ملخص: يوضح مقال للكاتبة أويفي دافي في موقع The Conversation أن العنف الذي مارسته السلطات الاستعمارية البريطانية في كينيا خلال فترة الطوارئ (1952–1960) لم يقتصر على الاعتقالات الجماعية والتعذيب داخل معسكرات الاعتقال، بل شمل أيضًا جهودًا ممنهجة لإخفاء هذه الانتهاكات وطمس أدلتها. ويعرض المقال كيف تعرض عشرات الآلاف للاحتجاز دون محاكمة والعمل القسري وأساليب تعذيب قاسية، مثل “الفرز” و”التخفيف” و”القوة الغالبة”، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، كما في حادثة معسكر هولا. وفي المقابل، عملت السلطات على التلاعب بالرواية العامة عبر الدعاية وإتلاف الوثائق السرية قبل الاستقلال، لترسيخ صورة مضللة عن الأحداث. ويخلص المقال إلى أن هذا “النسيان المصطنع” لا يزال يؤثر على الذاكرة التاريخية، وأن الاعتراف الكامل والاعتذار والتعويض تظل خطوات ضرورية لتحقيق العدالة وفهم الماضي بشكل أعمق.
بقلم: أويفي دافي
من المعروف إلى حدٍّ ما أن مئات الآلاف من الكينيين تضررت حياتهم بفعل أعمال عنف مروّعة خلال فترة الحكم الاستعماري البريطاني. وقد اعترفت الحكومة البريطانية والملك تشارلز بذلك، كما لجأ بعض الضحايا إلى القضاء لمحاسبة الحكومة على هذه الجرائم.
لكن ما هو أقل تداولًا، هو حجم الجهود التي بذلتها السلطات الاستعمارية البريطانية لإخفاء هذه الانتهاكات.
تكشف هذه الدراسة قسوة معسكرات الاعتقال في كينيا، والوسائل المتطرفة التي استخدمها الاستعمار للتعتيم على ما جرى داخلها.
وقعت معظم هذه الانتهاكات خلال فترة حالة الطوارئ التي امتدت بين أكتوبر 1952 ويناير 1960، حين تصاعدت الحركات القومية المسلحة، وعلى رأسها تمرد “ماو ماو”، ضد الحكم الاستعماري. وقد أعلنت السلطات حالة الطوارئ وفرضت مجموعة واسعة من الإجراءات الاستثنائية، شبيهة بتلك التي تُطبق في أوقات الحرب.
هذه الإجراءات فتحت الباب أمام الاعتقالات الجماعية، والاحتجاز دون محاكمة، والإعدامات، وعمليات الترحيل القسري، وفرض الغرامات، وإعادة توطين قرى بأكملها بالقوة.
بين عامي 1953 و1960، جرى احتجاز ما بين 70 ألفًا و150 ألف شخص يُشتبه بانتمائهم إلى “ماو ماو” دون محاكمة، داخل شبكة واسعة من المعسكرات. وكانت الظروف داخل هذه المعسكرات قاسية للغاية، حيث مارس المستعمرون البريطانيون والحراس الموالون لهم العنف دون أي مساءلة.
وتقدّر لجنة حقوق الإنسان في كينيا أن أكثر من 100 ألف كيني قُتلوا أو تعرّضوا للتعذيب أو التشويه خلال تلك الفترة.
تعتمد هذه الدراسة على وثائق استعمارية رُفعت عنها السرية، وتكشف عن ضغوط مورست من مكتب المستعمرات في لندن لإخفاء الأدلة على الانتهاكات. كما توضح كيف جرى توظيف آلة دعائية متقنة للسيطرة على الرواية العامة للأحداث.
لقد كان ذلك نوعًا من النسيان المصطنع الذي رعته الدولة، حيث جرى طمس أصوات الضحايا، وتقديم المستعمرين في صورة أطراف عقلانية تؤدي مهمة صعبة في ظروف معقدة.
إعادة تسليط الضوء على هذه القصة الاستعمارية لا تعيد فقط قراءة الماضي، بل تضيف فهمًا أعمق للحاضر.
العنف داخل معسكرات الاعتقال
تكشف بعض الوقائع المفصلية حجم القسوة التي اتسم بها نظام الاعتقال الاستعماري.
من أبرز هذه الممارسات ما عُرف بـ”الفرز”، حيث كانت تُجمع قرى أو مجتمعات كاملة، ويُخضع سكانها للاستجواب حول ولاءاتهم السياسية، قبل أن يُحتجز كثير منهم لاحقًا.
ولكي يتمكن المعتقل من الخروج من هذا النظام، كان عليه الاعتراف بانتمائه إلى “ماو ماو”، رغم أن معظمهم لم يُتهموا رسميًا أو يُدانوا بأي جريمة.
ولتحقيق ذلك، لجأ القائمون على المعسكرات إلى أساليب عنف ممنهجة أقرّتها الإدارة الاستعمارية نفسها.
من بين هذه الأساليب ما سُمّي بـ”التخفيف”، حيث يُوضع المعتقلون الرافضون للتعاون مع آخرين متعاونين، يتولّون ممارسة ضغوط نفسية وجسدية عليهم لدفعهم إلى الاعتراف والانخراط في برامج “إعادة التأهيل”.
كما استُخدمت طريقة أخرى عُرفت بإجراء “مويا”، تعتمد على العنف الجسدي لكسر مقاومة المعتقلين “المتشددين” عند وصولهم، حيث يتعرضون للإيذاء على يد الحراس والمعتقلين المتعاونين حتى يرضخوا.
ومن صور العنف المصرّح بها أيضًا ما سُمّي باستخدام “القوة الغالبة”، والتي كانت تُقدَّم باعتبارها عقوبة فورية لا تتجاوز عددًا محددًا من الجلدات، لكنها في الواقع كثيرًا ما تجاوزت هذا الحد.
ابتداءً من عام 1953، فُرض على المعتقلين العمل قسرًا، واعتُبر رفض العمل جريمة خطيرة تستوجب العقاب البدني.
في هذا السياق، أصبح استخدام العنف أمرًا مشروعًا داخل المعسكرات، بل ومبررًا، حتى عندما يؤدي إلى إصابات خطيرة أو وفيات.
وقد أسفرت هذه الممارسات عن أعداد كبيرة من الضحايا، إذ كان الحراس يتجاوزون الحدود المقررة للعقاب.
ومن أبرز الحوادث ما وقع في معسكر “هولا” عام 1959، حيث قُتل 11 معتقلًا وأُصيب آخرون بعد تعرضهم للضرب بسبب رفضهم العمل. حاولت الرواية الرسمية في البداية إرجاع الوفيات إلى تلوث المياه، لكن التحقيق أثبت أنها نتيجة عنف مباشر، ومع ذلك لم يُحاسب أحد.
الذاكرة والتاريخ
ما يُتذكر من التاريخ ليس أمرًا عفويًا. فقد كتب النائب العام في كينيا عام 1953 مخاطبًا الحاكم الاستعماري أن “إذا كان لا بد من ارتكاب الأخطاء، فيجب أن تتم بهدوء”، في إشارة واضحة إلى سياسة الإخفاء المتعمد.
جرى إخفاء واقع المعسكرات خلف لغة بيروقراطية معقدة تُفرغ الوقائع من معناها الحقيقي، بينما قُدّمت للرأي العام البريطاني رواية تروّج لطابع “إصلاحي” لهذه المعسكرات.
ولم يقتصر الأمر على التلاعب بالرواية، بل شمل أيضًا قمع المعلومات بشكل متعمد. فقد صدرت توجيهات في أواخر الخمسينيات لإخفاء الأدلة على الانتهاكات، خاصة مع اقتراب المستعمرات من الاستقلال.
تم جمع الوثائق السرية في مكاتب خاصة، وصُنّفت لتكون “للاطلاع الأوروبي فقط”، كما أُدرجت بعض الملفات ضمن فئات خاصة تشمل أي وثائق قد تُظهر تمييزًا عنصريًا.
لاحقًا، جرى إتلاف هذه الملفات أو نقلها إلى بريطانيا قبل استقلال كينيا عام 1963، وهو ما ساهم في طمس الأدلة على الانتهاكات. أما الوثائق التي اعتُبرت “آمنة”، فقد سُلّمت إلى الحكومة الجديدة.
كل ذلك ساعد على ترسيخ الرواية الاستعمارية التي صوّرت تمرد “ماو ماو” باعتباره حركة غير عقلانية، وأثبت فعالية استراتيجية الانتقاء في تشكيل الذاكرة التاريخية، وهي آثار لا تزال حاضرة حتى اليوم.
الاعتذار والتعويض
لا يزال كثيرون ممن يستفيدون من إرث العنف الاستعماري البريطاني يتجاهلون أو يتباطؤون في الاستجابة لمطالب الاعتراف والاعتذار والتعويض.
ورغم صدور تصريحات من الملك تشارلز ووزير الخارجية البريطاني الأسبق تعترف بوقوع التعذيب وسوء المعاملة، فإنها لم ترقَ إلى مستوى اعتذار كامل وصريح.
إن مواجهة هذا التاريخ ليست مهمة سهلة، لكن هذه الدراسة تؤكد ضرورة إعادة التوفيق بين الروايات الرسمية والحقائق التاريخية، بما يفتح الباب أمام فهم أعمق، وعدالة أكثر إنصافًا، وتعاطف حقيقي مع الضحايا.
