- تُعدّ الزراعة أحد أبرز العوامل المسببة لإزالة الغابات على مستوى العالم، لكن المناطق المعروفة بحدود الغابات تمثل أيضاً المكان الذي يمكن أن ينشأ فيه نموذج الإنتاج المستقبلي.
- تُظهر أنظمة الزراعة الحراجية كيف يمكن للإنتاج والحفاظ على البيئة واستعادة الأراضي أن تتكامل لتعزيز سبل العيش في المناطق الريفية وتلبية الطلب على السلع.
- كما أن استثمار الشركات في سلاسل إمداد خالية من إزالة الغابات وفي استعادة المناظر الطبيعية يسهم في حماية رأس المال الطبيعي وضمان استقرار سلاسل الإمداد على المدى الطويل.
حالياً، تُسهم الزراعة في ما يقارب 90% من إزالة الغابات الاستوائية. ومع ذلك، فإن نفس المناطق التي تختفي فيها الغابات ضرورية لإنتاج السلع التي تدعم الأسواق العالمية.
هذا التناقض يطرح تحدياً حاسماً أمام الحكومات والشركات: كيف يمكن تلبية الطلب المتزايد على الغذاء والألياف والمنتجات الزراعية، مع حماية الغابات التي تساهم في استقرار المناخ ودعم الاقتصادات الريفية؟
لكن عند نقطة التقاء الغابات والزراعة وسبل العيش الريفية—المعروفة غالباً بحدود الغابات—يمكن أن يظهر نموذج إنتاج جديد. نموذج يحافظ على الغابات القائمة، ويعيد تأهيل الأراضي المتدهورة، ويدعم مرونة اقتصادية طويلة الأمد.
ويظهر هذا التحول بالفعل في الممارسة، من خلال أنظمة الزراعة الحراجية في الأمازون وإندونيسيا، إلى استثمارات القطاع الخاص في استعادة الأراضي وسلاسل الإمداد الخالية من إزالة الغابات.
كما بدأ يُنظر إلى الغابات باعتبارها بنية تحتية اقتصادية—أنظمة طبيعية تدعم سلاسل الإمداد، وتحمي سبل العيش الريفية، وتمكّن النمو الاقتصادي المستدام. وتمتص هذه الغابات نحو 30% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن النشاط البشري سنوياً، ما يجعلها من أقوى الحلول الطبيعية لمواجهة تغير المناخ.
الغابات كبنية تحتية اقتصادية
تُعد الغابات أساس الأنظمة البيئية التي تجعل الزراعة والاقتصادات الريفية ممكنة.
يساعد الغطاء الشجري على تثبيت التربة ومنع التعرية التي قد تُضعف الأراضي الزراعية والبنية التحتية، كما تنظم مستجمعات المياه في الغابات تدفق المياه، مما يدعم أنظمة الري وتوليد الطاقة الكهرومائية. وفي العديد من المناطق الاستوائية، تقلل الغابات أيضاً من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية التي تهدد الطرق والمستوطنات والمناظر الزراعية.
إن أهم القرارات المتعلقة بمستقبل الغابات تُتخذ في مناطق تُعرف بحدود الغابات، حيث تتقاطع الغابات السليمة مع الزراعة الصغيرة والإنتاج التجاري.
تاريخياً، اتبعت العديد من اقتصادات هذه المناطق مساراً متكرراً: يتم إزالة الغابات لصالح تربية الماشية منخفضة الإنتاجية أو زراعة محصول واحد، بينما تظل أسواق الأراضي غير منظمة وتواجه الحوكمة صعوبة في مواكبة التوسع.
لكن هذه المناطق تمثل أيضاً واحدة من أكبر فرص التحول. فمع الحوافز المناسبة، يمكن أن تصبح حدود الغابات مراكز للإنتاج الزراعي المستدام، واستعادة الغابات، والتنمية الاقتصادية الريفية.
بالنسبة للشركات التي تعتمد على سلع مثل زيت النخيل أو الكاكاو أو القهوة أو المطاط، فإن الخدمات البيئية التي توفرها هذه الأنظمة تمثل بنية تحتية طبيعية تدعم أنظمة الإنتاج.
وعندما تُفقد الغابات، تصبح سلاسل الإمداد أكثر عرضة للجفاف والفيضانات وتدهور خصوبة التربة. لذلك فإن حماية الغابات القائمة واستعادة الأراضي المتدهورة ليست فقط أولوية مناخية، بل أيضاً استثمار استراتيجي في مرونة سلاسل الإمداد.
استعادة الأراضي المتدهورة عبر الزراعة الحراجية للكاكاو في الأمازون
يُعدّ الأمازون البرازيلي مثالاً بارزاً يوضح حجم التحدي وإمكانات التغيير.
يوجد أكثر من 50 مليون هكتار من الأراضي الرعوية في الأمازون البرازيلي، كثير منها أصبح متدهوراً بعد عقود من إزالة الغابات. وتمثل استعادة إنتاجية هذه الأراضي فرصة كبيرة لتقليل الضغط على الغابات المتبقية.
في السنوات الأخيرة، بدأ المزارعون في ولايات مثل بارا بتحويل المراعي المتدهورة إلى أنظمة زراعة حراجية للكاكاو، حيث تُزرع أشجار الكاكاو جنباً إلى جنب مع الأنواع المحلية من الأشجار.
تُعيد هذه الأنظمة تحسين صحة التربة، وتزيد من التنوع البيولوجي، وتعزز تخزين الكربون مقارنة بالأراضي المتدهورة. وفي الوقت نفسه، يربط إنتاج الكاكاو المزارعين بسلاسل الإمداد العالمية الرسمية، مما يوفر لهم إمكانية الوصول إلى التمويل والشهادات والأسواق المستقرة.
كما أن لهذا التحول آثاراً اقتصادية أوسع، إذ غالباً ما ارتبطت تربية الماشية الواسعة النطاق بأسواق أراضٍ غير رسمية وعمليات إزالة الغابات لأغراض المضاربة. في المقابل، تسهم أنظمة الزراعة الحراجية المرتبطة بسلاسل قيمة رسمية في تعزيز الحوكمة واستقرار الاقتصادات الريفية.
الزراعة الحراجية وسلاسل الإمداد المقاومة للمناخ في إندونيسيا
تشهد مناطق جنوب شرق آسيا تحولات مماثلة. ففي إندونيسيا، تُستخدم أنظمة الزراعة الحراجية بشكل متزايد لتحقيق التوازن بين إنتاج السلع والحفاظ على الغابات، خاصة في مناطق إنتاج الكاكاو والقهوة وزيت النخيل.
تشير الأبحاث إلى أن هذه الأنظمة المتنوعة تُحسن خصوبة التربة، وتعزز التنوع البيولوجي، وتزيد من القدرة على التكيف مع تغير المناخ مقارنة بالزراعة أحادية المحصول.
في مناطق مثل سولاويسي، تدمج الزراعة الحراجية للكاكاو أشجار الظل مع المحاصيل، مما يحسن صحة التربة ويُعدل درجات الحرارة المحلية—وهو أمر بالغ الأهمية مع تأثير تغير المناخ على الإنتاج الزراعي.
كما تتيح هذه الأنظمة للمزارعين تحقيق دخل من مصادر متعددة مثل الأخشاب والفواكه والتوابل، مما يقلل من تعرضهم لمخاطر المناخ وتقلبات السوق. وبالنسبة للشركات، توفر هذه الأنظمة قاعدة إنتاج أكثر مرونة قادرة على مواجهة التغيرات المناخية.
لماذا تستثمر الشركات في المناظر الغابية
تدرك الشركات الرائدة بشكل متزايد أن حماية الغابات واستعادتها يعزز أمن سلاسل الإمداد. ويرجع ذلك إلى تحول أوسع في التفكير المؤسسي: فالغابات لم تعد مجرد أولوية بيئية، بل أصبحت أصولاً استراتيجية تدعم الإنتاج طويل الأمد.
يسهم الاستثمار في الغابات في خلق قيمة للشركات من خلال تقليل المخاطر وتعزيز استقرار الإمدادات.
فعلى سبيل المثال، التزمت شركات كبرى بتحقيق سلاسل إمداد خالية من إزالة الغابات، مع دعم أنظمة الزراعة الحراجية وتدريب المزارعين واستعادة الأراضي. كما تستثمر بعض العلامات التجارية في الغابات القائمة من خلال دعم المجتمعات المحلية مقابل المنتجات والخدمات البيئية التي توفرها.
وتجعل هذه النماذج الحفاظ على الغابات خياراً اقتصادياً أكثر جدوى من تحويلها، حيث تصبح الغابات القائمة أصولاً إنتاجية تدعم سبل العيش والاستقرار الاقتصادي.
التعاون هو المفتاح لتحويل اقتصادات حدود الغابات
يتطلب تحويل اقتصادات حدود الغابات تنسيقاً بين مختلف القطاعات.
يتعين على الحكومات تعزيز حوكمة الأراضي وخلق حوافز للإدارة المستدامة، وعلى المؤسسات المالية توفير التمويل اللازم للاستعادة والزراعة المستدامة، بينما يجب على الشركات مواصلة تنفيذ التزاماتها بسلاسل إمداد خالية من إزالة الغابات والاستثمار في استعادة المناطق التي تعتمد عليها.
تساعد المبادرات الدولية على جمع هذه الأطراف معاً لتوسيع نطاق الحلول عبر المناظر الطبيعية وسلاسل الإمداد.
في النهاية، سيتشكل اقتصاد الغابات المستقبلي في هذه المناطق الحدودية. ومن خلال الاستثمار في الزراعة الحراجية، وتعزيز الاقتصادات الريفية الرسمية، والاعتراف بالقيمة الاقتصادية للخدمات البيئية، يمكن لهذه المناطق أن تصبح محركات للتنمية المستدامة.
بالنسبة للشركات، الفرصة واضحة: تأمين سلاسل الإمداد مع حماية الأنظمة البيئية التي تقوم عليها.
وإذا تم توفير السياسات والشراكات والاستثمارات المناسبة، يمكن لحدود الغابات أن تصبح أساساً لنموذج اقتصادي جديد—نموذج تبقى فيه الغابات قائمة، وتنمو فيه الاقتصادات الريفية، وتصبح فيه الأسواق العالمية أكثر مرونة واستدامة.
