بقلم: صوفي وينكل
قبل سنوات قليلة فقط، كانت باريس تُعرف بطبقة كثيفة من الضباب الدخاني. عوادم الديزل والجسيمات الدقيقة جعلت منها واحدة من أكثر العواصم الأوروبية تلوثًا. أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة تمامًا. فقد أسهمت سياسات صارمة تشمل تقليل الانبعاثات، وفرض حدود للسرعة، وحظر سيارات الديزل، وتقليص أماكن الوقوف، في تحسين جودة الهواء وإنقاذ آلاف الأرواح من الوفاة المبكرة.
مساحات أقل للسيارات وحياة أكثر للناس
منذ انتخاب عمدة المدينة Anne Hidalgo في عام 2014، تبنت باريس رؤية واضحة تقوم على إعادة المدينة لسكانها بدلًا من السيارات. فتم استبدال مواقف السيارات بمساحات خضراء، وتحويل الساحات الإسفلتية إلى حدائق، وإعادة تصميم الشوارع لتصبح أكثر ملاءمة للمشاة. ومن أبرز رموز هذا التحول، قرار عام 2016 بحظر السيارات من الضفة اليمنى لنهر السين، وتحويلها إلى ممشى نهري أصبح اليوم أحد أبرز معالم التجديد الحضري.
من مدينة سيارات إلى مدينة دراجات
أكثر التغييرات وضوحًا يظهر في انتشار الدراجات. فقد أزالت باريس العديد من مسارات السيارات وحولتها إلى ممرات للدراجات. ومنذ عام 2015، توسعت شبكة الدراجات بنسبة 40% لتتجاوز 1000 كيلومتر. كما استثمرت المدينة أكثر من 400 مليون يورو في هذا القطاع حتى عام 2026. هذه الاستثمارات أثمرت نتائج ملموسة، إذ أصبحت الدراجات في بعض الأحياء أكثر عددًا من السيارات، ولم تعد الرحلات بالسيارات تمثل سوى أقل من 5% من إجمالي التنقلات داخل المدينة.
شوارع خضراء بلا سيارات
في 24 مارس 2025، صوّت سكان باريس لصالح خطة جديدة تهدف إلى تحويل 500 شارع إضافي إلى مناطق خالية من السيارات. ورغم أن نسبة المشاركة في الاستفتاء لم تتجاوز 4% من الناخبين، فإن نحو ثلثي المشاركين أيدوا المشروع المعروف باسم «شوارع الحدائق». ونتيجة لذلك، ستُزال قرابة 10,000 مساحة مخصصة لوقوف السيارات، ليحل محلها الأشجار والمقاعد والمساحات العامة الخضراء. وتستهدف الخطة إنشاء نحو 25 شارعًا خاليًا من السيارات في كل حي، مع إعطاء أولوية للمناطق القريبة من المدارس. بالنسبة لعمدة المدينة وفريقها، يمثل هذا التصويت تفويضًا واضحًا لمواصلة تحويل باريس إلى مدينة أنظف وأكثر استدامة وقابلية للعيش.
مدينة الخمس عشرة دقيقة
تسعى باريس أيضًا إلى تطبيق مفهوم «مدينة الخمس عشرة دقيقة»، حيث يمكن للسكان الوصول إلى كل ما يحتاجونه، من خدمات صحية ومدارس وأسواق ومرافق ثقافية، خلال مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام أو باستخدام الدراجة. هذا النموذج، المعروف بالفرنسية باسم “la Ville du Quart d’Heure”، يهدف إلى تقليل الاعتماد على السيارات، ودعم الاقتصاد المحلي، وتعزيز الحياة المجتمعية في الأحياء.
نتائج ملموسة في الصحة والبيئة
النتائج تعكس نجاح هذه السياسات. فمنذ عام 2014، شهدت باريس تحسنًا كبيرًا في جودة الهواء. ووفقًا للوكالة البيئية «إير باريف»، انخفضت مستويات الجسيمات الدقيقة بنحو 40%، كما تراجعت مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 50%. والأكثر أهمية أن الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء انخفضت بمقدار الثلث بين عامي 2010 و2019.
وكما تؤكد Anne Hidalgo:
«تعمل باريس على قيادة مجموعة من المبادرات التي تهدف إلى تحسين صحة السكان وجودة حياتهم، مع دفع جهود العمل المناخي وسياسات الهواء النظيف قدمًا، بحيث يكون الإنسان، لا المركبة، في قلب المدينة».
