تسعى العديد من الدول إلى تغيير الطريقة التي تقوم من خلالها بشراء السلع والخدمات الرقمية. ففي عالم سريع الإيقاع، لم تعد الأساليب التقليدية قادرة على مواكبة المتطلبات— إذ تميل عمليات المناقصات إلى أن تكون بطيئة ومعقدة، وتركّز على الامتثال أكثر من الابتكار. وقد يؤدي ذلك إلى اعتماد المؤسسات العامة على أنظمة قديمة ومكلفة وغير متوافقة لا تفي بالوعود المرجوة منها.
تحتاج الحكومات إلى مواجهة هذا التحدي بشكل مباشر من خلال اعتماد المشتريات الذكية. فتبسيط عمليات الشراء العام وجعلها أكثر شفافية يمكن أن يساعد الدول على تبنّي أدوات رقمية حديثة مثل الحوسبة السحابية، والخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمنصات الآمنة. ومن شأن ذلك تسريع عملية تحديث الخدمات العامة وجعلها أكثر كفاءة وفعالية من حيث التكلفة وشمولية— وباختصار، يمكن للمشتريات الذكية أن تساعد الحكومات على الاستجابة بشكل أفضل لاحتياجات مواطنيها.
تحديث المشتريات في القطاع العام
بدأ عدد من الدول بالفعل في اتخاذ خطوات لتقديم خدمات رقمية أسرع وأكثر كفاءة وعدالة. فعلى سبيل المثال، وبدعم من البنك الدولي، تعمل رومانيا على إعادة تشكيل طريقة شراء الخدمات الرقمية بهدف إنشاء منصة حكومية متكاملة بدلًا من مجموعة من الوكالات المنعزلة. وتقود هيئة الرقمنة في رومانيا هذه الجهود بصفتها السلطة المركزية لمشتريات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث تقوم البلاد ببناء منصة رقمية موحدة تفرض قابلية التشغيل البيني، ومعايير تقنية واضحة، ومتطلبات صارمة لأمن الحوسبة السحابية.
ويمتلك هذا “السوق الرقمي” المرتقب القدرة على تحويل الطريقة التي تشتري بها الوكالات الرومانية الخدمات الرقمية وتوسّع نطاقها، مثل الحوسبة السحابية وتطوير البرمجيات. ويكمن المفتاح في المرونة: فمن خلال تجاوز إجراءات المناقصات الطويلة، يمكن للهيئة تجنّب اقتناء تقنيات قديمة، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في تخصيص الخدمات الرقمية. وتساعد المشتريات الذكية الحكومة على الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي مع التحكم في التكاليف، والحفاظ على المعايير، والالتزام بالإرشادات الأخلاقية.
ولا تقتصر هذه الجهود على رومانيا فقط. فالبنك الدولي يدعم العديد من الدول لتحديث أنظمة المشتريات العامة. ففي بنغلاديش، تعمل منصة وطنية للمشتريات الحكومية الإلكترونية على رقمنة عمليات المناقصات وإدارة العقود، مما ساهم في تقليل الفساد والتأخيرات. وفي المغرب، تم رقمنة المناقصات العامة من خلال نظام وطني للمشتريات الإلكترونية، وهو ما ساهم في تقليل الانبعاثات الكربونية.
وإلى جانب الكفاءة، توفر المشتريات الذكية فوائد أوسع. فقد حققت أطر خدمات التوريد الحكومية في المملكة المتحدة وفورات بلغت 4.9 مليار جنيه إسترليني في العام الماضي، بينما ساهمت سياسة البرمجيات مفتوحة المصدر في فرنسا في تحفيز نمو الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا وزيادة فرص العمل في قطاع تكنولوجيا المعلومات. كما تربط الدراسات بين فعالية المشتريات وتحسين تقديم الخدمات الرقمية الحكومية، كما هو الحال في كندا.
بناء منظومة رقمية متكاملة، لا مجرد سوق
تركّز مقاربة رومانيا على بناء منظومة رقمية محلية متكاملة. وسيعمل السوق الرقمي على إزالة الحواجز أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي غالبًا ما تُستبعد من العقود الحكومية بسبب الإجراءات المعقدة. ومن خلال تبسيط العقود، واعتماد تقييم شفاف، وتسهيل إجراءات الانضمام، سيتم تحقيق تكافؤ الفرص في بيئة الأعمال. ويُظهر السوق الرقمي في المملكة المتحدة نجاح هذا النهج— إذ ارتفع الإنفاق على الشركات الصغيرة والمتوسطة بشكل كبير، متجاوزًا الأهداف الحكومية. كما يُعد الأثر الاجتماعي أولوية أخرى، مستوحاة من تركيز المملكة المتحدة على القيمة الاجتماعية في الإنفاق العام.
ولنأخذ مثالًا على ذلك: إذا احتاجت وزارة العمل إلى خدمة رقمية جديدة لإدارة إعانات البطالة، فيمكنها من خلال السوق الرقمي تصفح حلول ومورّدين تم التحقق منهم مسبقًا، ومقارنة الأسعار، ونشر الفرق والخدمات السحابية خلال أسابيع قليلة. كما تضمن العقود الموحدة والمتطلبات التقنية تكاملًا سلسًا مع أنظمة الحكومة الأخرى.
من الرؤية إلى التنفيذ
بدأت الدول تتبادل خبراتها في بناء الأسواق الرقمية، مما يمنح مفهوم المشتريات الذكية زخمًا عالميًا.
وقال دراغوش-كريستيان فلاد، رئيس هيئة الرقمنة في رومانيا، خلال ورشة عمل وتبادل معرفي استضافته الحكومة الرومانية والبنك الدولي، وجمعت وكالات حكومية وقادة من القطاع الخاص وجهات دولية نجحت في تنفيذ إصلاحات مماثلة: “يجب أن تأخذ الرقمنة في بلدنا بعين الاعتبار تجارب الدول الأخرى.”
ولكي ينجح هذا النهج، يتعين على الحكومات والجامعات والقطاع الصناعي التعاون بشكل وثيق. وقد أوصى البنك الدولي بإنشاء “مركز للتميز” لدعم تبني رومانيا للحوسبة السحابية. ويقوم هذا المفهوم على ثلاثة محاور رئيسية:
الحوكمة الرشيقة: وضع إطار حوكمة مرن
معايير الخدمات الرقمية: إنشاء إرشادات واضحة لتقديم خدمات رقمية متسقة
الاستدامة المالية: إعادة استثمار وفورات المشاريع الرقمية لإنشاء نظام استرداد التكاليف
وبما يتماشى مع رؤية الاتحاد الأوروبي للعقد الرقمي 2030، يقدّم السوق الرقمي في رومانيا نموذجًا لإصلاحات مشتريات مرنة تدفع نحو تحول رقمي أوسع. ومن خلال التركيز على قابلية التشغيل البيني، والكفاءة من حيث التكلفة، وتطوير المنظومة الرقمية، تعمل رومانيا على بناء حكومة رقمية حديثة تتمحور حول المواطن. ولا يقتصر التركيز على المشتريات الذكية على شراء التكنولوجيا فحسب— بل يشمل أيضًا تحويل طريقة عمل الحكومة وتقديمها للقيمة لمواطنيها.
وتتمثل الرؤية طويلة المدى في إنشاء منظومة رقمية ديناميكية تعزز الابتكار، وتدعم الشركات المحلية، وتحسّن الخدمات العامة لجميع المواطنين. ويمثل هذا المشروع خطوة مهمة إلى الأمام في مسيرة التحول الرقمي للبلاد، مع إمكانية أن يصبح نموذجًا يُحتذى به للدول الأخرى التي تسعى إلى تحديث أنظمة المشتريات الحكومية لديها.
