في عام 2017، انتشر هجوم ببرمجيات الفدية عبر عدة دول، متسببًا في أضرار تُقدَّر بحوالي 10 مليارات دولار للشركات حول العالم. ومؤخرًا، في كوستاريكا، أدى حادث كبير في عام 2022 إلى إعلان حالة طوارئ وطنية وتسبب في خسائر بلغت نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
تعيد التقنيات الرقمية تشكيل الاقتصادات والخدمات العامة، لكنها في الوقت ذاته تُدخل مخاطر جديدة ومستمرة. يمكن للحوادث السيبرانية أن تعطل الخدمات الأساسية، وتقوض الثقة في المؤسسات العامة، وتمحو مكاسب تنموية تحققت على مدى سنوات.
لذلك، لم يعد الأمن السيبراني مجرد قضية تقنية ضيقة، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في النمو الاقتصادي، والأمن الوطني، والتنمية الرقمية الشاملة.
دعم الدول حيثما تشتد الحاجة
في مجموعة البنك الدولي، ندرك أن التحول الرقمي لا يمكن أن يحقق وعوده إلا إذا كانت الأنظمة التي يقوم عليها مرنة وموثوقة. وهذا المبدأ يوجه عملنا مع العملاء في جميع أنحاء العالم.
بين عامي 2014 و2023، دعمت مجموعة البنك الدولي إصلاحات واستثمارات قامت بها حكومة غانا، مما ساعد على ترسيخ مكانة البلاد كقائد إقليمي في مجال الأمن السيبراني. وشملت هذه الجهود اعتماد خطة وطنية للأمن السيبراني، وإنشاء الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، وتعزيز فريق الاستجابة لحوادث أمن المعلومات. واليوم، تحتل غانا المرتبة الأولى في غرب ووسط أفريقيا، والثالثة على مستوى القارة وفق مؤشر الأمن السيبراني العالمي.
وفي الفلبين، وفي إطار جهود أوسع لتوسيع الاتصال، تدعم مجموعة البنك الدولي برنامجًا طموحًا بقيمة 40 مليون دولار لتعزيز مرونة البنية التحتية الوطنية للنطاق العريض والاتصالات. ويركز البرنامج على الكشف المبكر عن الحوادث، والاستجابة السريعة، وإدارة المخاطر التي تهدد البنية التحتية الحيوية في قطاع الاتصالات.
وعبر العديد من الدول الأخرى، تنشط مجموعة البنك الدولي في تعزيز نهج “الأمن السيبراني حسب التصميم”، من خلال دمج الضمانات في مبادرات التحول الرقمي منذ البداية. ويُعد هذا النهج أيضًا محورًا أساسيًا في عمل صندوق الأمن السيبراني متعدد المانحين، الذي يساعد الحكومات على التفكير الاستراتيجي وتطوير سياسات قائمة على الأدلة مدعومة بالبيانات.
من إجراءات متفرقة إلى استراتيجية وطنية
أحد الدروس التي تعلمناها خلال العقدين الماضيين هو أن جهود الأمن السيبراني تكون أكثر فاعلية عندما تكون استراتيجية، ومنسقة، ومستدامة على المدى الطويل.
في البداية، تعاملت العديد من الدول مع الأمن السيبراني من خلال ضوابط تقنية منفصلة أو تدابير قانونية مؤقتة. ورغم أن هذه الخطوات لا تزال ضرورية، فإنها لم تعد كافية في عالم رقمي شديد الترابط.
تساعد الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني الحكومات على الانتقال من ردود الفعل إلى التخطيط الاستباقي. فهي تحدد رؤية مشتركة، وتوضح الأدوار والمسؤوليات، وتحدد أولويات الاستثمار، وتربط الأمن السيبراني بالأولويات الوطنية، بدءًا من الخدمات العامة والبنية التحتية الحيوية وصولًا إلى النمو والشمول.
ويظهر هذا التحول في الزيادة الملحوظة في عدد الدول التي تعتمد استراتيجيات وطنية للأمن السيبراني. فوفقًا لمؤشر الاتحاد الدولي للاتصالات، ارتفع العدد من 76 دولة في عام 2018 إلى 127 دولة في عام 2021، ثم إلى 136 دولة في عام 2024. ويعكس هذا الاتجاه تزايد أهمية الأمن السيبراني لدى القادة الوطنيين، والحاجة المتنامية إلى أطر عملية توجه القرارات طويلة الأمد في بيئة مخاطر متغيرة بسرعة.
دليل يستند إلى الخبرة العالمية
لهذا السبب، يأتي إصدار النسخة الأحدث من دليل تطوير استراتيجية وطنية للأمن السيبراني في توقيت بالغ الأهمية.
منذ صدوره الأول في عام 2018، أصبح هذا الدليل مرجعًا واسع الاستخدام للقادة وصناع السياسات المسؤولين عن إعداد وتنفيذ وتحديث استراتيجيات الأمن السيبراني. وقد استخدمته دول في مراحل مختلفة من النضج الرقمي لتنظيم النقاشات، وإشراك أصحاب المصلحة، وتحويل الأهداف السياسية إلى خطط عملية.
تبني النسخة الثالثة على هذا الأساس، مع تركيز أكبر على إدارة المخاطر، وحماية الخدمات الحيوية، وبناء تمويل ومهارات مستدامة، ومواءمة الأمن السيبراني مع أولويات التنمية الوطنية. كما تؤكد أن الاستراتيجيات يجب أن تتطور مع تغير التقنيات والتهديدات والمؤسسات.
ومن المهم أن هذا الدليل يجمع دروسًا واقعية من دول وصلت بالفعل إلى دوراتها الثانية والثالثة من الاستراتيجيات، مما يساعد الآخرين على الانتقال من تصميم السياسات إلى التنفيذ الفعّال.
كما يعكس الدليل قوة التعاون، إذ جاء نتيجة جهد تشاركي شامل بمساهمات من 37 جهة تشمل مؤسسات دولية ومتعددة الأطراف، وحكومات، والقطاع الخاص، والأوساط الأكاديمية، والمجتمع المدني.
من المبادئ إلى التنفيذ
سيتسارع التحول الرقمي، وكذلك المخاطر السيبرانية.
إن بناء مستقبل رقمي آمن ومرن وشامل يمثل أحد أبرز تحديات التنمية في عصرنا. فالاستراتيجية تحدد الاتجاه، لكن القيادة، والتمويل المستدام، والتنفيذ الفعلي هي التي تحدد ما إذا كانت ستُحقق نتائج ملموسة.
وستواصل مجموعة البنك الدولي اعتبار الصمود السيبراني عاملًا استراتيجيًا داعمًا للتنمية المستدامة، من خلال دعم الدول في تحويل استراتيجيات الأمن السيبراني إلى تأثير دائم.
