يجتمع المندوبون في نيويورك لعقد الجلسة الثالثة للجنة التحضيرية لاتفاق التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية (BBNJ)، والمعروفة أيضًا باسم معاهدة أعالي البحار.
بعد ما يقرب من 20 عامًا من المفاوضات، اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة المعاهدة في يونيو 2023. وعند فتح باب التوقيع عليها في سبتمبر من العام نفسه، وقّعت 67 دولة فورًا. وفي يناير 2026، أصبحت كل من المغرب وسيراليون الدولتين الستين والحادية والستين اللتين صادقتا على المعاهدة، ما أدى إلى دخولها حيز التنفيذ.
أصبحت المعاهدة الآن قانونًا دوليًا. وحتى وقت كتابة هذا المقال، وقّعت عليها 145 دولة، وصادقت عليها 85 دولة.
يتعين على الجلسة الثالثة للجنة التحضيرية الآن العمل على كيفية تطبيق المعاهدة عمليًا. ومن بين الأسئلة الرئيسية التي تُطرح في النقاشات الجانبية: من ينبغي أن يستضيف الأمانة العامة؟
كل معاهدة دولية تحتاج إلى مقر مؤسسي، ومعاهدة أعالي البحار ليست استثناءً. فهي تتطلب أمانة عامة لتنسيق العمل بين الأطراف، وتنظيم الاجتماعات، وإدارة المعلومات.
لعدة أشهر، كانت بلجيكا وتشيلي المرشحتين الوحيدتين، حيث كانت عروضهما تتبلور بهدوء في خلفية مفاوضات المعاهدة. ثم، في يناير 2026، قدمت الصين عرضًا رسميًا، مقترحة مدينة شيامن كمقر محتمل. وقد غيّر هذا الإعلان ملامح المفاوضات.
جغرافيا الدبلوماسية
قد يبدو موقع الأمانة العامة مسألة إدارية تتعلق بمكاتب أو سهولة الوصول، لكنه ليس كذلك.
فموقع الأمانات العامة، وكذلك أماكن العمل الدبلوماسي عمومًا، يؤثر في كيفية عملها فعليًا. إذ يحدد من ينجذب إلى المؤسسة، ومن يستطيع تحمّل تكاليف الحضور، كما يؤثر في القضايا التي يتم تسليط الضوء عليها بشكل غير مباشر، وفي الثقافة المؤسسية التي تتشكل. فالموقع يعني القرب، والقرب يعني النفوذ.
قدمت بلجيكا مدينة بروكسل، مشيرة إلى كثافة المنظمات الدولية فيها ووجود أكثر من 300 بعثة دبلوماسية.
أما تشيلي، فقد رشحت مدينة فالبارايسو استنادًا إلى مبدأ العدالة، معتبرة أن أمريكا اللاتينية لم تستضف من قبل أمانة بيئية عالمية، وأن دول الجنوب العالمي تستحق موقعًا على الطاولة.
أما دخول الصين المتأخر فيضيف منافسًا قويًا إلى العملية.
مخاوف بشأن نفوذ الصين
لدى الصين مصلحة كبيرة في كيفية إدارة أعالي البحار، ربما أكثر من أي دولة أخرى. فهي تمتلك أكبر أسطول صيد في المياه البعيدة في العالم، وقد تعرضت لانتقادات دولية مستمرة بشأن الصيد غير القانوني وغير المبلّغ عنه وغير المنظم. كما أنها تمتلك عقودًا لاستكشاف المعادن في أعماق البحار أكثر من أي دولة أخرى من خلال الهيئة الدولية لقاع البحار.
كما كانت من أكثر الدول حزمًا في الدفاع عن مطالبها البحرية، حتى عندما رفضتها المحاكم الدولية، بما في ذلك إعلان “محمية طبيعية” في منطقة سكاربورو شول المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي.
ورغم أن الصيد لا يزال إلى حد كبير خارج نطاق المعاهدة، فإن اتفاق BBNJ يتدخل في نقاط ضغط رئيسية، لا سيما من خلال إنشاء مناطق بحرية محمية قابلة للتنفيذ ووضع معايير بيئية جديدة لأنشطة كانت تفتقر سابقًا إلى الرقابة الفعالة.
بالنسبة لبعض المراقبين، يجعل هذا الجمع بين العوامل عرض الصين لاستضافة الأمانة أمرًا صعب التوفيق. فقد أشارت الباحثة لين غولدسوورثي إلى تردد الصين في إنشاء مناطق بحرية محمية في أعالي البحار القطبية الجنوبية، قائلة إنه إذا كانت في موقع مؤثر، فقد “تبطئ الأمور”.
كما حذّر محللون في مؤسسة البحرية الوطنية في الهند من خطر ما يسمونه “الانحراف الإجرائي”، أي أن الممارسات الإدارية التي تبدو محايدة قد تكرّس تدريجيًا معايير حوكمة معينة.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست بهذه البساطة.
إعطاء الصين مصلحة في نجاح المعاهدة
الشكوك بشأن عرض الصين مفهومة، لكن الحجج ضده أضعف مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فمن منظور دولي، وصف لي شو عرض الصين بأنه “تصعيد مهم” في مشاركتها في الحوكمة العالمية، مما يشير إلى رغبتها في لعب دور نشط في تشكيل القواعد الدولية.
إذا أصبحت مصداقية الصين المؤسسية مرتبطة بنجاح المعاهدة، فسيكون لديها حافز أكبر لضمان نجاحها. وقد صادقت الصين بالفعل على الاتفاق، كما انضمت إلى اتفاق تدابير دولة الميناء الذي يستهدف الصيد غير القانوني، رغم انضمامها المتأخر وتفاوت التنفيذ.
كما أن أسطولها البحري هو الأسرع نموًا في العالم، وقدراتها المالية والبنية التحتية والموارد البشرية لإدارة مؤسسة دولية جادة ليست محل شك.
وهناك بُعد آخر مهم، إذ أظهرت الدراسات وجود فجوة مستمرة بين سياسات الحكومة المركزية وسلوك السلطات الإقليمية ومشغلي الصيد في المياه البعيدة، وهي فجوة لم تتمكن اللوائح المحلية من سدها بالكامل.
وقد تتيح الالتزامات الدولية للحكومات المركزية وسيلة إضافية لفرض الانضباط. وما إذا كانت معاهدة BBNJ ستؤدي هذا الدور في الصين لا يزال سؤالًا مفتوحًا، لكنه يستحق الدراسة.
فالصين المندمجة فعليًا في إطار المعاهدة قد تتصرف بشكل مختلف مقارنة بصين خارج هذا الإطار. كما أن تحقيق هدف الأمم المتحدة بحماية 30% من محيطات العالم بحلول عام 2030 يعتمد بشكل كبير على ما يحدث في أعالي البحار، وكذلك جهود مكافحة الصيد غير القانوني وإنشاء مناطق محمية فعالة.
لا يعني ذلك دعمًا أو رفضًا مباشرًا لاستضافة الصين، بل يشير إلى أن الاعتراضات عليها تفترض مسبقًا أنها ستضعف الطموح البيئي للمعاهدة، وهو افتراض غير مؤكد.
إن شروط نجاح المعاهدة واضحة: أمانة مستقلة فعليًا، وهياكل حوكمة شفافة وقابلة للتنفيذ، وثقافة مؤسسية قادرة على مقاومة الضغوط من الدولة المضيفة والاستجابة لجميع الأطراف. وهذه شروط صعبة، لكنها قيد التفاوض حاليًا.
