إن الاستثمار في مكافحة السل لا ينقذ الأرواح فحسب، بل يحافظ أيضًا على العمال، ويثبت الأسر، ويمنع خسائر الإنتاجية طويلة الأمد عبر الاقتصادات. وكل دولار يُستثمر في مكافحة السل يمكن أن يحقق عوائد تصل إلى 39 دولارًا من الفوائد المجتمعية.
كما أن توسيع نطاق الفحص والعلاج، خاصة في المناطق ذات العبء المرتفع، يمكن أن يحقق عوائد أكبر، مع تعزيز أسواق العمل وزيادة قدرة الاقتصادات على الصمود.
الحاجة إلى التحرك
إن إنهاء السل ليس مجرد هدف صحي – بل هو استثمار في فرص العمل. ومن الضروري أن تواصل الدول وشركاء التنمية والقطاع الخاص العمل معًا لتعزيز الجهود وتسريع التقدم. ومن المشجع أن الشراكات الجديدة تعزز هذا العمل الجماعي. فقد وقعت مجموعة البنك الدولي والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا مؤخرًا مذكرة تفاهم لمساعدة الدول النامية على بناء أنظمة صحية أقوى وأكثر مرونة، وتأمين تمويل مستدام للرعاية الصحية الأولية ومكافحة هذه الأمراض.
ومن خلال هذا التعاون، تهدف المؤسستان إلى تعبئة ما لا يقل عن ملياري دولار من التمويل المشترك خلال السنوات الثلاث المقبلة لتوسيع الوصول إلى الخدمات الأساسية وتعزيز أنظمة الرعاية الصحية الأولية – وهي خطوة مهمة لضمان امتلاك الدول الموارد والأنظمة اللازمة للكشف عن السل وعلاجه والوقاية منه.
لم يعد السؤال ما إذا كان العالم يستطيع تحمل تكلفة القضاء على السل – بل ما إذا كان يستطيع تحمل تكلفة عدم القضاء عليه.
