إن تمويل الصحة النفسية بشكل فعّال يتطلب كلاً من زيادة الاستثمارات لسد فجوة التمويل واعتماد أساليب تمويل مستدامة لضمان النجاح على المدى الطويل.
لقد شهد الاعتراف العالمي بحالات الصحة النفسية (بما في ذلك اضطرابات الصحة النفسية واضطرابات تعاطي المواد) تقدماً كبيراً مقارنة بالماضي، عندما كان الحديث عنها يتم همساً بشأن العائلة أو الأصدقاء أو زملاء العمل.
وقد أدى الفهم الأفضل والنقاشات الأكثر انفتاحاً، إلى جانب التقدم في البحث والتكنولوجيا، إلى تحقيق خطوات كبيرة في تمويل منتجات وخدمات الصحة النفسية وغيرها من الابتكارات. ومع تفاقم القلق والاكتئاب عالمياً بسبب جائحة كوفيد-19، ازداد الزخم من القطاع العام لدعم مبادرات مهمة، بما في ذلك إطلاق خط المساعدة للأزمات والانتحار 988 في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، بدأ القطاع الخاص ينظر بشكل متزايد إلى الصحة النفسية كمجال استثماري واعد. فبين عامي 2020 و2022، ارتفعت استثمارات رأس المال المغامر في الشركات الناشئة في مجال تكنولوجيا الصحة النفسية إلى أربعة أضعاف مقارنة بالأربع سنوات السابقة، وشهد عام 2021 وحده إنشاء تسع شركات “يونيكورن” جديدة في هذا المجال بقيمة إجمالية تتجاوز 20 مليار دولار.
ورغم هذا التقدم في الاعتراف بالتحديات المرتبطة بالصحة النفسية والجهود العالمية لإزالة الوصمة وزيادة التمويل، فإن الطلب على خدمات الفحص والعلاج والدعم يفوق بكثير حجم التمويل المتاح. وتشير الأبحاث إلى وجود فجوة تمويل سنوية عالمية تتراوح بين 200 مليار و350 مليار دولار في مجال الصحة النفسية.
إن تمويل تدخلات الصحة النفسية بفعالية يتطلب ليس فقط زيادة الاستثمارات لسد هذه الفجوة، بل أيضاً اعتماد نماذج تمويل مستدامة تحقق النجاح على المدى الطويل. وقد جذبت حركة الصحة النفسية اهتمام الباحثين والمناصرين والمعلمين وصناع التغيير. والسؤال المطروح الآن هو: كيف يمكن لأصحاب المصلحة العمل معاً لتعظيم أثر برامج الصحة النفسية وجذب ممولين جدد إلى هذا المجال؟
يقدم دليل أعده تحالف الاستثمار في الصحة النفسية مورداً مهماً للممولين والمنفذين والمبتكرين وصناع السياسات والداعمين الذين يعملون على إنشاء وتطوير وتمويل مبادرات الصحة النفسية في مجتمعاتهم. ويهدف هذا الدليل إلى تسليط الضوء على التحديات الرئيسية في تمويل الصحة النفسية، وتقديم نظرة عامة على سلسلة القيمة في هذا المجال وأوجه القصور السوقية في كل مرحلة، ومساعدة الممولين على تحديد آليات تمويل قائمة على الأدلة بدرجات مختلفة من التعقيد، إضافة إلى توضيح العوامل التمكينية التي تسهّل النمو.
لماذا الآن؟ تدخل الصحة النفسية مرحلة جديدة ومثيرة من الابتكار والزخم العام المتزايد. ويشمل ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم برامج تقاسم المهام وتعزيز الوصول إلى أهداف الفحص والدعم والعلاج بحلول عام 2033. كما بدأت موجة جديدة من الاكتشافات في مجال الأدوية والأجهزة النفسية. فقد تمت الموافقة على أول نوع جديد من مضادات الذهان منذ أكثر من 50 عاماً في الولايات المتحدة العام الماضي، كما أعلنت شركة بريطانية ناشئة عن تأمين تمويل كبير لتطوير علاج جديد للاكتئاب.
إضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي إعطاء الأولوية لتدخلات الصحة النفسية إلى نتائج صحية واقتصادية تحويلية. إذ إن توسيع نطاق التدخلات الفعالة من حيث التكلفة للوقاية والعلاج والمساعدة على التعافي يمكن أن يستعيد ما يصل إلى 150 مليون سنة من الحياة الصحية عالمياً بحلول عام 2050. كما أن الاستثمار في الصحة النفسية يحقق عائداً اقتصادياً إيجابياً، حيث يمكن لكل دولار يتم استثماره أن يحقق عائداً يتراوح بين 5 و6 دولارات. وقد بلغ حجم سوق الصحة النفسية العالمي 448 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 573 مليار دولار بحلول عام 2033.
إذا تمكن أصحاب المصلحة من تحسين منظومة التمويل التي تدعم الابتكار في مجال الصحة النفسية بشكل جماعي، فإن الإمكانات لتحقيق نتائج اجتماعية مؤثرة وعوائد اقتصادية جذابة ستكون هائلة. إن الوقت مناسب الآن لاستكشاف أساليب جديدة للتمويل.
أهم الدروس المستفادة من هذا الدليل
سيجد القراء أربع نقاط رئيسية في هذا الدليل:
هناك حاجة إلى نهج جديد للتمويل، إذ إن الأساليب الحالية لا تأخذ في الاعتبار حالات الاستخدام المختلفة وأوجه القصور السوقية التي تميز كل مرحلة من سلسلة القيمة في الصحة النفسية. وغالباً ما تواجه التدخلات تحديات في الانتقال من الابتكار إلى التطبيق ومن التطبيق إلى التوسع الواسع. ويمكن أن يتحول التمويل من كونه عاماً إلى تمويل موجه يعالج أوجه القصور المحددة.
يمكن معالجة بعض أوجه القصور السوقية باستخدام أدوات تمويلية، بينما يتطلب البعض الآخر حلولاً أكثر شمولية. فرغم التقدم في الاعتراف بالصحة النفسية، لا تزال هناك تحديات مثل طول فترات العائد، وعدم توافق الحوافز المالية، ونقص نماذج التمويل المستدامة. كما أن مشكلات أوسع مثل الوصمة الاجتماعية، وضعف التنوع في الأبحاث، ونقص المتخصصين، تتطلب حلولاً متعددة تشمل التوعية والتغيير الثقافي والسياسات الاستراتيجية.
يمكن لبرامج الصحة النفسية الاستفادة من طرق تقليدية في جمع التمويل عبر الأسواق المالية أو استخدام أدوات مبتكرة مثل السندات ذات الأثر أو الحوافز المرتبطة بالإنجازات. ويمكن للممولين اختيار الآليات المناسبة بناءً على أهدافهم الاستراتيجية.
تختلف العوامل التمكينية لتوسيع برامج الصحة النفسية حسب الموارد المتاحة وطبيعة البرنامج، سواء كان في القطاع العام أو الخاص. وتشمل هذه العوامل توسيع القوى العاملة، وإزالة الوصمة، وتوسيع التغطية المالية، وتعزيز البنية التحتية، مما يساهم في تسريع انتشار الحلول الفعالة.
كيفية استخدام هذا الدليل
رغم أن محتوى هذا الدليل مفيد لمجموعة واسعة من الأطراف، فإن بعض الأقسام قد تكون أكثر أهمية لفئات محددة:
يمكن للممولين والمستثمرين استعراض التحديات الرئيسية في تمويل الصحة النفسية وفهم سلسلة القيمة واستكشاف مجموعة من آليات التمويل التقليدية والمبتكرة لتحديد الأنسب لأهدافهم.
يمكن للمنفذين التعلم من عوامل النجاح الأساسية لفهم كيفية تطبيق آليات التمويل بفعالية على أرض الواقع.
يمكن للمبتكرين مراجعة أوجه القصور السوقية التي قد تعيق تقدمهم عند إطلاق منتجات وخدمات جديدة.
يمكن لصناع السياسات والداعمين دراسة العوامل التمكينية التي تساعد على توسيع نطاق الخدمات في مختلف البيئات، سواء ذات الموارد المحدودة أو المرتفعة.
