بقلم: ديفيد سوكا
ما مدى خطورة لندن في الواقع؟ عند تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، قد يبدو أن العاصمة البريطانية تعيش حالة من الفوضى والعنف، حيث تنتشر مقاطع الفيديو والمنشورات التي تركز على «جرائم لندن»، فتُرسّخ صورة ذهنية سلبية. هذه الصورة لا تبقى في حدود الفضاء الرقمي، بل يجري توظيفها سياسيًا من قبل بعض التيارات اليمينية. ونتيجة لذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن عددًا متزايدًا من البريطانيين باتوا يعتقدون أن لندن مدينة غير آمنة. لكن البيانات الفعلية تقدم رواية مختلفة تمامًا؛ إذ شهدت الجرائم العنيفة تراجعًا خلال السنوات الأخيرة، كما انخفض معدل جرائم القتل إلى أدنى مستوى له منذ نحو ثلاثين عامًا. والأهم من ذلك أن الغالبية الساحقة من سكان لندن يشعرون بالأمان في مدينتهم. هذه المفارقة تكشف كيف يمكن للخوارزميات الرقمية والخطاب السياسي المبالغ فيه أن يعيدا تشكيل التصورات العامة، حتى عندما تناقضها الحقائق.
على منصة تيك توك، ينتشر وسم يُعرف باسم «London simulator»، والذي يقدم صورة محددة ومكررة عن المدينة. فبمجرد البحث عنه، تظهر مقاطع تحاكي أجواء ألعاب الفيديو، حيث يتحرك أشخاص يحملون سكاكين في شوارع مظلمة وكئيبة. هذه الصور المتكررة تسهم في بناء انطباع عام عن لندن بوصفها مكانًا خطرًا. فالمنصات الرقمية تميل بطبيعتها إلى إبراز المحتوى الذي يثير الانقسام ويجذب الانتباه، ومع التكرار المستمر، يتكرس تصور أن العنف، وخاصة جرائم السكاكين، هو السمة الغالبة على المدينة.
هذا التصور لا يبقى حبيس وسائل التواصل، بل يجد صداه لدى بعض السياسيين الشعبويين الذين يعيدون إنتاجه وتعزيزه. فقد صرح أحد السياسيين اليمينيين بأن لندن باتت تشبه «دول العالم الثالث» وأنها «غير آمنة للنساء»، وهو تصريح حصد ملايين المشاهدات. وفي السياق نفسه، يحقق حزب «ريفورم يو كيه» تقدمًا ملحوظًا في استطلاعات الرأي، بل يتصدر بعضها في الوقت الراهن، ما يعكس التأثير السياسي المحتمل لهذه السرديات.
ورغم هذه الصورة القاتمة، فإن الواقع الإحصائي يشير إلى اتجاه مختلف. فالجرائم العنيفة في لندن آخذة في الانخفاض منذ سنوات، كما سجلت المستشفيات مؤشرًا إيجابيًا آخر، حيث بلغ عدد الحالات المرتبطة بإصابات السكاكين أدنى مستوياته خلال عقد على الأقل في عام 2024. أما معدل جرائم القتل، فقد وصل إلى 1.1 لكل 100 ألف نسمة، وهو أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات في أواخر التسعينيات. وبالمقارنة مع مدن أخرى كبرى، فإن هذا المعدل أقل من باريس وبرلين، وأقل بكثير من نيويورك التي تسجل معدلات أعلى بكثير رغم تقارب حجمها مع لندن.
لا يعني ذلك أن المدينة خالية من التحديات. فهناك بالفعل ارتفاع في بعض الجرائم مثل سرقة الهواتف المحمولة، التي تُنفذ أحيانًا باستخدام دراجات كهربائية، إلى جانب زيادة ملحوظة في سرقات المتاجر. ومع ذلك، فإن هذه الظواهر لا تفسر لماذا تسود على الإنترنت صورة تختزل المدينة في العنف الشديد. وهنا تتجلى الفجوة بين الواقع كما تعكسه الأرقام، والصورة المتداولة رقميًا التي تركز على أسوأ السيناريوهات.
لفهم هذه الفجوة، أجرت مجلة «ذا إيكونوميست» تحليلًا لمنشورات منصة «إكس» خلال الفترة بين 2020 و2025، ركزت فيه على المنشورات التي تجمع بين ذكر لندن وكلمات مرتبطة بالجرائم العنيفة. وأظهرت النتائج أن عدد هذه المنشورات تضاعف في عام 2025 مقارنة بالمتوسط السنوي للسنوات السابقة. كما ارتفع مستوى التفاعل معها بشكل ملحوظ، إذ تضاعف تقريبًا متوسط الإعجابات وإعادة النشر لكل منشور خلال عام واحد فقط.
ولم يقتصر التغيير على الكم، بل شمل أيضًا طبيعة الخطاب. فقد اتجهت بعض المنشورات إلى ربط الجريمة بقضايا الهجرة أو الدين أو العرق، وتضاعفت نسبة هذا النوع من الخطاب منذ عام 2023. كما ازداد استخدام مصطلحات مثيرة للجدل مثل «Londonistan»، التي تعكس سرديات سياسية تتحدث عن «أسلمة» المدينة. هذا التحول في الخطاب يدفع النقاش بعيدًا عن معالجة الجريمة كظاهرة اجتماعية، ليضعها ضمن إطار أوسع يتعلق بالهوية والثقافة، حيث يُقدَّم العنف بوصفه دليلًا على تدهور حضاري.
ولا يمكن إغفال العامل الاقتصادي في هذا السياق. فبعض المنصات، مثل «إكس»، تقدم حوافز مالية للمحتوى الذي يحقق تفاعلًا مرتفعًا، ما يشجع على إنتاج محتوى أكثر إثارة واستفزازًا. وقد أدى ذلك إلى ظهور حسابات تتعمد نشر مواد مثيرة للجدل لأنها ببساطة تحقق أرباحًا. ورغم وجود تساؤلات حول دور الحسابات الآلية أو الجهات الخارجية في تضخيم هذا المحتوى، فإن التحليلات تشير إلى أن الحسابات الأكثر تأثيرًا تعود في الغالب إلى مستخدمين حقيقيين داخل المملكة المتحدة، بينما تمثل الروبوتات نسبة أقل وتحظى بتفاعل محدود.
تنعكس هذه الديناميكيات الرقمية على الرأي العام بشكل واضح. فوفقًا لاستطلاع حديث، يرى 61% من البريطانيين أن لندن مدينة غير آمنة، مقارنة بنسبة 39% قبل نحو عقد من الزمن. وترتفع هذه النسبة بشكل لافت بين مؤيدي بعض الأحزاب السياسية. في المقابل، يعبر سكان لندن أنفسهم عن رؤية مختلفة تمامًا؛ إذ لا يعتقد سوى ثلثهم أن مدينتهم غير آمنة، بينما يؤكد أكثر من أربعة أخماسهم أن الأحياء التي يعيشون فيها آمنة. هذه المفارقة تكشف بوضوح كيف يمكن للصورة الرقمية أن تعيد تشكيل الإدراك العام، حتى عندما تكون بعيدة عن الواقع.
