القائمة الرئيسية

هل يمكن تحويل الطلب المتزايد على طاقة مراكز البيانات إلى أصل استراتيجي؟

هل يمكن تحويل الطلب المتزايد على طاقة مراكز البيانات إلى أصل استراتيجي؟
ملخص المقال

يوضح مقال في موقع المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) أن الطلب المتسارع على الطاقة من مراكز البيانات، المدفوع بالتوسع الكبير في الذكاء الاصطناعي، لم يعد مجرد تحدٍ تقني بل تحول إلى قضية اقتصادية وجيوسياسية. ويبرز المقال أن هذه المراكز يمكن أن تتحول من عبء على الشبكات الكهربائية إلى أصل استراتيجي من خلال استغلال الحرارة المهدرة في أنظمة التدفئة الحضرية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. كما يشير إلى أن المشكلة لا تكمن في حجم الاستهلاك بحد ذاته، بل في غياب التنسيق والسياسات الحديثة التي تربط بين البنية التحتية الرقمية وأنظمة الطاقة. ويؤكد أن إعادة تصور دور مراكز البيانات ضمن استراتيجيات الطاقة، عبر التخطيط الذكي والاستثمار والتشريعات المناسبة، يمكن أن يحول التحديات إلى فرص تدعم الاستدامة وتعزز مرونة الأنظمة الاقتصادية في عصر الذكاء الاصطناعي.

  • يتجه الطلب العالمي على الكهرباء لمراكز البيانات نحو 950 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، مدفوعًا بالتوسع السريع في الذكاء الاصطناعي.
  • يمكن أن يساهم تحويل الحرارة المهدرة إلى أنظمة تدفئة حضرية مركزية في تلبية 12% من احتياجات الطاقة السكنية في أوروبا، مع المساعدة في استقرار الشبكات الكهربائية.
  • يجب على صانعي السياسات الانتقال من التعامل مع مراكز البيانات كأصول عقارية إلى إدارتها كبنية تحتية وطنية أساسية للطاقة.

لكل عصر صناعي منعطفه الخاص. فقد تميز القرن التاسع عشر بالبخار، والقرن العشرون بالنفط، وكان من المفترض أن يتميز مطلع القرن الحادي والعشرين بصعود متناغم للطاقة النظيفة والتحول الرقمي. لكن بدلًا من ذلك، دخل عنصر جديد إلى المشهد بقوة محدثًا تحولًا جذريًا: مراكز البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي. ما كان يُعد سابقًا جزءًا غير مرئي من البنية الخلفية للاقتصاد الرقمي، أصبح اليوم أحد أقوى محركات الطلب العالمي على الكهرباء، ومصدر خطر لا يمكن تجاهله بالنسبة للقادة الذين يضعون استراتيجياتهم في بداية العام.

مراكز البيانات كأصول استراتيجية

تكفي الأرقام وحدها لإثارة قلق صانعي السياسات. ففي عام 2024، بلغ استهلاك الكهرباء العالمي لمراكز البيانات نحو 415 تيراواط/ساعة، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، وهو ما يعادل تقريبًا الاستهلاك السنوي لإيطاليا. وبحلول عام 2030، قد يرتفع هذا الرقم إلى ما يقارب 950 تيراواط/ساعة، مع كون أعباء العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مسؤولة عن معظم هذا النمو. ومن المتوقع أن يتضاعف الطلب على الكهرباء لمراكز البيانات في أوروبا تقريبًا ليصل إلى 36 غيغاواط بحلول نهاية العقد. وفي دبلن، تستهلك هذه المرافق بالفعل ما يقرب من 80% من كهرباء المدينة. قبل عقد من الزمن، كانت مثل هذه الأرقام غير قابلة للتصور. أما اليوم، فهي تشكل خط الأساس الجديد حيث تتجاوز الطموحات الرقمية العالمية واقعية أنظمة الطاقة.

هذه ليست مجرد قصة بنية تحتية محدودة. بل هي قضية جيوسياسية واقتصادية. أنماط الطلب لمراكز البيانات تشبه مسارات انطلاق الصواريخ في مراحلها الأولى، وليس منحنيات البنية التحتية التقليدية. خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، أدى تسارع نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى تحويل مراكز البيانات إلى جهات فاعلة تضاهي في تأثيرها الصناعات الثقيلة. في بلجيكا، ناقش المنظمون علنًا فرض قيود على ربط المجمعات الرقمية الجديدة بالشبكة الكهربائية. وفي أيرلندا، أصبح تطوير مراكز البيانات الضخمة، الذي كان في السابق قطاعًا غير ملفت، موضوعًا للنقاش البرلماني. وحتى في دول الشمال الأوروبي، التي كانت تُعتبر واحة للطاقة النظيفة الوفيرة، يحذر مشغلو الشبكات من أن الطلب القادم من مراكز البيانات سيضغط على القدرة الاستيعابية بشكل أسرع مما كان متوقعًا.

زيادة الطلب على الكهرباء حسب القطاع، السيناريو الأساسي، 2024-2030

الصورة: وكالة الطاقة الدولية

التحول ليس أيديولوجيًا؛ بل هو مادي. تنتج مراكز البيانات كميات كبيرة من الحرارة المهدرة منخفضة الدرجة التي يمكن إعادة توجيهها إلى أنظمة التدفئة المركزية أو الاستخدامات الصناعية، مما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويساعد في استقرار الشبكات الكهربائية. وفي الوقت نفسه، يسلط انتشارها المادي – من الأراضي والمياه المستخدمة في التبريد إلى الموارد الأخرى – الضوء على المقايضات المعقدة ضمن منظومة طاقة الذكاء الاصطناعي، مما يبرز المخاطر والفرص في آن واحد خلال الانتقال من الأنظمة الرقمية إلى أنظمة الطاقة المادية.

الحرارة المهدرة كنز غير مستغل

ضمن هذه المنظومة يكمن أحد أكثر الفرص المناخية تجاهلًا في عصرنا: الحرارة المهدرة من مراكز البيانات. هذا الخلل أصبح اليوم خطرًا استراتيجيًا. فإذا استمر العالم في نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة دون إعادة التفكير في كيفية تفاعل الأنظمة الرقمية وأنظمة الطاقة، فقد يتعرض النمو الاقتصادي والأهداف المناخية وموثوقية الكهرباء لضغوط متزايدة.

في جميع أنحاء أوروبا، تُنفق مليارات سنويًا لتدفئة المنازل باستخدام الغاز ووقود آخر. وفي الوقت ذاته، تقوم مراكز البيانات، التي تعمل بشكل مستمر، بإطلاق كميات هائلة من الحرارة منخفضة الدرجة إلى الهواء. في لندن، تشير الأبحاث إلى أنه يمكن استعادة ما يصل إلى 1.6 تيراواط/ساعة من الحرارة سنويًا من مراكز البيانات، وهو ما يكفي لتدفئة نصف مليون منزل. وعلى مستوى أوروبا، يبلغ الإمكان النظري 221 تيراواط/ساعة سنويًا، أي ما يعادل 12% من الطلب على التدفئة المركزية في الاتحاد الأوروبي. البنية التحتية موجودة. الحرارة موجودة. الطلب الحضري موجود. ما هو غير موجود هو التنسيق السياسي اللازم لربط هذه العناصر ببعضها.

عند النظر إليها من منظور الطاقة التقليدي، تبدو مراكز البيانات عبئًا. أما من منظور الأنظمة، فهي محطات حرارة حضرية قائمة بالفعل، تم بناؤها ودفع تكلفتها، لكنها غير مستغلة تقريبًا. القدرة على تغيير السرد من النقص والأزمة إلى الاختراق والحل متاحة، إذا كان القادة مستعدين لإعادة صياغة دور البنية التحتية الرقمية ضمن التحول الطاقي.

رغم هذا التحول، لا تزال الأطر السياسية عالقة في الماضي. لسنوات، تم التعامل مع مراكز البيانات كأصول عقارية: مبانٍ كبيرة تحتوي على خوادم وأنظمة تبريد، دون أهمية سياسية تُذكر. أما اليوم، فإن العديد منها يتصرف أشبه بشركات مرافق طاقة. فهي توقع اتفاقيات طويلة الأجل لشراء الكهرباء، وتنتج حرارة تعادل محطات طاقة متوسطة الحجم، وتؤثر في توقعات الطلب المحلي أكثر مما فعلت القطاعات الصناعية سابقًا. ومع ذلك، لا تزال قواعد الترخيص والتقييمات البيئية وعمليات تخطيط الشبكات تتعامل معها كبنية تحتية سلبية وثابتة.

ولهذا السبب، يحتاج النظام الطاقي الحالي للذكاء الاصطناعي إلى ما يمكن تسميته “ميثاق لأنظمة طاقة جاهزة للذكاء الاصطناعي”، وهو التزام منسق بين الحكومات وشركات المرافق والمدن وشركات التكنولوجيا لتحديث كيفية نمو البنى التحتية الرقمية والطاقة معًا.

إدارة التحديات وفتح الفرص

يمكن للحكومات تحويل نمو مراكز البيانات إلى ميزة استراتيجية بدلًا من كونه مصدر احتكاك، من خلال اتباع خمسة إجراءات منسقة:

  1. البنية التحتية الاستراتيجية
    يجب التعامل مع الطلب على الكهرباء لمراكز البيانات كبنية تحتية وطنية. وينبغي دمج هذه المرافق ضمن خطط توسيع الشبكات وإزالة الكربون والاستراتيجيات الصناعية لتفادي النزاعات المستقبلية.
  2. جاهزية إعادة استخدام الحرارة
    يجب تصميم المرافق الكبيرة لتكون “جاهزة للحرارة”. حتى في الأماكن التي لا توجد فيها شبكات تدفئة مركزية بعد، فإن التصميم المسبق للتكامل المستقبلي يضيف تكلفة محدودة لكنه يوفر وفورات كبيرة في الانبعاثات والطاقة على المدى الطويل.
  3. ترخيص قائم على الأداء
    يجب أن تكافئ عمليات الترخيص المرونة والقدرة على الصمود والطاقة النظيفة. مراكز البيانات التي توفر تقليل الأحمال في أوقات الذروة أو تخزينًا في الموقع أو إمدادات متجددة مستقرة يجب أن تحصل على موافقات أسرع.
  4. مناطق طاقة للذكاء الاصطناعي
    يمكن للحكومات وشركات المرافق تخطيط مناطق متكاملة تضم شبكات الحرارة والشبكات الكهربائية والمجمعات الرقمية والمستخدمين الصناعيين. هذا يقلل من المقاومة المحلية، ويخلق وفورات الحجم، ويحول النزاعات إلى فرص إقليمية.
  5. تمويل مختلط للبنية التحتية
    يمكن للتمويل المختلط بين القطاعين العام والخاص أن يطور الشبكات ويوسع أنظمة التدفئة المركزية. رأس المال العام يقلل المخاطر في المراحل الأولى، بينما يساهم رأس المال الخاص في التوسع، وهو نفس النموذج الذي بنى مزارع الرياح والسكك الحديدية وشبكات الألياف في أوروبا.

إذا تمكن القادة من تبني مثل هذه الاستراتيجية، سيتغير المشهد. فبدلًا من أن تهدد مراكز البيانات بإغراق أنظمة الكهرباء، يمكن أن تصبح جزءًا من تعزيزها. وبدلًا من أن يعرقل صعود الذكاء الاصطناعي التحول الطاقي، يمكن أن يسرّعه. كما يمكن للبنية التحتية الرقمية، التي طالما اعتُبرت عنصرًا غير مرئي يستهلك الطاقة، أن تتحول إلى ركيزة أساسية لإزالة الكربون الحضري وتعزيز الصمود الوطني.

الخطر الحقيقي ليس في أن مراكز البيانات تستهلك الكثير من الطاقة، بل في أن العالم قد يفشل في تحديث قواعده ونماذج تخطيطه وخياله بالسرعة الكافية لمواكبة التغير التكنولوجي.

إنه الوقت الأمثل من العام لتحديد نوايانا وتحويل المخاطر الناشئة إلى أجندات عالمية مشتركة. هذا العام، يجب أن تكون الرسالة واضحة: اقتصاد الذكاء لن يعمل بالإلكترونات وحدها، بل بأنظمة طاقة مصممة لعصر الذكاء الاصطناعي. وما إذا كان هذا العصر سيتحول إلى أزمة أو اختراق يعتمد على ما سيختاره القادة الآن.

المصدر

مقالات ذات صلة