بقلم: آن جين
هل يعبّر مسمّاك الوظيفي بدقة عمّا تقوم به؟ وهل أدى الانتشار الواسع لمصطلح «صانع المحتوى» في اقتصاد المبدعين إلى زيادة الغموض؟ هذه الأسئلة تعكس أزمة هوية يعيشها كثير من العاملين في مجال تسويق المحتوى، سواء كانوا موظفين حاليًا أو باحثين عن عمل أو حتى جهات توظيف تحاول العثور على الأشخاص المناسبين.
لطالما واجه مسوّقو المحتوى شيئًا من الارتباك في تعريف أدوارهم المهنية. لكن هذه الحالة أصبحت أكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة مع صعود اقتصاد المبدعين وانتشار لقب «صانع المحتوى». في بيئة العمل يعرف معظم الناس ما الذي يقومون به فعليًا، لكن المشكلة تظهر عندما نحاول التعبير عن ذلك في مسمى وظيفي أو وصف وظيفي واضح. فماذا يحدث عندما يبحث المتخصص في هذا المجال عن وظيفة جديدة؟ وكيف يمكن لأصحاب العمل أن يعلنوا عن وظيفة تسويق محتوى بطريقة تجذب المرشحين المناسبين؟
عند طرح هذه الأسئلة على عدد من المتخصصين في المجال، لم يظهر جواب واحد حاسم. لكن الآراء المختلفة كشفت مجموعة من الاحتمالات والتحديات التي ينبغي على العاملين في المجال وأصحاب العمل التفكير فيها، كما كشفت عن مشكلة قد تصبح أكثر تعقيدًا في المستقبل.
إحدى القضايا الأساسية تتعلق بالخلط بين «صانع المحتوى» و«مسوّق المحتوى». فمع انتشار اقتصاد المبدعين أصبح مصطلح صانع المحتوى يستخدم غالبًا للإشارة إلى الأشخاص الذين ينتجون محتوى لجذب الجمهور، حتى لو لم يكونوا مؤثرين أو لا يرغبون في تقديم أنفسهم بهذه الصفة. وفي المجال التسويقي استُخدم هذا المصطلح أحيانًا بوصفه تعبيرًا عامًا يشمل جميع من يشاركون في إنتاج المحتوى، مثل الكتّاب والمصممين والمصورين وصنّاع الفيديو.
غير أن كثيرًا من المسوّقين يرون أن مفهوم مسوّق المحتوى أوسع من ذلك. فمسوّق المحتوى لا يقتصر دوره على إنتاج المواد، بل يشمل أيضًا اختيارها وتنظيمها وتوزيعها بطريقة تجذب الجمهور المستهدف وتثري معرفته وتبني علاقة ثقة معه مع مرور الوقت، بحيث يصبح مستعدًا للنظر في الشراء عندما يصل إلى المراحل المتقدمة من رحلة العميل.
من ناحية أخرى، يرتبط لقب صانع المحتوى في أذهان كثيرين بالمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، فإن الشركات التي توظف أشخاصًا بهذا المسمى غالبًا ما تتوقع منهم القيام بمهام متعددة في الوقت نفسه، مثل وضع استراتيجية للمحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي وتصوير المواد وكتابة النصوص وتحريرها ومتابعة الاتجاهات الجديدة. ويرى بعض العاملين في المجال أن هذا التوقع غير واقعي، لأنه يتطلب من شخص واحد أن يتقن عددًا كبيرًا من المهارات المختلفة.
هذا التعقيد يظهر بوضوح عندما يبدأ المتخصصون في البحث عن وظائف جديدة. فبعضهم يلجأ إلى استخدام مجموعة كبيرة من الكلمات المفتاحية لوصف خبراته المهنية، خاصة في الملفات المهنية على الإنترنت. إذ قد يجمع الشخص في وصفه المهني بين التسويق والاتصالات وكتابة المحتوى التسويقي وإنتاج المحتوى متعدد القنوات، إضافة إلى شرح الهدف العام من عمله مثل بناء علاقات أقوى بين الشركات والعملاء.
ويعكس هذا الأسلوب محاولة للتعامل مع واقع أصبحت فيه الأدوار المهنية في مجال المحتوى متعددة ومتشابكة. فمسوّق المحتوى قد يعمل في الكتابة والتحرير وإدارة المحتوى والتخطيط الاستراتيجي والتوزيع عبر قنوات متعددة. لذلك يصبح من الصعب اختصار هذا الدور في مسمى وظيفي قصير.
كما يواجه الباحثون عن عمل تحديًا آخر يتمثل في أن مسمى «تسويق المحتوى» لا يظهر دائمًا في عنوان الوظيفة، حتى لو كانت المهام الفعلية تتعلق بهذا المجال. ولهذا يضطر كثيرون إلى توسيع نطاق بحثهم ليشمل مسميات مثل كاتب إعلاني أو مدير محتوى مواقع إلكترونية أو مصمم محتوى رقمي أو قائد فريق محتوى.
لكن المشكلة لا تتوقف عند حدود المسمى الوظيفي. فكثير من الوظائف تجمع بين مهام مختلفة تتطلب مهارات متباينة. فكتابة الإعلانات مثلًا تعتمد غالبًا على نصوص قصيرة تهدف إلى دفع الجمهور لاتخاذ إجراء سريع، في حين أن تسويق المحتوى يقوم في كثير من الأحيان على كتابة نصوص طويلة تروي قصة أو تقدم معرفة مفصلة. والتنقل المستمر بين هذين الأسلوبين قد يكون مرهقًا حتى للمحترفين.
لذلك ينصح بعض المتخصصين الباحثين عن عمل بعدم الاعتماد على وصف الوظيفة المنشور فقط، بل بطرح أسئلة تفصيلية أثناء المقابلات. فقد يكون من المهم معرفة ما إذا كان الفريق يضم مصممًا متخصصًا أو مسؤولًا عن الإنتاج البصري، لأن غياب هذه الأدوار يعني أن المسؤوليات قد تقع على عاتق الشخص نفسه.
وفي المقابل، تواجه الشركات تحديات مشابهة عند الإعلان عن الوظائف. فقد لاحظ بعض مسؤولي التوظيف أن استخدام مسمى «صانع محتوى» يجذب عددًا كبيرًا من المتقدمين الذين يعملون في إدارة حسابات وسائل التواصل الاجتماعي أو في صناعة محتوى شخصي، لكنهم لا يمتلكون خبرة في التسويق الاستراتيجي أو في إدارة المحتوى ضمن إطار تسويقي شامل.
وعندما استخدمت بعض الشركات مسميات مثل «أخصائي تسويق محتوى» جاء المتقدمون من خلفيات متنوعة ومن مستويات خبرة مختلفة. أما عندما استُخدم مسمى «منسق تسويق محتوى» فكان المتقدمون غالبًا في مراحل مبكرة من حياتهم المهنية ولديهم خبرة محدودة في الكتابة والترويج.
وتظهر مشكلة أخرى في أن كثيرًا من المسميات الوظيفية أصبحت طويلة ومعقدة بسبب اتساع نطاق المسؤوليات. فقد يحمل الشخص مسمى يجمع بين الاتصالات واستراتيجية العلامة التجارية وإدارة المحتوى، لأن أي مسمى أقصر لا يعكس بدقة حجم المهام التي يقوم بها.
كما أن مصطلح «المحتوى» نفسه أصبح غامضًا. فبالنسبة للبعض يشير إلى النصوص الموجودة على المواقع الإلكترونية وما يرتبط بها من تحسين محركات البحث وبنية المعلومات. أما بالنسبة لآخرين فهو يشمل كل ما يتعلق بالمحتوى الرقمي مثل وسائل التواصل الاجتماعي والفيديو والبودكاست والبريد الإلكتروني والمقالات. وهذا الاختلاف في الفهم يؤدي في كثير من الأحيان إلى سوء تفاهم داخل المؤسسات.
ويرى بعض خبراء المجال أن من المهم التمييز بوضوح بين الأدوار المختلفة. فصانع المحتوى ليس بالضرورة مسوّق محتوى، ومدير وسائل التواصل الاجتماعي ليس بالضرورة خبيرًا في تسويق المحتوى، وكاتب تحسين محركات البحث ليس بالضرورة استراتيجي محتوى. صحيح أن هذه الأدوار قد تتقاطع، لكن كل واحد منها يتطلب مهارات مختلفة.
وفي كثير من المؤسسات، قد لا يكون من الممكن توظيف شخص منفصل لكل دور من هذه الأدوار. ومع ذلك يرى بعض الخبراء أن من الأفضل البدء بدور استراتيجي يضع الرؤية العامة لتسويق المحتوى، ثم إضافة المتخصصين التنفيذيين لاحقًا.
كما يلاحظ بعض المتخصصين أن مهام تسويق المحتوى بدأت تظهر أيضًا في وظائف العلاقات العامة وإدارة وسائل التواصل الاجتماعي. ويرجع ذلك جزئيًا إلى تشابه بعض المهارات، لكنه قد يكون أيضًا نتيجة رغبة الشركات في أن يقوم شخص واحد بعدة أدوار في الوقت نفسه. ومع أن امتلاك مهارات متعددة يعد أمرًا إيجابيًا، فإن تحميل شخص واحد عددًا كبيرًا من المسؤوليات قد يكون غير واقعي.
هذه الفوضى في المسميات والأدوار لا تؤثر فقط في عملية التوظيف، بل قد تؤثر أيضًا في المسار المهني على المدى الطويل. فعندما تختلف المسميات والمهام من شركة إلى أخرى يصبح من الصعب تحديد الخطوة التالية في المسار الوظيفي أو معرفة ما الذي تعنيه الترقية فعلًا.
ومع ذلك يرى بعض العاملين في المجال جانبًا إيجابيًا في هذا الوضع. فغياب القوالب الصارمة قد يمنح المؤسسات والمهنيين قدرًا أكبر من المرونة في تصميم الأدوار الوظيفية بحيث تعكس طبيعة العمل الفعلية واتساع نطاقه. وفي عالم يتغير بسرعة مثل عالم التسويق الرقمي، قد تكون هذه المرونة ضرورية بقدر ما هي مربكة.
