ملخص: يحلل مقال ديلان والش أسباب تعرض الأفراد والمؤسسات للمفاجآت غير المتوقعة، مثل الانهيارات المالية أو الأحداث العسكرية، مركّزًا على دور الإطار النفسي في تفسير المعلومات وليس على جمعها فقط. يعتمد الباحثون على نظرية مستوى التمثيل، التي تبيّن أن التفكير المجرّد أو الملموس لكل حدث يتأثر بالمسافة النفسية، وأن الإفراط في أي نمط قد يؤدي إلى نقاط عمياء وتقديرات خاطئة. يقترح المقال أن إدارة المفاجآت الاستراتيجية تتطلب التنقّل بين التفكير الملموس والمجرّد، باستخدام تمارين مثل طرح سؤال «كيف» للتفكير العملي التفصيلي و«لماذا» للتفكير المجرّد، مع التركيز على فهم التفاعلات المستقبلية للسلوكيات المختلفة. ويخلص المقال إلى أن التفكير الاستراتيجي ليس مقتصرًا على المواقف عالية المخاطر، بل هو مهارة يومية تساعد على التعامل مع الأحداث المفاجئة بوعي أكبر وتوقع تأثير أفعالنا على الآخرين.
بقلم: ديلان والش
حفلات مفاجئة. نتائج رياضية صادمة. انهيارات بنكية. هجمات عسكرية مباغتة. لماذا تفاجئنا بعض الأحداث غير المتوقعة تمامًا بينما لا تفعل أخرى ذلك؟
لسنوات، حاول علماء السياسة ومحللو الأمن وخبراء المال فهم كيف يمكن استخدام المعلومات للتنبؤ بما سيحدث لاحقًا، ومن خلال مراجعات ما بعد الحدث، تفسير أسباب فشل بعض التوقعات. يقول نير هاليفي، أستاذ السلوك التنظيمي في كلية الدراسات العليا للأعمال بجامعة ستانفورد: «لكن علماء النفس، الذين يمتلكون خبرة عميقة في العواطف، لم يتناولوا هذا الموضوع». ويضيف: «ظننت أننا ربما نحتاج إلى الانضمام إلى هذا النقاش».
انغمس هاليفي ومساعدوه البحثيون في أدبيات «المفاجآت الاستراتيجية»، فوجدوا دراسات متتالية تتحدث عن مشكلات في جمع المعلومات واستخدامها—إما أن المعلومات المتاحة يتم تجاهلها، أو أن المعلومات المتوفرة غير دقيقة. لكن هذا البحث كان يفتقر إلى عنصر أساسي.
تقول إليزابيث ميكلاو: «ما أدركناه هو أن معظم التركيز ينصب على عملية الفشل نفسها—تجاهل الإشارات أو إساءة تفسير البيانات. لكن لم ينظر أحد في كيفية قيام الناس بما يقومون به: ماذا كانوا يتوقعون أثناء اطلاعهم على المعلومات، وكيف صاغوا هذه التوقعات أو فسّروا الموقف».
لسد هذه الفجوة، استعان الباحثون بـ«نظرية مستوى التمثيل» (Construal Level Theory)، وهي إطار نفسي يقوم على فكرتين أساسيتين: الأولى أن الناس يمثّلون الأشياء والأحداث في العالم على مقياس يتدرج من المجرّد إلى الملموس. والثانية أن «المسافة النفسية» عن هذه الأشياء والأحداث—سواء كانت زمنية أو اجتماعية أو مكانية أو مرتبطة بعدم اليقين—يمكن أن تغيّر طريقة تفكيرنا، فكلما زادت المسافة النفسية زاد الميل إلى التفكير المجرّد، بينما يعزز القرب التفكير الملموس. ولكل من هذين النمطين نقاط عمياء خاصة به.
وبتطبيق هذا المنظور على المفاجآت الاستراتيجية، يقترح الباحثون أن الأفراد والمؤسسات قد يُفاجَؤون عندما يفكرون بشكل مفرط في التجريد أو في التفصيل عند التعامل مع المعلومات المرتبطة بموقف معين. فجودة المعلومات مهمة، لكن الإطار الذي تُفسَّر من خلاله لا يقل أهمية.
فالتفكير المجرّد المفرط يعتمد على قوالب عامة قد تدفع صانعي القرار إلى استخدام نماذج ذهنية غير ملائمة، أو سوء تقدير التهديدات والفرص، أو افتراض أن الآخرين سيتصرفون بطريقة نمطية. أما التفكير الملموس، فيغرق في تفاصيل دقيقة لموقف محدد، ما قد يؤدي إلى تجاهل الاتجاهات العامة.
إدارة التوقعات
على سبيل المثال، قد يركّز رئيس تنفيذي على عدد محدود من التغريدات لمنافسه، فيمنح هذه الإشارات المحلية وزنًا مبالغًا فيه، بينما يفوته فهم الأنماط الأوسع في الصناعة. وعلى العكس، قد ينظر إلى الثقافة التاريخية لشركة منافسة ويفترض—بناءً على ذلك—أن قيادتها ستتخذ مسارًا معينًا يتماشى مع هذا التصور المجرّد. في كلتا الحالتين، قد لا يكون أي من النهجين كافيًا لتجنب المفاجآت غير المرغوبة.
لذلك، فإن تقليل المفاجآت الاستراتيجية لا يتطلب فقط جمع أفضل المعلومات المتاحة، بل أيضًا التنقّل بين الأطر الملموسة والمجرّدة عند تحليلها. وتشير ميكلاو، التي تعمل حاليًا في شركة استشارات وتدريب، إلى أنه رغم كفاءة عملائها العالية، فإنهم كثيرًا ما يُفاجَؤون أثناء المفاوضات، ما يدفعهم للتساؤل عن كيفية تحسين جمع المعلومات واستخلاصها.
وتضيف: «تُظهر ورقتنا أن الأمر غالبًا لا يتعلق بذلك. قد تحتاج ببساطة إلى فريق ينتقل بين هذه الأطر المختلفة أثناء التفاوض لرؤية مزيد من الخيارات». أو ربما يُكلَّف فريق بالتفكير المجرّد في الموقف، بينما يتولى فريق آخر التفكير الملموس.
ويمكن لمجموعة من التمارين أن تساعد الناس على الانتقال بين هذين النمطين من التفكير. فطرح سؤال «لماذا» يشجع التفكير المجرّد، بينما يدفع سؤال «كيف» نحو التفكير الملموس. كما أن التفكير في المستقبل البعيد يعزز التجريد، في حين أن التخطيط للمستقبل القريب يعزز التفكير العملي التفصيلي. على سبيل المثال، عند محاولة التنبؤ بسلوك منافس تجاري، حاول التفكير في ما قد يفعله غدًا وما قد يفعله بعد عام.
ويشير هاليفي إلى أن هذه التمارين لا ينبغي أن تقتصر على المحاكاة العسكرية أو قرارات مجالس الإدارة عالية المخاطر، بل لها قيمة في نطاق واسع من المجالات. كيف يمكن لفريق تصوير أن يواصل عمله إذا استقال عدد من أفراده؟ وكيف سيتكيف فريق رياضي جامعي إذا واجه تشكيلة غير معتادة من المنافس؟
ويختم قائلاً: «التفكير الاستراتيجي يعني في جوهره التفكير في كيفية تأثير أفعالنا على الآخرين—نفعًا أو ضررًا. لذلك، كل موقف اجتماعي هو فرصة للتفكير الاستراتيجي». فالتفكير في المفاجآت الاستراتيجية ليس حكرًا على المحامين أثناء التقاضي أو فرق العلاقات العامة في شركات التقنية عند الاستعداد لأسوأ السيناريوهات. إذ إن أدمغتنا تحاول باستمرار التنبؤ بما هو قادم، استعدادًا لتفاعلاتنا اليومية في العمل والمنزل وعلى الطريق.
