يبدو العالم مختلفًا عمّا كان عليه في يناير.
لقد أصبح المشهد الجيوسياسي أكثر صلابة. وأصبحت الحكومات تفكر بشكل أكثر وضوحًا في مسألة الاعتماد التكنولوجي؛ في حين باتت تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والفضاء وغيرها من التقنيات المتقدمة ترتبط بشكل أوثق بالبنية التحتية والأمن.
في هذا العدد من نشرة التقنيات المتقدمة والابتكار – المستندة إلى نقاشات جمعت شركات التكنولوجيا الكبرى والحكومات والمجتمع المدني خلال الاجتماع السنوي في دافوس في يناير – نستكشف ما الذي يعنيه هذا التحول.
كما يمكنكم متابعة حديث مع فارون سيفارام، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Emerald AI، وهي شركة ناشئة تعمل على تحويل مراكز البيانات إلى دعم مرن لشبكات الطاقة.
التقنيات المتقدمة تدخل عصرها الجيوسياسي
على مدى العامين الماضيين، كان الإطار السائد للتقنيات المتقدمة هو المنافسة. كان التركيز منصبًا على من يمتلك النموذج الأكثر تطورًا، أو التقييم الأعلى، أو أسرع دورة تطوير. لكن منافسة أكثر أهمية بدأت تتبلور الآن – تتمحور حول الطاقة، والبنية التحتية، وسلاسل التوريد، والمعايير، والعلاقات الاستراتيجية اللازمة لنشر هذه التقنيات على نطاق واسع.
في دافوس خلال يناير، على سبيل المثال، لم يتركز النقاش القريب حول الحوسبة الكمومية فقط على موعد وصول الحوسبة المفيدة، بل أيضًا على من سيضع معايير الأمن في مرحلة ما بعد الكم، ومن المستعد للانتقال. وفي مجال الفضاء، تولي الحكومات أهمية متزايدة لقدرات الإطلاق والاتصال السيادية مع تزايد المخاوف من التركّز والاعتماد الاستراتيجي. أما في الأمن السيبراني، فإن الأدوات الأكثر قوة تواجه بيئة جيوسياسية أكثر تشتتًا، مما يترك الأنظمة شديدة الترابط عرضة لمستويات غير متساوية من المخاطر.
بالنسبة للذكاء الاصطناعي، يظهر هذا التحول بشكل أوضح في النقاش حول البنية التحتية. لم يعد السؤال ببساطة من يمتلك النموذج الأكثر تقدمًا، بل من يستطيع تشغيله، وتوسيع نطاقه، وإدارته، وتأمينه. كما أن الأعباء باتت تظهر في مجالات نادرًا ما تصل إليها نقاشات الابتكار: مثل ارتفاع فواتير الكهرباء للأسر القريبة من مراكز البيانات الجديدة، وزيادة الطلب على المياه العذبة في المناطق التي تعاني أصلًا من شح مائي، والقيود على شبكات الكهرباء التي بدأت تؤثر في القدرة التنافسية الوطنية.
وعبر هذه المجالات، يظل الدرس الاستراتيجي واحدًا. ففي نظام مترابط، لا يتمثل الهدف في تحقيق الاكتفاء الذاتي في كل شيء، بل في أن تصبح عنصرًا لا غنى عنه في شيء ما.
تسليط الضوء على شركة ناشئة: Emerald AI
بعض قيود البنية التحتية المذكورة أعلاه تفتح أيضًا فرصًا أمام جيل جديد من الشركات. شركة Emerald AI، التي تأسست في عام 2024 وتحظى بدعم من ذراع الاستثمار لشركة NVIDIA، إضافة إلى مستثمرين مثل كبير العلماء في Google جيف دين، هي واحدة منها. تقوم الشركة بتطوير برمجيات تهدف إلى جعل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أكثر مرونة في استهلاك الطاقة؛ مما يحولها فعليًا إلى عناصر تستجيب لشبكة الكهرباء بدلًا من كونها مصادر طلب ثابتة.
تحدثنا مع فارون سيفارام، مؤسس الشركة والرئيس التنفيذي وزميل أول في مجلس العلاقات الخارجية، حول كيفية تطبيق ذلك عمليًا. وكما أوضح، فإن الفكرة الأساسية للشركة بسيطة: إذا كانت الطاقة تمثل أحد أكبر الاختناقات أمام الذكاء الاصطناعي، فقد يساعد الذكاء الاصطناعي نفسه في تخفيف هذا الضغط عبر جعل الطلب أكثر مرونة.
➡️ المشكلة: الذكاء الاصطناعي يتحول إلى تحدٍ في البنية التحتية
تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يتضاعف الطلب العالمي على الكهرباء من مراكز البيانات أكثر من مرتين بحلول عام 2030. وفي الولايات المتحدة، أصبح نظام نقل الكهرباء بالفعل عائقًا رئيسيًا أمام بناء مراكز بيانات جديدة، مع فترات انتظار طويلة للاتصال بالشبكة في بعض المناطق.
هذا هو السياق الذي تعمل فيه شركة Emerald. ويرى سيفارام أن المشكلة ليست فقط نقصًا في توليد الطاقة، بل عدم التوافق بين أوقات ذروة الضغط على الشبكة والطريقة غير المرنة التي يُتوقع من مراكز البيانات الكبرى أن تعمل بها. وقال للمشاركين في دافوس: ""الطاقة هي أكبر عنق زجاجة أمام ثورة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة والغرب"".
وتهدف الشركة إلى تخفيف هذا الاختناق عبر جعل أعباء عمل الذكاء الاصطناعي أكثر استجابة لظروف الشبكة، بدلًا من العمل بأقصى طاقة بغض النظر عمّا يحدث.
➡️ الحل: جعل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مرنة في استهلاك الطاقة
ترى Emerald أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مناسبة بشكل استثنائي لتحقيق المرونة. إذ يمكن تأجيل بعض المهام، أو نقلها جغرافيًا، أو موازنة الطلب باستخدام موارد محلية مثل البطاريات أو مصادر الطاقة الذاتية. ويقول سيفارام: ""تمتلك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إمكانات تحويلية لتكون مرنة في استهلاك الطاقة، فهي قابلة للتحكم عن بُعد ويمكنها الاستجابة خلال أجزاء من الثانية"".
تساعد برمجيات الشركة مراكز البيانات على استخدام الكهرباء بشكل أكثر مرونة. حيث يتم تنفيذ المهام العاجلة فورًا، بينما يمكن تأجيل الأعمال الأقل حساسية للوقت أو إبطاؤها. كما يمكن نقل العمل بين مواقع مختلفة حسب توفر الطاقة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لمراكز البيانات الاعتماد على البطاريات أو مصادر الطاقة الخاصة بها عند الحاجة. ويساهم ذلك مجتمِعًا في تقليل الضغط على شبكة الكهرباء مع الحفاظ على استمرارية الأنظمة.
الفكرة ليست تعطيل استخدام الذكاء الاصطناعي، بل إدارته بذكاء أكبر في اللحظات التي تكون فيها الشبكة تحت ضغط فعلي.
➡️ الطريق إلى الأمام: من التجارب إلى إثبات الجدوى
تقول شركة Emerald إنها أكملت أربع تجارب في مراكز بيانات تجارية. كانت الأولى في فينيكس بولاية أريزونا، بالتعاون مع شركات Oracle وNVIDIA وSalt River Project وEPRI. وخلال يوم شهد ذروة ضغط على الشبكة، تمكنت الشركة – بحسب قولها – من خفض استهلاك الطاقة للذكاء الاصطناعي بنسبة 25% لمدة ثلاث ساعات، وهو ما يقدمه سيفارام كدليل على أن مراكز البيانات يمكنها دعم استقرار الشبكة دون إحداث اضطراب ملحوظ للمستخدمين.
وتسعى الشركة الآن للانتقال من مرحلة التجارب إلى التوسع التجاري. وأشار سيفارام إلى أن Emerald تخطط للإعلان عن منشأة Aurora، وهي منشأة ذكاء اصطناعي مرنة في استهلاك الطاقة في ماناساس بولاية فرجينيا، بالشراكة مع NVIDIA وDigital Realty وPJM وEPRI. ويُنظر إلى هذا المشروع كاختبار مبكر لمعرفة ما إذا كان الحوسبة المستجيبة للشبكة يمكن أن تتجاوز مرحلة التجارب لتصبح جزءًا من تصميم مراكز الذكاء الاصطناعي المستقبلية.
ويختتم سيفارام بقوله: ""أريد أن أحوّل الذكاء الاصطناعي من كونه مشكلة لا ترغب المجتمعات في وجودها بالقرب منها بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء، إلى عنصر إيجابي تسعى كل المجتمعات وكل شركات الطاقة إلى استقطاب مراكز بياناته إلى شبكاتها"".
