- تُعدّ المعايير الدولية بمثابة “بنية تحتية غير مرئية” تجعل الاقتصادات تعمل بكفاءة أكبر، من خلال تحسين جودة المنتجات، وخفض التكاليف، وتمكين التجارة، وخلق لغة مشتركة بين الشركات.
- تكافح العديد من الدول النامية للاستفادة الكاملة من المعايير بسبب محدودية القدرات التقنية والموارد المؤسسية؛ وغالباً ما تجد نفسها مضطرة لاعتماد المعايير بشكل سلبي بدلاً من المساهمة في صياغتها.
- هناك حاجة إلى نهج تدريجي لتطوير معايير شاملة – حيث ينبغي على الدول أولاً تكييف المعايير القائمة، ثم مواءمتها مع المعايير العالمية، وفي نهاية المطاف المشاركة في تطويرها.
لقد بُني التقدم البشري على المعايير، لذلك فمن المنطقي أن تكون جزءاً أساسياً من التنمية الاقتصادية. وينبغي النظر إلى المعايير الدولية على أنها بنية تحتية أساسية للتنمية – “محفّز صامت” غالباً ما لا يُلاحظ عندما يعمل بشكل جيد، لكنه يصبح واضحاً للغاية عند غيابه أو سوء استخدامه.
تُعد هذه المعايير الدولية اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى في مجالات التنافسية التجارية، وتنفيذ السياسات، والعمل المناخي والبيئي، والصحة والسلامة، والتحول الرقمي.
ومع ذلك، وكما يوضح تقرير التنمية العالمية لعام 2025 – وهو أحدث تقارير البنك الدولي السنوية التي تتناول قضايا حاسمة في اقتصاديات التنمية – فإن دور المعايير في دفع النمو الاقتصادي لا يزال بحاجة إلى فهم أعمق للاستفادة الكاملة من إمكاناتها.
وعلى الرغم من الفرص الكبيرة لتعزيز المشاركة والتعاون العالميين في تطوير المعايير الدولية، فإن أحد أبرز استنتاجات التقرير هو أن العديد من الدول النامية تواجه قيوداً اقتصادية ومؤسسية تحدّ من قدرتها على المشاركة في هذه العملية.
في ظل تزايد التحديات الجيو-اقتصادية والسياسية والتجارية والبيئية، يبرز سؤال مهم: كيف نضمن استمرار المعايير في دعم التنمية في جميع الدول؟
الدور الحاسم للمعايير في التنمية الاقتصادية
أولاً، من المهم فهم كيف تدعم المعايير التنمية. فغالباً ما ترتبط المعايير بضمان جودة وسلامة المنتجات والعمليات، مما يعزز حماية المستهلك والثقة.
فعلى سبيل المثال، أدى توحيد قياسات حاويات الشحن إلى تحقيق كفاءة هائلة، وسهّل نقل السلع بسلاسة، وألغى الحاجة إلى إعادة التعبئة، وحسّن مستوى الأمان بشكل كبير.
ومن خلال تحسين المنتجات والعمليات، وتقليل الهدر، وخفض التكاليف، تسهم المعايير في تحقيق النمو الاقتصادي. كما أنها، عبر إنشاء لغة مشتركة ومعايير قياس موحدة، تساعد الشركات بمختلف أحجامها على المنافسة بشكل أكثر فعالية وعلى قدم المساواة.
وبحسب التقرير، فإن تأثير المعايير يمتد إلى ما هو أبعد من قطاع التصنيع، حيث تدعم تكامل الأسواق بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، وتمكّن القطاعات الناشئة مثل الخدمات والاقتصاد الرقمي، وتسهم في نشر الابتكار عبر الحدود وسلاسل القيمة.
كما تلعب دوراً أساسياً في دعم السياسات والتنظيمات، مما يسهل الوصول إلى الأسواق، ويعزز التجارة، ويبسّط الامتثال، ويحسن التنسيق. وباختصار، تجعل الأسواق تعمل بشكل أفضل.
ومن الجدير بالذكر أن المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (ISO) قد طوّرت أكثر من 20 ألف معيار، تسهم في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، ما يبرز الدور الذي تلعبه المعايير في دعم الاستدامة والتحول نحو اقتصاد أكثر خضرة.
الوظائف الأساسية للمعايير
يُعد تقرير التنمية العالمية لعام 2025 أول تحليل شامل لدور المعايير في التنمية، حيث يحدد ثلاث وظائف رئيسية لها: القياس، والتوافق، والجودة، والتي يرى أنها تشكل معاً “لبنة أساسية – وأحياناً حتى الأساس – للتنمية الاقتصادية”.
لكن كيف يبدو ذلك عملياً؟ بعد فترة وجيزة من استقلالها في عام 1947، أجرت الهند أول مسح وطني لمستويات المعيشة، وكشف ذلك عن غياب توحيد المعايير في الأوزان والمقاييس.
ومع وجود أكثر من 180 نظاماً مختلفاً لقياس مساحة الأراضي، كان من شبه المستحيل إنشاء دولة حديثة وفعالة.
ومن خلال اعتماد النظام المتري الدولي، لم تكتفِ الهند برفض ماضيها الاستعماري رمزياً، بل قامت أيضاً بمواءمة نفسها مع الأنظمة العالمية للتجارة والعلوم.
ورغم أن هذه العملية كانت معقدة واستغرقت سنوات، فإنها دعمت التكامل الوطني وساعدت في وضع البلاد على مسار جعلها واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم.
التحديات التي تواجه الدول النامية
رغم أن المعايير ساهمت في تعزيز التنمية الاقتصادية عالمياً، إلا أن التقرير يكشف عن عدة تحديات تواجه الدول النامية – وهي الدول التي قد تكون في أمسّ الحاجة إلى فوائد المعايير.
تشير الأبحاث إلى أن هذه التحديات ترجع إلى عاملين رئيسيين: أولاً، غالباً ما تضطر الدول النامية إلى قبول المعايير كما هي، دون أن تمتلك القدرة الاقتصادية أو المؤسسية للمشاركة في تطويرها.
أما التحدي الثاني، فهو أن إنشاء معايير فعّالة يتطلب توازناً بين قوى السوق ومشاركة الحكومات. ففي البيئات النشطة، تساهم قوى السوق في خلق معايير طوعية، إلى جانب دور الحكومات.
لكن في الدول النامية، غالباً ما تتحمل الحكومات الدور الرئيسي في وضع المعايير.
وتعود هذه التحديات في الغالب إلى نقص في القدرات، حيث تفتقر الدول إلى القوى العاملة التي تمتلك المهارات والمعرفة اللازمة للمشاركة في وضع المعايير.
ويعترف تقرير 2025 بقيمة خطة عمل المنظمة الدولية للتوحيد القياسي للدول النامية، والتي توفر إطاراً شاملاً للدعم الفني والتدريب.
وتشرف لجنة شؤون الدول النامية في المنظمة على هذه الخطة، التي تهدف إلى تمكين الدول النامية من المشاركة في تطوير المعايير الدولية واعتمادها واستخدامها.
الخطوات المطلوبة لمعالجة هذه التحديات
يقترح التقرير مجموعة من الخطوات للدول النامية. أولها اعتماد نهج تدريجي نحو المعايير، عبر مسار “التكيّف – المواءمة – المشاركة في التأليف”.
يمكن للدول أن تبدأ بتكييف المعايير الحالية مع واقعها المحلي، ثم مواءمة ظروفها مع المعايير الدولية، وفي النهاية المشاركة في تطوير المعايير التي تعكس أولوياتها وقيودها.
وعندما تكتسب الدول الخبرة اللازمة، ينبغي لها أن تساهم في صياغة المعايير بحيث تعكس تجاربها وتحدياتها، مما يجعلها أكثر شمولاً وفعالية.
كما من الضروري إدماج المعايير في استراتيجيات التنمية الوطنية في وقت مبكر، لضمان التوافق بين المعايير الدولية والسياسات والأطر التنظيمية.
وعندما تعمل المعايير والتنظيمات معاً، فإنها تعزز أهداف السياسات العامة دون فرض أعباء امتثال غير ضرورية.
إضافة إلى ذلك، يمكن للمنظمة الدولية للتوحيد القياسي أن تكون بيئة تعليمية تساعد الدول على فهم أعمق لتطوير المعايير من خلال التفاعل مع الخبراء والأقران.
وعلى المستوى الدولي، هناك حاجة لتعزيز ما يُعرف بالبنية التحتية للجودة، والتي لا تعني الجسور والطرق، بل تشمل الأنظمة التي تدعم تطبيق المعايير بشكل صحيح ومتسق.
هناك العديد من العوامل المتداخلة التي تتطلب مشاركة فعّالة من الدول، وواضعي المعايير، والمجتمع الدولي. وكما يظهر التاريخ، عندما تعمل المعايير بشكل جيد، فإنها تترك أثراً عميقاً ودائماً على النمو والتنمية.
ومع تزايد تقاطع المعايير مع السياسات التجارية والعمل المناخي والتحول الرقمي، ومع تصاعد الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية، أصبحت المعايير أكثر وضوحاً وأحياناً أكثر إثارة للجدل.
ويُظهر تقرير التنمية العالمية لعام 2025 كيف يمكن للمعايير أن تكون أدوات لتعزيز التنافسية والمرونة والنمو الشامل. والتحدي الآن هو ضمان تصميمها وإدارتها وتنفيذها بطريقة تخدم التنمية الحقيقية للجميع.
