بقلم: آن جين
هل تشعر بالإرهاق من الكم الهائل من البيانات المتاحة للتحليل؟ يشارك عدد من الخبراء الذين قدّموا جلسات في مؤتمر تسويق المحتوى رؤيتهم حول كيفية التعامل مع هذا التحدي وبناء برنامج تحليلي عملي وذي قيمة.
في القرن العشرين كان المسوّقون يعتمدون على القسائم الترويجية، وملاحظات العملاء غير الرسمية، وأرقام اشتراكات وسائل الإعلام التقليدية لفهم مدى انتشار رسائلهم وتأثيرها. وكان اكتشاف ما ينجح وما لا ينجح في الحملات التسويقية أقرب إلى تخمين مدروس منه إلى علم دقيق.
أما في العالم الرقمي اليوم، فقد أصبح لدى المسوّقين وفرة هائلة من الأرقام والبيانات التي يمكن تحليلها لفهم سلوك الجمهور والعملاء. ومع ذلك، ما زال مجال تحليلات التسويق معقدًا ويطرح تحديات كبيرة.
وللتأكيد على أن هذه التحديات مشتركة بين كثير من المسوّقين، طُرح سؤال على عدد من الخبراء الذين قدّموا جلسات في مؤتمر تسويق المحتوى حول أكبر العقبات التي يواجهونها في تحليلات التسويق. وقد أشاروا إلى مجموعة من المشكلات الشائعة، كما قدموا نصائح للتغلب عليها.
أحد الأخطاء الشائعة هو الاعتقاد بأن جمع كل تفصيلة ممكنة عن سلوك الأفراد هو الطريق الصحيح لفهمهم. فمحاولة تتبع كل حركة وكل خاصية متعلقة بالمستخدمين قد تقود في النهاية إلى تعقيد غير ضروري. ومع تطور النماذج التحليلية الحديثة لم يعد هذا المستوى المفرط من التفاصيل مجديًا من حيث التكلفة أو الفائدة.
تحدٍ آخر يتمثل في المفارقة بين وفرة البيانات ونقص الفهم الحقيقي لها. فمع انتشار القنوات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والأدوات التسويقية المختلفة، تجد المؤسسات نفسها أمام كميات ضخمة من البيانات القادمة من مصادر متعددة، لكنها تواجه صعوبة في جمعها وتحليلها بصورة متكاملة. ولهذا تحتاج المؤسسات إلى محللي بيانات يعملون ضمن فرق التسويق ويستطيعون دمج البيانات من مصادر مختلفة بطريقة سلسة.
وفي بعض الأحيان يقع المسوّقون في فخ الإفراط في التحليل. فبدل التركيز على الصورة الكلية للأداء التسويقي، ينشغلون بتحليل التفاصيل الصغيرة. ومن المهم في كثير من الأحيان النظر إلى «الغابة كاملة» بدل الاكتفاء بدراسة «الأشجار» الفردية.
كما أن تعدد المنصات التقنية يمثل تحديًا آخر. فكثير من فرق التسويق تستخدم عدة أدوات وتقنيات في الوقت نفسه، ويمكن نظريًا جمع البيانات من هذه الأدوات في لوحة تحكم واحدة. لكن إعداد هذه اللوحات وصيانتها يتطلب مهارة وجهدًا كبيرين. وقد يؤدي تجاهل هذه المهمة أو تأجيلها إلى خسارة فرص مهمة لفهم الأداء الحقيقي.
ومن المشكلات التي تظهر أيضًا أن بعض الشركات لا تقيس الأداء أصلًا، أو تقيس أمورًا غير مهمة. لذلك من الضروري إنشاء تقارير ولوحات تحكم واضحة لكل عميل أو حملة تسويقية، بحيث تركز القياسات على مؤشرات الأداء الرئيسية التي تم تحديدها عند وضع الأهداف. كما ينبغي متابعة هذه المؤشرات أثناء تنفيذ الحملة، وليس فقط بعد انتهائها، حتى يمكن تعديل الاستراتيجية وتحسين الأداء باستمرار.
كذلك يقع كثير من المسوّقين في خطأ الاعتماد على ما يُعرف بالمؤشرات الشكلية أو «مؤشرات الغرور»، وهي أرقام تبدو جيدة لكنها لا تعكس تحقيق الأهداف الحقيقية. فعدد مشاهدات الصفحة قد يكون مؤشرًا مناسبًا إذا كان الهدف زيادة الوعي بالعلامة التجارية أو جذب الزيارات. لكن إذا كان الهدف بيع منتجات أو خدمات، فإن عدد الزيارات لا يكون مهمًا إلا إذا تحوّل إلى عمليات شراء أو تفاعل فعلي. لذلك يجب أن تتوافق مؤشرات الأداء الرئيسية مع الأهداف والنتائج المتوقعة.
ومن التحديات الأخرى غياب لغة موحدة للتقارير داخل المؤسسات. فغالبًا ما تُخزن البيانات في أدوات مختلفة، وقد يعني المصطلح نفسه شيئًا مختلفًا من أداة إلى أخرى. فتعريف «الزيارة» مثلًا قد يختلف بين منصة وأخرى. كما أن محاولة دمج البيانات المجهولة المصدر مع بيانات العملاء المعروفة قد تكون عملية معقدة. لذلك من المهم وضع تعريفات موحدة للمقاييس المستخدمة حتى يمكن الاستفادة القصوى من التحليلات.
ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي ظهرت مشكلة جديدة، إذ لا توجد حتى الآن وسائل واضحة لمعرفة ما إذا كانت هذه الأدوات تعرض محتوى العلامة التجارية أو تستخدمه. ويمكن الحصول على بعض المؤشرات التقريبية من خلال أدوات تحليل المواقع أو منصات تحسين محركات البحث، لكن هذه المؤشرات تبقى غير دقيقة في كثير من الأحيان. ومع ذلك يتوقع أن تتطور الأدوات التحليلية مستقبلًا مع ازدياد الحاجة إلى تحقيق دخل من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
كما أن اعتماد المسوّقين على الأدوات الأسهل بدل الأدق قد يؤدي إلى قرارات غير مبنية على فهم شامل للبيانات. فبعض الفرق لا تزال تعتمد على أدوات قديمة أو لم تقم بإعداد أدوات التحليل الحديثة بشكل صحيح، ما يعني فقدان قدر كبير من المعلومات المفيدة حول أداء المواقع والحملات.
ويواجه بعض المسوّقين أيضًا صعوبة في الاستفادة الكاملة من أدوات التحليل الجديدة مثل Google Analytics 4. ويمكن التعامل مع ذلك إما بتخصيص وقت كافٍ لتعلّم هذه الأدوات داخل الفريق أو بالاستعانة بوكالات وخبراء متخصصين.
من ناحية أخرى، تمثل تكلفة أدوات التحليل تحديًا كبيرًا، خصوصًا للشركات الصغيرة أو المسوّقين المستقلين، إذ قد تكون هذه الأدوات باهظة الثمن وغير متاحة بسهولة.
كما أن مشكلة تحديد مصدر النتائج التسويقية بدقة ما تزال من أكبر التحديات. فربط كل عملية بيع أو تفاعل بالحملة أو القناة التسويقية التي أدت إليها ليس أمرًا بسيطًا، خاصة عندما يمر العميل بعدة نقاط اتصال قبل اتخاذ قرار الشراء.
وفي بعض المؤسسات تكون بيانات التحليل محتكرة من قبل شخص واحد أو فريق صغير، ما يقلل من استفادة بقية الفرق منها. ومن الأفضل نشر هذه البيانات داخل المؤسسة حتى يتمكن الجميع من متابعة أداء المحتوى واتخاذ قرارات مبنية على المعلومات.
وتظهر مشكلة أخرى في ضعف التنسيق بين التسويق والمبيعات. فغالبًا ما تركز فرق التسويق على مؤشرات بداية رحلة العميل مثل عدد الزيارات أو الاشتراكات، بينما تهتم فرق المبيعات بالمراحل الأخيرة مثل إتمام الصفقات. والتحدي الحقيقي يكمن في الربط بين هاتين المرحلتين وتحويل الاهتمام الأولي إلى عمليات شراء فعلية.
كما أن نقص الوقت والمهارات يشكل عائقًا مهمًا. فأنظمة التحليل تحتاج إلى صيانة مستمرة وتحديثات منتظمة لمواكبة الحملات والاستراتيجيات الجديدة. لذلك من الضروري وجود محلل متخصص يتابع هذه الأنظمة باستمرار ويضمن دقة البيانات.
وأخيرًا، يبرز تحدٍ متزايد يتعلق بالانتقال من بيانات الطرف الثالث إلى بيانات الطرف الأول، في ظل التغيرات المتسارعة في قوانين الخصوصية. ويصبح من الضروري جمع البيانات بطريقة عادلة وشاملة تعكس تنوع العملاء دون تحيز، مع اعتماد ممارسات تضمن التنوع والإنصاف والشمول والمساءلة في جميع مراحل جمع البيانات وتحليلها.
قد يبدو أن تحديات تحليلات التسويق كثيرة ومعقدة. لكن الخطوة الأولى نحو حلها هي إدراك أنها مشكلات شائعة وليست حالات فردية. ومع هذا الوعي يمكن البدء تدريجيًا في تحسين الممارسات التحليلية، خطوة بعد خطوة، حتى يصبح برنامج التحليلات أكثر وضوحًا وفائدة.
