توفر السنوات القادمة فرصة هائلة لأفريقيا للانتقال من كونها مستهلكًا للذكاء الاصطناعي إلى مطوّر له، مما يمكّنها من لعب دور رئيسي في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي. لكن لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به لتحقيق هذه الفرصة وضمان مشاركة أفريقيا في صياغة الأجندة العالمية للذكاء الاصطناعي.
قال أحد المتحدثين: “أفريقيا لم تعد تنتمي بشكل متزايد إلى الشمال العالمي أو الجنوب العالمي – بل أصبحت المركز العالمي الناشئ.” وقد عبّر هذا التصريح الحماسي عن روح جلسة حيوية حول الذكاء الاصطناعي في أفريقيا عُقدت على هامش قمة الأمم المتحدة للمستقبل في سبتمبر. وقدمت المناقشة لمحة عن كيفية تعامل القادة الأفارقة مع هذا المشهد الناشئ.
وعلى الرغم من أنه من المتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي بنحو 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، فإن أفريقيا يُتوقع أن تستحوذ على جزء ضئيل جدًا من هذا النمو. وتبدو الفجوة أكثر وضوحًا عند النظر إلى نصيب الفرد، خاصة مع توقع أن يشكّل سكان أفريقيا واحدًا من كل أربعة أشخاص في العالم بحلول عام 2050. وإدراكًا لهذه الفجوات، شدد وزراء أفارقة، وقادة أعمال، وأكاديميون، وممثلون عن المجتمع المدني، وأطراف دولية خلال الحدث على ضرورة أن تكون حوكمة الذكاء الاصطناعي شاملة وتعود بالفائدة على الشعوب الأفريقية.
وبالتالي، يجب أن ترتكز حوكمة الذكاء الاصطناعي على أولويات محلية داخل أفريقيا من أجل تعزيز منظومة ابتكار مزدهرة. وكما قال أحد المشاركين: “تتطلب حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية الاعتراف بأن الدول لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي من مواقع متساوية. تختلف الأولويات — فعلى سبيل المثال، قد لا تركز سلامة الذكاء الاصطناعي في أفريقيا على النماذج المتقدمة بنفس القدر كما هو الحال في الغرب. ومن الضروري الاعتراف بتعقيد السياق الفريد لأفريقيا.”
المعرفة والمهارات في الذكاء الاصطناعي — “لا يمكننا تنظيم ما لا نفهمه.”
يجب أن تتضمن أولويات حوكمة الذكاء الاصطناعي وسياسات السلامة برامج تدريبية تعزز المعرفة والفهم، سواء داخل الحكومات أو خارجها. إن تنمية ودعم المواهب الأفريقية سيكونان عنصرين أساسيين لدفع تطوير حلول ذكاء اصطناعي محلية ومسؤولة. وتمثل الفئة الشابة في أفريقيا موردًا قيّمًا يمكن أن يقود حلولًا تكنولوجية مبتكرة في مجالات حيوية مثل الصحة والزراعة. كما أن الاستثمار في التدريب المرتبط بالذكاء الاصطناعي سيساهم في تعزيز النمو الرقمي وخلق فرص اقتصادية.
البنية التحتية والمؤسسات — “تعاني العديد من الدول الأفريقية من نقص في الوصول الأساسي إلى التكنولوجيا، مما يبرز فجوة رقمية قائمة. يجب أن ننظر إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي في سياق توسيع نطاق الوصول، لضمان أن يتمكن الجميع من استخدام هذه التكنولوجيا والاستفادة منها.”
يجب أن يشمل تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي ليس فقط القدرات البشرية، بل أيضًا القدرات المؤسسية التي تمكّن من الابتكار طويل الأمد في أفريقيا. وغالبًا ما تؤدي محدودية فرص العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى هجرة الكفاءات نحو الخارج، مما يساهم في ظاهرة “هجرة الأدمغة”. ويتطلب تقليص الفجوات في الوصول والقدرات تطوير بنية تحتية داعمة للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مؤسسات مساندة، مثل مراكز البحث ومراكز التميز المتخصصة في هذا المجال عبر القارة.
منظومة البيانات — “حتى لو امتلكت كل القدرات الحاسوبية اللازمة، ماذا ستفعل إذا لم تكن لديك بيانات؟”
تُعد البيانات عنصرًا أساسيًا في الذكاء الاصطناعي. ويعمل صناع السياسات في مختلف أنحاء القارة على وضع الأسس اللازمة، حيث تقوم دول مثل نيجيريا ورواندا بإنشاء مجموعات بيانات بلغاتها المحلية لتدريب نماذج اللغة، إضافة إلى رقمنة البيانات الحكومية لدعم خدمات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمواطنين. ويجب على الدول الأفريقية التعاون لتعزيز التنسيق الإقليمي، وبناء الثقة، وضمان تمثيل عادل في البيانات.
التنسيق الإقليمي والعالمي — “يمكن للتعاون الإقليمي أن يساهم في ترسيخ مكانة أفريقيا كمحور أساسي في مستقبل الذكاء الاصطناعي. ومن الضروري أن تعمل جميع الدول الأفريقية معًا للانتقال من كونها مستهلكًا للتكنولوجيا إلى مطوّر لها.”
تشجع الاستراتيجية القارية للذكاء الاصطناعي التابعة للاتحاد الأفريقي الدول الأعضاء على تطوير استراتيجيات وطنية لتسريع بناء منظومات الذكاء الاصطناعي. كما يمكن للشراكات داخل القارة أن تساعد الدول على التعلم من بعضها البعض في مواجهة تحديات وفرص متشابهة. ويمكن للمؤسسات متعددة الأطراف، مثل البنك الدولي، دعم هذه الجهود من خلال تمويل منسق، وبناء قدرات موجهة لكل دولة، وتقديم المساعدة التقنية والمشورة السياسية.
الانتقال من الأقوال إلى الأفعال
“إن إشراك أفريقيا في حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية لا يقتصر على دعوتها للمشاركة في النقاش، بل يعني الاعتراف بها وتمكينها من التأثير في اتجاهات هذا المجال.”
مع تزايد الزخم حول حوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًا، وظهور أطر مشتركة كما ورد في ورقة قادمة لمجموعة البنك الدولي، تبرز الحاجة إلى ضمان أن تعكس هذه الأطر تنوع وجهات النظر وتحقق فوائد عادلة. ولتحقيق حوكمة شاملة بالفعل، يتطلب الأمر نهجًا تعاونيًا وعمليًا، حيث يشارك مختلف الأطراف تجاربهم بما نجح وما لم ينجح. ومن الأمثلة على ذلك إطار “ABCDE للذكاء الاصطناعي” في كوريا (الخوارزميات، نموذج الأعمال، الحوسبة والاتصال، البيانات، والطاقة)، والذي يوفر منهجية منظمة للدول النامية لتطوير ركائز الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، أشار أحد المشاركين إلى عنصر أساسي مفقود، وهو “F” الذي يرمز إلى التمويل. ولكي تصبح أفريقيا مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعي، يجب على جميع الأطراف العمل على تطوير إطار ABCDE+F الذي يدعم تطبيقات عملية وواقعية على الأرض.
وقد شدد الفريق الاستشاري رفيع المستوى للأمم المتحدة المعني بالذكاء الاصطناعي في تقريره النهائي على أهمية التمويل، داعيًا إلى إنشاء صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي. وسيكون توسيع خيارات التمويل، إلى جانب آليات تنفيذ قوية، أمرًا حاسمًا لبناء منظومة مزدهرة للذكاء الاصطناعي في القارة. والأهم من ذلك، لكي تنجح هذه الحلول التمويلية في أفريقيا، يجب أن تقوم على مشاركة حقيقية وفعّالة من قبل الأطراف الأفريقية.
