القائمة الرئيسية

هل من المبكر الحديث عن نهاية العالم؟ ماذا لو أن الذكاء الاصطناعي لن يدمره؟

هل من المبكر الحديث عن نهاية العالم؟ ماذا لو أن الذكاء الاصطناعي لن يدمره؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة الفكرة الشائعة بأن الذكاء الاصطناعي قد يدمر الاقتصاد العالمي، وتطرح احتمالاً مختلفاً يتمثل في أن تأثيره الحقيقي قد يكون توسيع الإنتاجية وخلق وفرة اقتصادية غير مسبوقة بدلاً من الانهيار. فبينما قد يضغط الذكاء الاصطناعي على بعض الوظائف وهوامش أرباح بعض الشركات، فإنه في المقابل يخفض تكاليف الخدمات ويزيد القدرة الشرائية ويخلق فرصاً جديدة لريادة الأعمال والنشاط الاقتصادي. وترى المقالة أن التاريخ يُظهر أن الثورات التكنولوجية، رغم اضطرابها في البداية، أدت دائماً إلى رفع مستوى المعيشة، وأن مستقبل الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى اقتصاد أكثر كفاءة ووفرة وربما حتى إلى عالم أقل صراعاً إذا تمكنت المجتمعات من التكيف مع هذا التحول.

محَت سوق الأسهم ما يقارب 800 مليار دولار من القيمة السوقية لأن فكرة أن الذكاء الاصطناعي ""سيسيطر على العالم"" أصبحت الرأي السائد. لكن هذه الفكرة واضحة أكثر من اللازم. والرهان ""الواضح"" عادةً لا يكون هو الرهان الرابح. قبل أن نبدأ، احفظ هذا المقال وعد إليه خلال الاثني عشر شهراً القادمة.

انتشر سيناريو يوم القيامة بسرعة لأنه لامس شيئاً عميقاً في النفوس. فقد صوّر الذكاء الاصطناعي ليس كأداة لزيادة الإنتاجية، بل كمزعزع للاقتصاد الكلي قادر على إطلاق حلقة تغذية راجعة سلبية: تسريح العمال يؤدي إلى ضعف الاستهلاك، وضعف الاستهلاك يؤدي إلى مزيد من الأتمتة، والأتمتة تُسرّع عمليات التسريح.

ما هو واضح فعلاً: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد ميزة برمجية أخرى أو وسيلة لزيادة الكفاءة. إنه صدمة قدرات عامة تمس كل سير عمل يعتمد على المعرفة تقريباً في الوقت نفسه. وعلى عكس أي ثورة في التاريخ، فإن الذكاء الاصطناعي يتحسن في كل شيء تقريباً في آن واحد.

لكن ماذا لو كان سيناريو الكارثة خاطئاً؟ فهو يفترض أن الطلب ثابت، وأن مكاسب الإنتاجية لا توسّع الأسواق، وأن النظام لا يستطيع التكيف أسرع من حجم الاضطراب.

نحن نعتقد أن هناك مساراً ثانياً يجري التقليل من تقديره بشكل كبير. فعمليات ""الإطاحة"" التي أحدثتها شركة Anthropic والتي تبدو وكأنها مؤشرات مبكرة لانهيار منهجي قد تكون في الواقع بداية أكبر توسّع في الإنتاجية على الإطلاق.

ورغم أن التحليل التالي ليس نتيجة مؤكدة، فمن المهم أن نتذكر أن البشرية تغلبت دائماً على التحديات، وأن السوق الحرة تجد دائماً طريقها للتوازن.

عمليات الإطاحة التي تقودها شركة Anthropic حقيقية:

لنبدأ بالقول إننا لا نستطيع تجاهل السوق. فشركة Anthropic تُحدث اضطراباً في العالم من خلال نموذجها Claude، حيث فقدت شركات ضمن قائمة Fortune 500 مئات المليارات من الدولارات من قيمتها السوقية نتيجة لذلك.

إنها قصة رأيناها عدة مرات بالفعل في عام 2026: تطلق Anthropic أداة ذكاء اصطناعي جديدة، يصبح Claude أفضل بكثير في البرمجة وأتمتة سير العمل، وخلال ساعات ينهار السوق في القطاع المستهدف.

إذا لم تكن قد انتبهت لما يحدث، فإليك بعض الأمثلة أدناه:

شهد سهم شركة IBM، تحت الرمز $IBM، أسوأ يوم له منذ أكتوبر عام 2000 بعد أن أعلنت شركة Anthropic أن نموذج Claude يمكنه تبسيط شيفرة COBOL.

كما تراجعت أسهم Adobe، تحت الرمز $ADBE، بنسبة 30% منذ بداية العام مع ضغط القدرات التوليدية الجديدة على سير العمل الإبداعي.

وفي الوقت نفسه، انهارت أسهم شركات الأمن السيبراني عقب إطلاق ميزة ""Claude Code Security"".

هل من المبكر الحديث عن نهاية العالم؟ ماذا لو أن الذكاء الاصطناعي لن يدمره؟:

في المثال أعلاه، كان انهيار سهم شركة CrowdStrike، تحت الرمز $CRWD، واضحاً منذ اللحظة التي أعلن فيها Claude عن ميزة ""Claude Code Security"".

في 20 فبراير، عند الساعة الواحدة ظهراً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، أعلن Claude عن ""Claude Code Security"". هذه أداة ذكاء اصطناعي مؤتمتة تقوم بفحص قواعد الشيفرة البرمجية لاكتشاف الثغرات الأمنية.

وبعد يومي تداول فقط، محا سهم CrowdStrike، تحت الرمز $CRWD، ما يقارب 20 مليار دولار من قيمته السوقية عقب هذا الإعلان.

هذه التفاعلات ليست غير عقلانية. فالأسواق تحاول تسعير ضغط الهوامش في الوقت الحقيقي. عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي تكرار ما يفعله العمال، تنتقل قوة التسعير إلى المشتري. هذا هو التأثير الأولي، وهو تأثير حقيقي للغاية.

لكن تحول المنتجات إلى سلع متشابهة لا يعني الانهيار. بل إن هذه هي الطريقة التي تخفّض بها التكنولوجيا التكاليف وتوسّع الوصول. فقد حوّل الحاسوب الشخصي الحوسبة إلى سلعة متاحة، وحوّل الإنترنت التوزيع إلى سلعة، وجعلت الحوسبة السحابية البنية التحتية متاحة كخدمة، والآن يعمل الذكاء الاصطناعي على تحويل الإدراك والقدرات المعرفية إلى سلعة متاحة.

لا شك أن بعض أساليب العمل التقليدية ستشهد ضغطاً على هوامش أرباحها. لكن السؤال الحقيقي هو: هل تؤدي انخفاض تكاليف القدرات المعرفية إلى انهيار الاقتصاد، أم أنها تسمح له بالتوسع بشكل هائل؟

حلقة التشاؤم تفترض أن الطلب ثابت:

النموذج التشاؤمي يبني تصوراً خطياً مبسطاً: يتحسن الذكاء الاصطناعي، فتقلص الشركات عدد الموظفين والأجور، فينخفض الاستهلاك، ثم تستثمر الشركات مجدداً في الذكاء الاصطناعي لحماية هوامشها، وتتكرر الدورة الهبوطية. هذا النموذج يفترض اقتصاداً راكداً بالكامل.

لكن التاريخ يشير إلى عكس ذلك. عندما تنهار تكلفة إنتاج شيء ما، نادراً ما يبقى الطلب ثابتاً؛ بل يتوسع. فعندما انخفضت تكاليف الحوسبة، لم نستهلك نفس الكمية من القدرة الحاسوبية بسعر أقل فحسب، بل استهلكنا أضعافاً مضاعفة منها وبنينا فوقها صناعات جديدة بالكامل.

وكما يظهر أدناه، فإن أسعار الحواسيب الشخصية اليوم أرخص بنحو 99.9% مقارنة بما كانت عليه في عام 1980.

هل من المبكر الحديث عن نهاية العالم؟ ماذا لو أن الذكاء الاصطناعي لن يدمره؟:

يخفض الذكاء الاصطناعي التكاليف في كل قطاع تقريباً، وعندما تنخفض تكلفة الخدمات تزداد القدرة الشرائية، سواء ارتفعت الأجور أم لم ترتفع.

تتحول حلقة التشاؤم إلى السيناريو السائد فقط إذا استبدل الذكاء الاصطناعي العمالة دون أن يؤدي ذلك إلى توسع ملموس في الطلب. أما السيناريو المتفائل فيظهر إذا أدى انخفاض تكاليف الحوسبة وزيادة الإنتاجية إلى خلق فئات جديدة بالكامل من الاستهلاك والنشاط الاقتصادي.

الصدمة الحقيقية هي انهيار الأسعار، لا تسريح العمال:

تسريحات العمال التي يمكن ملاحظتها تشكل قصة أسهل للمستثمرين لترويجها، لكن القصة الأكبر تتمثل في انخفاض أسعار الخدمات. فالعمل الذي يعتمد على المعرفة كان دائماً مكلفاً بسبب ندرة المعرفة. قد يبدو الأمر بسيطاً، لكنه صحيح. وعندما تصبح المعرفة وفيرة، ينخفض سعر العمل المعرفي.

فكر في مجالات مثل الإدارة الصحية، وإعداد الوثائق القانونية، وتحضير الإقرارات الضريبية، والامتثال التنظيمي، وإنتاج المحتوى التسويقي، والبرمجة الأساسية، وخدمة العملاء، والدروس التعليمية. هذه الخدمات تستهلك موارد اقتصادية هائلة، ويرجع ذلك أساساً إلى أنها تتطلب انتباهاً بشرياً مدرَّباً. الذكاء الاصطناعي يقلل التكلفة الحدية لهذا الانتباه.

في الواقع، وكما يظهر أدناه، يساهم قطاع الخدمات في الولايات المتحدة بما يقارب 80% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.

هل من المبكر الحديث عن نهاية العالم؟ ماذا لو أن الذكاء الاصطناعي لن يدمره؟:

إذا انخفضت تكلفة تشغيل الأعمال، تصبح الشركات الصغيرة أكثر قابلية للتحقيق، وإذا انخفضت تكلفة الوصول إلى الخدمات، يشارك عدد أكبر من الأسر في الاقتصاد. وبطريقة ما، يمكن لتطورات الذكاء الاصطناعي أن تعمل كأنها خفض ضريبي “غير مرئي”.

قد تعاني الشركات التي تعتمد هوامش أرباحها على العمل المعرفي مرتفع التكلفة، لكن الاقتصاد الأوسع يستفيد من انخفاض تضخم الخدمات وارتفاع القوة الشرائية الحقيقية.

من “الناتج المحلي الوهمي” إلى “ناتج الوفرة”:

تعتمد النظرة المتشائمة على مفهوم “الناتج المحلي الوهمي”، وهو إنتاج يظهر في البيانات الاقتصادية لكنه لا يفيد الأسر فعلياً. أما الرؤية المتفائلة المقابلة فهي ما نسميه “ناتج الوفرة”، وهو نمو في الإنتاج يترافق مع انخفاض في تكاليف المعيشة.

لا يتطلب ناتج الوفرة ارتفاعاً كبيراً في الدخل الاسمي، بل يتطلب أن تنخفض الأسعار بوتيرة أسرع من ارتفاع الدخل. فإذا خفّض الذكاء الاصطناعي تكلفة الخدمات الأساسية للكثير من الناس، فإن الأسر تحقق مكاسب حقيقية حتى لو تباطأ نمو الأجور. ونتيجة لذلك، لا تختفي مكاسب الإنتاجية، بل تنتقل إلى المستهلكين عبر انخفاض الأسعار.

وربما يفسر هذا السبب في أن نمو الإنتاجية تفوق على نمو الأجور خلال أكثر من 70 عاماً الماضية:

هل من المبكر الحديث عن نهاية العالم؟ ماذا لو أن الذكاء الاصطناعي لن يدمره؟:

لقد وفّر الإنترنت، والكهرباء، والتصنيع واسع النطاق، والمضادات الحيوية طرقاً جديدة لزيادة الإنتاج وخفض التكاليف، رغم أنها كانت في الوقت نفسه مسببة للاضطراب والتقلب. لكن عند النظر إلى الوراء، يتضح أن هذه التغيرات رفعت مستوى المعيشة بشكل دائم.

فالمجتمع الذي يهدر ساعات أقل في التنقل بين الأنظمة المختلفة أو في دفع تكاليف خدمات متكررة هو، عملياً، مجتمع أكثر ثراءً.

أسواق العمل يعاد تشكيلها ولا تختفي:

أحد المخاوف الرئيسية هو أن الذكاء الاصطناعي يؤثر بشكل غير متناسب على الوظائف المكتبية، وهي الوظائف التي تقود الاستهلاك الاختياري والطلب على الإسكان. وهذا صحيح، وهو مصدر قلق مشروع، خاصة في ظل اتساع فجوة الثروة بالفعل إلى حد كبير.

هل من المبكر الحديث عن نهاية العالم؟ ماذا لو أن الذكاء الاصطناعي لن يدمره؟:

ومع ذلك، يواجه الذكاء الاصطناعي صعوبة أكبر في التعامل مع المهارات الحركية في العالم المادي ومع الهوية البشرية. لذلك تظل المهن الحرفية الماهرة، والرعاية الصحية العملية، والتصنيع المتقدم، والصناعات القائمة على التجربة تحتفظ بطلب هيكلي قوي. وفي كثير من الحالات، يكمل الذكاء الاصطناعي هذه الأدوار بدلاً من أن يحل محلها.

والأهم من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يخفض الحواجز أمام ريادة الأعمال. فعندما يستطيع شخص واحد أتمتة مهام المحاسبة والتسويق والدعم والبرمجة، يصبح إنشاء الأعمال الصغيرة أسهل بكثير. نحن متفائلون جداً بمستقبل الشركات الصغيرة.

وفي الواقع، قد يكون إزالة الحواجز أمام دخول السوق عبر الذكاء الاصطناعي هو الحل لتقليص فجوة الثروة التي نواجهها حالياً.

لقد قضى الإنترنت على بعض فئات الوظائف، لكنه في الوقت نفسه خلق وظائف جديدة بالكامل. وقد يسير الذكاء الاصطناعي على نمط مشابه، حيث يضغط على بعض الوظائف المكتبية بينما يوسّع المشاركة الاقتصادية المستقلة في مجالات أخرى.

قصة “موت” البرمجيات كخدمة (SaaS):

من الواضح أن الذكاء الاصطناعي يفرض ضغطاً على نموذج أعمال البرمجيات كخدمة التقليدي (SaaS). ففرق المشتريات تتفاوض بشكل أكثر صرامة، وبعض منتجات البرمجيات المتخصصة تواجه رياحاً معاكسة هيكلية. لكن SaaS في جوهره مجرد آلية لتقديم الخدمة، وليس نهاية عملية خلق القيمة.

الجيل القادم من البرمجيات سيكون تكيفياً، قائماً على الوكلاء الذكيين، موجهاً نحو النتائج، ومندمجاً بعمق داخل الأنظمة. والفائزون لن يكونوا مزودي الأدوات الثابتة، بل أولئك القادرين على التكيف مع التغيرات بأفضل شكل.

كل تحول تكنولوجي يعيد ترتيب الطبقات في المنظومة التقنية، والشركات التي تسعّر سير العمل الثابتة ستواجه صعوبات. أما الشركات التي تمتلك البيانات، والثقة، والقدرة الحاسوبية، والطاقة، وأنظمة التحقق فقد تزدهر.

إن ضغط الهوامش في طبقة واحدة لا يعني انهيار الاقتصاد الرقمي بالكامل، بل يشير إلى مرحلة انتقالية.

التجارة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل الأسواق:

تجادل الرواية المتشائمة بأن التجارة القائمة على الوكلاء الذكيين ستقضي على الوسطاء وتلغي الرسوم. وهذا صحيح جزئياً. فعندما ينخفض الاحتكاك في الأسواق، يصبح استخراج الرسوم أكثر صعوبة.

وكما يظهر أدناه، فإن حجم معاملات العملات المستقرة يرتفع بسرعة هائلة، حتى قبل أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى المستوى الذي هو عليه اليوم. لماذا؟ لأن السوق يفضّل الكفاءة دائماً.

هل من المبكر الحديث عن نهاية العالم؟ ماذا لو أن الذكاء الاصطناعي لن يدمره؟:

إن انخفاض الاحتكاك في النظام الاقتصادي يوسّع أيضاً حجم المعاملات. فعندما تتحسن آليات اكتشاف الأسعار وتنخفض تكاليف المعاملات، يحدث المزيد من النشاط الاقتصادي. وهذا اتجاه إيجابي للغاية.

وقد يؤدي الوكلاء الذكيون الذين يعملون نيابة عن المستهلكين إلى ضغط هوامش الربح لدى المنصات التي تعتمد على العادات الراسخة. لكنهم في الوقت نفسه يمكن أن يزيدوا الطلب الإجمالي من خلال خفض تكاليف البحث وتحسين الكفاءة.

الإنتاجية هي المتغير الأساسي:

العامل الحاسم في تحديد تحقق السيناريو المتفائل هو الإنتاجية. فإذا نجح الذكاء الاصطناعي في تحقيق زيادات مستدامة في الإنتاجية عبر قطاعات مثل الرعاية الصحية، والإدارة الحكومية، والخدمات اللوجستية، والتصنيع، وتحسين كفاءة الطاقة، فإن النتيجة ستكون وفرة أكبر وإمكانية وصول أوسع للجميع.

حتى زيادة إضافية مستمرة في الإنتاجية بنسبة 1–2% فقط يمكن أن تتراكم بشكل كبير خلال عقد من الزمن.

إن التحولات التي نشهدها في الاقتصاد الكلي نتيجة الذكاء الاصطناعي قد أوجدت بعضاً من أفضل فرص الاستثمار في التاريخ. لقد أمضينا ساعات لا تحصى في دراسة هذه التحولات وما زلنا نسعى إلى استباقها. وإذا كنت مهتماً بالحصول على تحليلاتنا المتقدمة ومعرفة كيفية تموضعنا في هذه الأوقات المضطربة، فاطّلع على المزيد من أبحاثنا.

وكما يظهر أدناه، فإن الإنتاجية تنمو بالفعل بوتيرة سريعة نتيجة الذكاء الاصطناعي. فقد تسارع نمو إنتاجية العمل في الولايات المتحدة خلال الربع الثالث من عام 2025 ليصل إلى أقوى وتيرة له خلال عامين:

تفترض النظرة المتشائمة أن مكاسب الإنتاجية ستذهب حصراً إلى الجهات التي تطوّر نماذج الذكاء الاصطناعي، ولن تتحول إلى فوائد أوسع لبقية الاقتصاد. أما النظرة المتفائلة فتفترض أن انخفاض الأسعار وظهور أسواق جديدة سيسمحان بانتقال هذه المكاسب إلى نطاق أوسع.

الوفرة تقلل الصراعات وليس التكاليف فقط:

أحد الآثار الأقل نقاشاً للوفرة التي يقودها الذكاء الاصطناعي هو أثرها الجيوسياسي. فخلال معظم التاريخ الحديث، اندلعت الحروب بسبب الندرة: الطاقة، والغذاء، وطرق التجارة، والقدرة الصناعية، والعمالة، والتكنولوجيا. تتنافس الدول عندما تكون الموارد محدودة ويبدو النمو وكأنه لعبة محصلتها صفر. لكن الوفرة تغيّر كل شيء.

إذا خفّض الذكاء الاصطناعي بشكل ملموس تكاليف الإنتاج في مجالات الطاقة، وتصميم التصنيع، والخدمات اللوجستية، والخدمات، فإن حجم الاقتصاد العالمي سيتوسع. وعندما ترتفع الإنتاجية وتنخفض التكاليف الحدّية، يصبح النمو الاقتصادي أقل اعتماداً على انتزاع المزايا من الآخرين. وقد يؤدي ذلك إلى إنهاء الحروب وربما إلى بعض من أكثر الفترات سلمية في تاريخ البشرية.

وينطبق الأمر نفسه على الحروب الاقتصادية، مثل الحرب التجارية التي استمرت طوال العام الماضي.

فالرسوم الجمركية هي أدوات حماية في عالم تكافح فيه الصناعات المحلية للمنافسة من حيث التكلفة. لكن إذا خفّض الذكاء الاصطناعي تكاليف الإنتاج في كل مكان، فلماذا ستكون هناك حاجة إلى الرسوم الجمركية بعد الآن؟ في بيئة يسودها الوفرة العالية يصبح الحمائية الاقتصادية غير فعّالة اقتصادياً.

ويُظهر التاريخ أن فترات التسارع التكنولوجي غالباً ما تؤدي على المدى الطويل إلى تقليل الصراعات العالمية. فالتوسع الصناعي بعد الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، خفّض الحوافز للمواجهة المباشرة بين القوى الكبرى.

قد تؤدي الوفرة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي إلى تسريع هذه الديناميكية. فإذا أصبحت الطاقة أكثر كفاءة في الإدارة، وسلاسل الإمداد أكثر مرونة، وأصبحت عمليات الإنتاج أكثر محلية بفضل الأتمتة، فإن الدول ستصبح أقل عرضة للضعف. وعندما يرتفع مستوى الأمن الاقتصادي، يصبح العدوان الجيوسياسي أقل عقلانية.

إن النتيجة الأكثر تفاؤلاً للذكاء الاصطناعي ليست فقط ارتفاع الإنتاجية أو ارتفاع مؤشرات الأسهم، بل هي عالم يصبح فيه النمو الاقتصادي أقل اعتماداً على منطق المحصلة الصفرية.

الخلاصة: ماذا لو أن العالم لن ينتهي؟:

الذكاء الاصطناعي يضخّم النتائج. فهو يمكن أن يضخّم الهشاشة إذا فشلت المؤسسات في التكيف، ويمكن أيضاً أن يضخّم الازدهار إذا تفوقت الإنتاجية على حجم الاضطراب.

إن الاضطرابات التي أحدثتها شركة Anthropic ليست سوى إشارات إلى أن طرق العمل يعاد تسعيرها وأن العمل المعرفي أصبح أرخص، وهو انتقال واضح.

لكن الانتقال ليس انهياراً، فكل ثورة تكنولوجية كبرى بدت في بدايتها مزعزعة للاستقرار.

الاحتمال الأكثر تجاهلاً في الوقت الحالي ليس الديستوبيا، بل الوفرة. فقد يضغط الذكاء الاصطناعي على الريوع، ويقلل الاحتكاك، ويعيد تشكيل أسواق العمل، لكنه قد يحقق أيضاً أكبر توسع حقيقي في الإنتاجية في التاريخ الحديث.

الفرق بين “أزمة الذكاء العالمية” و**“ازدهار الذكاء العالمي”** ليس في القدرات التقنية، بل في القدرة على التكيف.

وقد وجد العالم دائماً طريقة للتكيف.

وأخيراً، فإن أولئك القادرين على الحفاظ على الموضوعية واتباع منهج منظم خلال هذه الفترة من الاضطراب يكتشفون بعضاً من أفضل ظروف التداول في التاريخ.

إن النهج الموضوعي والمنهجي هو ما قاد إلى تفوق أدائنا على مؤشرات السوق القياسية. وكما يظهر أدناه، فقد حققت استراتيجيتنا الاستثمارية منذ عام 2020 عائداً يقارب خمسة أضعاف مؤشر S&P 500.

مقالات ذات صلة