- لا تزال العديد من الشركات تفكر في فرض سياسات العودة إلى المكتب وتشديد القيود على العمل عن بُعد.
- لكن ما لا يدركه الكثيرون هو أنهم يعملون بالفعل بطريقة موزعة؛ عبر مكاتب مختلفة، أو مناطق زمنية متعددة، أو حتى بين طوابق المبنى نفسه.
- بدلاً من التركيز على الحد من العمل عن بُعد، ينبغي على الشركات التركيز على تعظيم الإنتاجية، مهما كان نمط العمل المعتمد.
هيمنت مناقشة العودة إلى المكتب على عناوين الأعمال لسنوات. يصدر التنفيذيون قرارات إلزامية، ويعترض الموظفون، وتستمر العناوين في إعلان موت العمل عن بُعد أو عودته من جديد. وبينما ينشغل البعض بالجدل حول مكان جلوس الموظفين، تقوم أكثر الشركات تنافسية بشيء أكثر فائدة: توظيف أفضل المواهب أينما كانت، وبناء فرق عمل موزعة فعليًا كميزة استراتيجية.
وبناءً على تجربة شخصية (أدير شركة عالمية للموارد البشرية وكشوف الرواتب تضم أكثر من 7,000 موظف في 110 دول)، فإن الجدل الحالي حول العمل عن بُعد هو نقاش خاطئ.
السؤال الحقيقي هو: هل تعرف شركتك كيف تعمل كمنظمة موزعة؟ لأنك، سواء اخترت ذلك أم لا، فأنت كذلك بالفعل.
تعريف “العمل الموزع”
تخيل شركة يقع مقرها الرئيسي في نيويورك، ولديها فريق مبيعات في لندن، ومهندسون في برلين، وفريق دعم في ساو باولو. هل يمكن اعتبارها “شركة مكتبية” بثقافة موحدة يجلس فيها الجميع في نفس المكان؟ بالطبع لا. إنها منظمة موزعة لديها سياسة عودة إلى المكتب.
بمجرد أن يكون لديك فرق تعمل عبر مناطق زمنية مختلفة، أو مكاتب متعددة، أو حتى بين طابقين في نفس المبنى، فأنت تتعامل مع التحديات الأساسية للعمل الموزع: التواصل غير المتزامن، والتعاون عبر الثقافات، وإدارة الأداء بناءً على النتائج لا على الحضور.
لقد كشفت جائحة كوفيد-19 هذه الحقيقة، لكنها لم تُنشئها. فالشركات كانت تعمل بشكل موزع منذ عقود. لكن بعد أن كان هذا النمط يعاني من تعقيدات تقنية كبيرة، أصبحت التكنولوجيا اليوم قادرة على سد هذه الفجوات وجعل العمل الموزع أكثر سلاسة.
البيانات تدحض أسطورة التعهيد
عندما يسمع الناس مصطلح “التوظيف العالمي”، غالبًا ما يفترضون أن الهدف هو خفض التكاليف. لكن تقرير “حالة التوظيف العالمي لعام 2025” الذي حلل أكثر من مليون عقد عمل يُظهر أن هذا ليس صحيحًا.
من بين ما يقرب من 100 شركة ناشئة تأسست بين عامي 2020 و2025 وجمعت أكثر من 100 مليون دولار من التمويل، كانت الوجهات الرئيسية للتوظيف عبر الحدود هي المملكة المتحدة (12.2%)، وكندا (11.9%)، وألمانيا (8.8%)، وأستراليا (5.8%)، وإسبانيا (5.2%). هذه أسواق مرتفعة التكلفة وعالية المهارات، وليست وجهات تلجأ إليها الشركات إذا كان هدفها الأساسي هو تقليل النفقات.
في المقابل، تميل الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى التوظيف بشكل أكبر في الفلبين والمكسيك وكولومبيا والهند.
يشكل مطورو البرمجيات 28% من التوظيف عبر الحدود، يليهم متخصصو المبيعات التقنية ومهندسو الذكاء الاصطناعي. كما أن الشركات الناشئة الأعلى تمويلاً أكثر احتمالًا بنسبة 13.6% لتوظيف مطوري برمجيات دوليًا مقارنة بمتوسط الشركات الصغيرة. وهذا يعكس قرارًا استراتيجيًا للبحث عن مهارات نادرة ذات قيمة عالية.
أما الإشارة الأكثر دلالة فهي أن سبعة من أصل عشرة من أكثر الوظائف توظيفًا عبر الحدود عالميًا تقع في مجالات المبيعات والتسويق أو الوظائف المواجهة للعملاء. ففهم الأسواق المحلية وسلوك العملاء في مناطق معينة يكاد يكون مستحيلًا من مقر بعيد، ولذلك تقوم الشركات بالتوظيف محليًا حيثما دعت الحاجة.
الموظفون عن بُعد أقرب إلى المدن مما تعتقد
هناك فكرة شائعة أخرى تحتاج إلى تصحيح، وهي أن العاملين عن بُعد انتقلوا إلى مناطق بعيدة عن المدن واستقروا هناك. لكن البيانات تُظهر عكس ذلك.
فمتوسط المسافة بين العاملين عن بُعد والمراكز الحضرية الكبرى انخفض كل عام منذ 2022. في الولايات المتحدة، أصبح الموظفون قريبين من مدن مثل نيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو وهيوستن وسان فرانسيسكو كما كانوا في عام 2021. وتظهر أنماط مشابهة في لندن وباريس.
لا يزال العاملون عن بُعد يفضلون القرب من الحيوية والفرص التي توفرها المدن، لكنهم لم يعودوا مضطرين للعيش على مسافة سير من مقر العمل.
هذا يجب أن يكون بمثابة تنبيه للقادة لإعادة التفكير في كيفية إدارة فرقهم الموزعة. فافتراض أن “العمل عن بُعد” يعني “تشتت الموظفين” هو افتراض خاطئ. الموظفون لا يزالون يتجمعون في مناطق حضرية مألوفة، لكن ليس بالضرورة بالقرب من مبنى شركتك.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مؤسس
رواد الأعمال الذين ما زالوا يناقشون فرض العودة إلى المكتب يطرحون سؤالًا تم حسمه بالفعل إلى حد كبير. فالإشارات القادمة من السوق، ومن قرارات التوظيف الخاصة بهم، ومن الأماكن التي يختار أفضل موظفيهم العيش فيها، توضح الإجابة.
السؤال الأفضل هو: هل لديك الأنظمة اللازمة لتوظيف وإدارة الموظفين عبر الحدود بشكل قانوني؟ هل تعرف كيف تبني ثقافة عمل لفريق موزع عبر مناطق زمنية مختلفة؟ هل تسمح للجغرافيا بأن تحد من وصولك إلى المواهب التي يمكن أن تجعل شركتك استثنائية؟
في عام 2026، الشركات التي تفوز في حرب المواهب ليست بالضرورة تلك التي تقدم أفضل مزايا المكاتب أو تفرض أكثر السياسات صرامة للحضور، بل تلك التي نجحت في العثور على أشخاص مميزين في أي مكان في العالم، وجعلتهم يشعرون بأنهم جزء من شيء يستحق الالتزام به، أينما كانوا.
سيستمر الجدل حول العودة إلى المكتب. لكن الشركات التي ستقود العقد القادم لا تنتظر حسم هذا الجدل، بل تبني فرقًا تختلف جذريًا عن هياكل عام 2019، وتتعامل مع العمل الموزع ليس كتنازل، بل كميزة تنافسية.
كل شركة تمارس العمل عن بُعد. السؤال الوحيد هو: هل تقوم بذلك بالشكل الصحيح؟
