القائمة الرئيسية

لماذا ينهار سعر الذهب في وقت الحرب

لماذا ينهار سعر الذهب في وقت الحرب
ملخص المقال

يستعرض راند لو في هذا المقال، المنشور في the conversation، أن الصورة التقليدية للذهب كملاذ آمن ومستقر لم تعد دقيقة في ظل التحولات الحديثة، إذ أظهرت الأشهر الأخيرة تقلبات حادة في سعره رغم تصاعد الأزمات الجيوسياسية، حيث ارتفع إلى مستويات قياسية ثم تراجع بشكل ملحوظ. ورغم احتفاظه بمكاسب طويلة الأجل مدفوعة بظاهرة ""التمويلنة"" وتوسع أدوات الاستثمار فيه، فإن ارتباطه المتزايد بالأسواق المالية والمضاربات جعله أكثر عرضة للتقلبات. كما يبيّن المقال أن دور الذهب يختلف باختلاف نوع الأزمة؛ فقد كان أكثر استقرارًا في الأزمات المالية التقليدية، لكنه أقل فاعلية في أزمات الطاقة الحالية، حيث تؤثر عوامل مثل تسييل الأصول، وجني الأرباح، وأهمية السلع الأساسية كالنفظ، في سلوكه. وبذلك، لم يعد الذهب ملاذًا آمنًا مطلقًا، بل أصلًا ماليًا يتفاعل مع اضطرابات النظام الاقتصادي بدلًا من أن يحمي منها دائمًا.

بقلم: راند لو

لطالما ارتبط الذهب في أذهان المستثمرين بالاستقرار والحماية خلال الأزمات. غير أن ما شهدته الأشهر الأخيرة، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وحالة القلق في الأسواق العالمية، يكشف صورة مختلفة تمامًا. فقد بدا أداء الذهب أقرب إلى تقلبات حادة ومتسارعة، لا إلى ذلك الأصل المستقر الذي يلجأ إليه المستثمرون عند العواصف.

في نهاية شهر يناير، سجّل الذهب مستوى قياسيًا غير مسبوق، حيث اقترب سعر الأونصة من 5600 دولار أمريكي، أي ما يعادل تقريبًا ضعف قيمته قبل عام واحد فقط. لكن هذا الارتفاع لم يدم طويلًا، إذ فقد الذهب نحو خمس قيمته منذ ذلك الحين، متراجعًا بشكل ملحوظ بالتزامن مع اندلاع صراع واسع في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن الذهب فقد مكانته بالكامل، فهو لا يزال مرتفعًا مقارنة بالمعايير التاريخية، إذ حقق زيادة تقارب 300% خلال العقد الماضي. ويرتبط جزء كبير من هذا الصعود بما يُعرف بظاهرة التمويلنة، أي تحويل الذهب من مجرد سلعة مادية إلى أداة مالية تُتداول بطرق متعددة ومعقدة.

فلم يعد الاستثمار في الذهب يقتصر على اقتنائه بشكل مباشر، بل توسعت الخيارات لتشمل المشتقات المالية وصناديق الاستثمار التي تتبع سعره، وهو ما فتح الباب أمام موجة واسعة من المضاربات، سواء من قبل المؤسسات المالية الكبرى أو المستثمرين الأفراد.

لكن التقلبات الحادة التي يشهدها هذا العام تكشف بوضوح أن فكرة الذهب كملاذ آمن مطلق لم تعد دقيقة. لفهم ذلك، لا بد من التعمق في طبيعة الأسواق المالية الحديثة، والتمييز بين أنواع الأزمات، خصوصًا تلك المرتبطة بالطاقة.

عندما يسعى المستثمرون إلى حماية ثرواتهم، فإنهم عادة ما يتجهون إلى نوعين من الأصول: التحوط أو الملاذ الآمن. التحوط هو استثمار يتحرك في الاتجاه المعاكس للسوق على المدى الطويل، مما يوفر نوعًا من الحماية المستمرة، لكنه في الوقت ذاته قد يحد من تحقيق المكاسب في الفترات الجيدة. يمكن تشبيه ذلك بشخص يحمل مظلة طوال الوقت، فيبقى محميًا من المطر، لكنه لا يستمتع بالشمس.

أما الملاذ الآمن، فهو مختلف، إذ لا يؤدي هذا الدور إلا في لحظات الأزمات الحادة والمفاجئة. هو أشبه بمأوى يُلجأ إليه فقط عند حدوث عاصفة قوية، وليس في كل الأوقات.

في هذا السياق، احتل الذهب موقعًا وسيطًا بين هذين المفهومين. فقد أظهرت دراسات سابقة أنه يمتلك بعض خصائص الملاذ الآمن، خاصة في أسواق الأسهم الكبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا. وخلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008، كان الذهب أكثر استقرارًا مقارنة بغيره من المعادن النفيسة، إذ انخفض سعره، لكنه تجنب الانهيارات الحادة التي أصابت غيره.

وتكرر هذا السلوك إلى حد ما في عام 2011، عندما خُفّض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، ما أدى إلى اضطرابات في الأسواق العالمية. في تلك الحالات، كانت الأزمات نابعة من داخل النظام المالي نفسه، مثل انهيار البنوك أو تراجع الثقة في الجدارة الائتمانية.

أما الوضع الحالي، فهو مختلف جذريًا. العالم يواجه صدمة طاقة كبيرة نتيجة تعطل إمدادات النفط وتضرر البنية التحتية للطاقة في مناطق حيوية. هذه ليست أزمة مالية تقليدية، بل أزمة تمس أساس الاقتصاد العالمي.

في الظروف العادية، يُفترض أن تدفع الحروب أو الانهيارات الاقتصادية المستثمرين إلى ما يُعرف بالهروب إلى الأمان، أي التخلي عن الأصول عالية المخاطر والاتجاه نحو أصول أكثر استقرارًا مثل الذهب. لكن الواقع أكثر تعقيدًا مما توحي به هذه القاعدة.

تشير دراسات حديثة إلى أن دور الذهب كملاذ آمن أصبح أقل وضوحًا، خاصة في الأزمات الأخيرة مثل جائحة كورونا، حيث لم يظهر نفس السلوك التقليدي المتوقع منه. صحيح أن المستثمرين لا يزالون يتجهون إليه عند الابتعاد عن المخاطر، لكنه لم يعد محصنًا بالكامل من تقلبات السوق.

فالذهب اليوم لا يقف خارج دائرة الاضطراب، بل يتأثر بها ويمتص جزءًا من تقلباتها، سواء القادمة من أسواق الأسهم أو من أسواق الطاقة. وهذا التفاعل قد يؤدي أحيانًا إلى تراجع سعره بدلًا من ارتفاعه.

هناك عدة أسباب وراء ذلك. أولها أن فترات الاضطراب الشديد قد تجبر بعض المستثمرين الكبار على بيع الذهب لتغطية خسائر في استثمارات أخرى أو للوفاء بالتزامات مالية عاجلة. كما أن الارتفاعات السابقة في الأسعار قد تدفع البعض إلى جني الأرباح وإعادة توزيع استثماراتهم.

إضافة إلى ذلك، يفتقر الذهب إلى الاستخدامات الصناعية الواسعة مقارنة بسلع مثل النفط. ففي أوقات الأزمات الكبرى، عندما تضطر الاقتصادات إلى ترتيب أولوياتها، يصبح النفط أكثر أهمية من الذهب لأنه يمثل عنصرًا أساسيًا في تشغيل الصناعات والنقل والطاقة.

عامل آخر لا يقل أهمية هو التحول الكبير في طبيعة الاستثمار في الذهب. فقد أصبح تداوله يتم بشكل متزايد عبر أدوات مالية معقدة، مثل المشتقات وصناديق المؤشرات، ما يعني أن الكثير من المستثمرين لا يشترون الذهب فعليًا، بل يتعاملون مع أصول مالية مرتبطة بسعره.

هذا التحول جعل سعر الذهب أكثر ارتباطًا بحركة الأسواق المالية بشكل عام، وأقل اعتمادًا على العرض والطلب الفعليين. ومع امتلاك المستثمرين لمحافظ تجمع بين الأسهم ومشتقات الذهب في الوقت نفسه، أصبحوا أكثر عرضة للتأثر بنفس الصدمات، وهو ما يزيد من تقلب الأسعار بدلًا من تقليلها.

في النهاية، لم يعد الذهب ذلك الملاذ الآمن المطلق الذي يقف بمعزل عن العواصف. بل أصبح جزءًا من نظام مالي معقد، يتفاعل مع أزماته ويتأثر بها، وأحيانًا يتقلب معها بدلًا من أن يحمي منها.

المصدر

مقالات ذات صلة