إذا لم تكن قد سمعت من قبل عن مضيق هرمز، فمن المحتمل أنك سمعت عنه الآن. فالإغلاق الفعلي لهذا الممر المائي من قبل إيران، والذي ينقل عادة نحو 20% من النفط والغاز في العالم، وضع ضغوطًا شديدة على الاقتصاد العالمي.
الآن، يحذر بعض المحللين من احتمال ظهور نقطة توتر جديدة: مضيق باب المندب.
ويرجع ذلك إلى أنه في 28 مارس، دخل الحوثيون، وهم جماعة عسكرية تسيطر على أجزاء واسعة من شمال اليمن ومتحالفة مع إيران، الحرب، حيث أطلقوا صواريخ باتجاه إسرائيل لأول مرة منذ اندلاع الحرب مع إيران.
ويقع اليمن على أحد جانبي المضيق، وقد سبق للحوثيين أن استهدفوا حركة الشحن في البحر الأحمر، مما تسبب في اضطرابات كبيرة خلال أواخر عامي 2023 و2024.
وأفادت تقارير أن إيران تواصلت مع الحوثيين للتحضير لحملة مشابهة.
إليك لماذا ستتجه الأنظار مجددًا نحو الحوثيين ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، وما الذي قد يعنيه تعطّل نقطة اختناق ثانية كبرى بالنسبة للاقتصاد العالمي.
ما هو مضيق باب المندب؟
يبلغ عرض مضيق باب المندب نحو 30 كيلومترًا في أضيق نقطة. ويقع بين اليمن في شبه الجزيرة العربية إلى الشمال الشرقي، وإريتريا وجيبوتي في أفريقيا إلى الغرب.
ويعني اسمه حرفيًا “بوابة الدموع” باللغة العربية، نظرًا لظروف الملاحة الصعبة والخطيرة التي يشتهر بها.
وقد ازدادت أهميته لأنه، إلى جانب قناة السويس في مصر، يسمح للسفن بالانتقال مباشرة بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي عبر البحر الأحمر وخليج عدن.
قبل افتتاح قناة السويس في القرن التاسع عشر، كانت السفن تضطر إلى الإبحار حول الطرف الجنوبي لأفريقيا للوصول بين هذين الموقعين.
فعلى سبيل المثال، تحتاج ناقلة نفط تغادر السعودية متجهة إلى هولندا إلى قطع حوالي 12,000 كيلومتر فقط عبر البحر الأحمر، مقارنة بأكثر من 20,000 كيلومتر إذا سلكت الطريق حول أفريقيا.
وكما هو متوقع، فإن هذا المسار أسرع بكثير أيضًا. فوفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن رحلة بين بحر العرب وهولندا تستغرق 34 يومًا عبر الطريق الطويل، لكنها تختصر إلى 19 يومًا فقط عبر هذا المسار.
ما الذي يمر عبره؟
في الأوقات العادية، يمر ما يصل إلى 14% من التجارة البحرية العالمية عبر مضيق باب المندب.
وتظل البيانات التفصيلية حول طبيعة البضائع محدودة إلى حد ما، لكن الوقود الأحفوري يشكل جزءًا كبيرًا منها.
وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أنه في عام 2025 عبر نحو 4.2 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية المضيق يوميًا، أي ما يعادل حوالي 5% من الإنتاج العالمي.
وبما أن معظم السفن تستخدم أيضًا قناة السويس، فإن بيانات هيئة قناة السويس تعطي صورة أوضح لحركة الملاحة في البحر الأحمر.
في الربع الأخير من عام 2025، نقلت نحو 40% من أصل 3,426 سفينة عبرت القناة وقودًا أحفوريًا (1,330 ناقلة نفط و88 سفينة غاز طبيعي مسال).
وشكّلت البضائع السائبة والعامة نسبة 40% أخرى (1,339 سفينة)، وغالبًا ما كانت تنقل منتجات زراعية مثل الذرة والقمح وفول الصويا، إضافة إلى الفحم وخام الحديد. أما سفن الحاويات فمثلت نحو 13% من الحركة (459 سفينة).
ومن اللافت أن حركة الملاحة عبر البحر الأحمر تراجعت بشكل ملحوظ منذ هجمات الحوثيين في 2023 و2024، رغم أن هذه الهجمات قد تراجعت إلى حد كبير.
هل يمكن إغلاق المضيق؟
لا يمكن “إغلاق” مضيق باب المندب بالكامل. فأضيق نقطة فيه لا تزال ممرًا مائيًا واسعًا نسبيًا. وعلى عكس مضيق هرمز، لا يُعد باب المندب ممرًا مغلقًا من طرف واحد.
ولا تزال السفن قادرة على الوصول إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس.
لكن هذا لا يطمئن السفن المتجهة إلى آسيا، التي قد تضطر إلى الدوران حول أفريقيا، ما يضيف أسابيع إلى الرحلة.
وقد وضعت السعودية بالفعل خطة بديلة لتجنب مضيق هرمز، تتمثل في خط أنابيب شرق-غرب، الذي يربط بين بقيق وينبع على البحر الأحمر، وقد بدأ بالفعل بضخ النفط بطاقة شبه كاملة.
لكن النفط المتجه إلى آسيا من هذا المنفذ لا يزال بحاجة إلى المرور عبر باب المندب لتجنب الطريق الطويل، ما يجعله عرضة للتعطيل.
لقد مررنا بهذا من قبل
لفهم كيفية تعطيل الحوثيين لحركة الشحن مجددًا، يمكن النظر إلى أزمة البحر الأحمر الأخيرة.
فوفقًا للمنظمة البحرية الدولية، تم تسجيل 67 حادثة بين نوفمبر 2023 وسبتمبر 2024. بعض السفن تعرضت لأضرار طفيفة، لكن أخرى واجهت حرائق شديدة وغمرًا بالمياه وأضرارًا هيكلية بعد استهدافها بصواريخ أو طائرات مسيّرة.
ومع ذلك، لم يتم “إغلاق” المضيق بالكامل، إذ استمرت بعض السفن في المرور طوال فترة الأزمة.
مجرد التهديد بالهجمات
من المرجح أن تُستخدم التكتيكات نفسها اليوم. لكن بالنسبة لشركات الشحن، قد يكون مجرد التهديد كافيًا لإبطاء الحركة أو تقييدها.
فهناك مخاطر كبيرة على طواقم السفن المدنية، التي قد تواجه تهديدًا مباشرًا للحياة.
كما أن تكاليف التأمين قد تصبح مرتفعة للغاية لدرجة تجعل استخدام هذا المسار غير عملي. ففي عام 2024، بلغت تكاليف التأمين نحو 0.6% من قيمة الشحنة، لكنها ارتفعت إلى نحو 2% بعد أزمة البحر الأحمر.
وسيؤدي الإغلاق الفعلي لكل من مضيق هرمز وباب المندب في الوقت نفسه إلى اضطرابات شديدة في سلاسل الإمداد العالمية والاقتصاد العالمي ككل.
