القائمة الرئيسية

كيف ترسم الهند مسارًا جديدًا نحو عصر الكهرباء

كيف ترسم الهند مسارًا جديدًا نحو عصر الكهرباء
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تتبنى الهند نموذجًا تنمويًا جديدًا يتجاوز الاعتماد على الوقود الأحفوري عبر الاستثمار في الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية والسياسات الذكية، ما يسمح لها بفصل النمو الاقتصادي عن الانبعاثات وتعزيز سيادتها الطاقية، مع التحول إلى مركز عالمي لتصنيع تقنيات الكهرباء، مقدمةً بذلك مثالًا لدول العالم على مسار أسرع وأرخص وأكثر استدامة نحو الحداثة الصناعية.

  • تتجاوز الهند المسار التقليدي للتنمية القائم على الوقود الأحفوري من خلال التصنيع اعتمادًا على الطاقة الشمسية منخفضة التكلفة.
  • إن الانتشار السريع للمركبات الكهربائية وأطر السياسات الذكية يفصلان بين النمو الاقتصادي والانبعاثات.
  • وتسعى البلاد إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي لتصنيع تقنيات الكهرباء لضمان السيادة في مجال الطاقة.

على مدى قرنين، كان التصنيع يعني استهلاك كميات هائلة من الوقود الأحفوري. ازدهرت بريطانيا بفضل الفحم، والولايات المتحدة بفضل النفط. وسارت الصين على النهج نفسه، ولكن بوتيرة أسرع، فأنجزت في جيل واحد ما استغرق الغرب قرنًا. والآن، يُقال إن على الهند أن تفعل الشيء ذاته.

لكن الأرقام تشير إلى خلاف ذلك. فالهند تشق طريقًا جديدًا – التصنيع اعتمادًا على الطاقة الشمسية منخفضة التكلفة والبطاريات بدلًا من الوقود الأحفوري. إنها تتجاوز المسار الذي سلكه الغرب والصين.

تحول جوهري في اقتصاديات الطاقة

قارن الهند اليوم بالصين عند مستويات دخل مماثلة. في عام 2012، كانت الطاقة الشمسية في الصين شبه معدومة، ولم تظهر أي بوادر على تباطؤ الطلب على الفحم. أما في عام 2025، فتُنتج الهند 9% من كهربائها من الطاقة الشمسية، وتستخدم أقل من ربع كمية الفحم للفرد مقارنة بالصين، وهي تقترب بالفعل من ذروة توليد الكهرباء من الفحم.

ويروي قطاع النقل قصة مماثلة. يبلغ استهلاك الهند من النفط في الطرق 96 لترًا للفرد، أي نصف ما كان عليه في الصين عند نفس المرحلة من التنمية، ومن غير المرجح أن يرتفع كثيرًا. وتقترب المركبات الكهربائية من 5% من مبيعات السيارات، مع تسارع وتيرة الاعتماد عليها وفق منحنى النمو السريع. وفي المركبات ثلاثية العجلات، تتصدر الهند العالم، حيث تقترب النماذج الكهربائية من 60% من السوق.

وعند النظر إلى كهربة الاقتصاد ككل، تواكب الهند الوتيرة. إذ تمثل الكهرباء الآن نحو 20% من إجمالي استهلاك الطاقة النهائي – وهو مستوى يعادل ما كانت عليه الصين عند مستويات دخل مماثلة ويقارب ما تحققه الاقتصادات المتقدمة اليوم.

يعكس هذا التباين تحولًا جوهريًا في اقتصاديات الطاقة. فعندما تجاوزت الصين استهلاك 1500 كيلوواط/ساعة من الكهرباء للفرد، كان الفحم أرخص بعشر مرات من الطاقة الشمسية. أما اليوم، ومع وصول الهند إلى هذا المستوى نفسه، فإن تكلفة الطاقة الشمسية مع التخزين تبلغ نصف تكلفة الفحم الجديد. وبالمثل، عندما بلغت الصين استهلاك 150 لترًا للفرد من النفط في الطرق، كانت البطاريات أغلى بعشر مرات مما هي عليه الآن، ولم يكن قطاع المركبات الكهربائية موجودًا تقريبًا. ما كان منطقيًا لبكين آنذاك لم يعد منطقيًا لنيودلهي اليوم.

عاملان وراء نجاح الهند

هناك عاملان آخران يدعمان نجاح الهند. أولًا، اقتصادها أخف وزنًا وأكثر اعتمادًا على قطاع الخدمات، مع نسبة أقل بكثير من الصناعات الثقيلة مقارنة بالصين. وبعبارة أخرى، فإن نموها أقل استهلاكًا للطاقة. وثانيًا، تسهم السياسات الذكية في تشجيع الاستثمار في تقنيات الكهرباء. وعلى سبيل المثال، تصنف مؤسسات متخصصة الهند باستمرار في صدارة الأسواق الناشئة من حيث السياسات الداعمة للتحول في مجال الطاقة.

كما أن الدفع السياسي يحفّز طفرة في التصنيع. فقد نما قطاع الإلكترونيات بنحو ستة أضعاف خلال عقد واحد ليصل إلى 130 مليار دولار – والإلكترونيات هي البوابة إلى تقنيات الكهرباء. فالقدرات التي تُبنى لتصنيع الهواتف الذكية تمتد لتشمل الألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية.

وقد زاد إنتاج وحدات الطاقة الشمسية اثني عشر ضعفًا ليصل إلى 120 جيجاواط، وهو ما يزيد عن الحاجة لتحقيق الاكتفاء الذاتي. أما تصنيع الخلايا، الذي كان شبه غائب قبل عقد، فقد وصل إلى 18 جيجاواط. ولا يتأخر تصنيع البطاريات والمركبات الكهربائية كثيرًا عن ذلك.

ومع سعي الاقتصادات المتقدمة إلى تنويع سلاسل الإمداد، يتزايد الطلب على شركاء بديلين. وتضع الهند نفسها في موقع يمكّنها من تزويد العالم بتقنيات الكهرباء.

ميزة أخرى تتمثل في السيادة. ففي عام 2024، أنفقت الهند 3.6% من ناتجها المحلي الإجمالي على واردات الوقود الأحفوري – وهو عبء على ميزان المدفوعات، ومصدر للتقلب الاقتصادي، وقيد على السياسة الخارجية. ويمنح مسار الهند القائم على تقنيات الكهرباء استقلالًا في مرحلة مبكرة من التنمية.

مسار جديد ممكن

إن خيارات الهند تحمل أيضًا آثارًا تتجاوز حدودها. وباعتبارها الدولة الأكثر سكانًا في العالم وأسرع الاقتصادات الكبرى نموًا، فإنها تقدم دليلًا على إمكانية اتباع مسار جديد – مسار تقود فيه تقنيات الكهرباء النمو بدلًا من أن تأتي بعده. ومع إظهار الهند طريقًا سريعًا نحو مستقبل طاقي أفضل، تراقب الأسواق الناشئة الأخرى عن كثب.

أما بالنسبة لمنتجي الوقود الأحفوري، فالتداعيات غير مريحة. فقد كان الافتراض بأن التنمية تعني زيادة الطلب على النفط والغاز يدعم الاستثمارات في هذا القطاع لفترة طويلة. لكن هذا العالم يتغير. فالأسواق الناشئة لن تكون طوق النجاة للدول المعتمدة على النفط.

لقد كان النموذج القديم – احرق أولًا ثم نظّف لاحقًا – مكلفًا، من التلوث المحلي إلى فواتير الاستيراد إلى الهشاشة الجيوسياسية. وتثبت الهند أن هناك طريقًا أفضل. فأسرع وأرخص طريق إلى الحداثة الصناعية هو تقنيات الكهرباء.

المصدر

مقالات ذات صلة