القائمة الرئيسية

لماذا تُعدّ الثقافة مفتاح تأثير التسويق بالعلامات التجارية؟

لماذا تُعدّ الثقافة مفتاح تأثير التسويق بالعلامات التجارية؟
ملخص المقال

يبيّن مقال نشره موقع Content Marketing Institute للكاتبة أماندا سابلر أن الثقافة تمثل قوة حاسمة في نجاح التسويق لأنها الإطار الذي تتشكل داخله سلوكيات الناس وتصوراتهم، إذ لا يدخل أي منتج أو حملة إلى السوق في فراغ بل في سياق ثقافي قائم يؤثر في كيفية استقبال الجمهور له. ويشير المقال إلى أن العلامات التجارية قد تلعب ثلاثة أدوار في الثقافة: قيادة النقاش عبر تقديم أفكار أو سلوكيات جديدة، أو التفاعل مع اتجاهات قائمة، أو الاكتفاء بتقليد الآخرين دون رؤية. وتنجح العلامات الأكثر تأثيرًا عندما تضيف معنى ثقافيًا جديدًا وتتحلى بالأصالة والاتساق في هويتها، مما يمنحها مصداقية للمشاركة في النقاش العام. كما يوضح أن فهم المجتمعات التي تتشكل حول العلامات التجارية وتمكينها أهم من محاولة بنائها من الصفر، لأن العلامة القادرة على التعبير عن رؤية مشتركة للعالم تتحول إلى رمز ثقافي يدعمه الناس وينشرونه بأنفسهم، وهو ما يجعل الثقافة في النهاية المجال الحقيقي الذي يتشكل فيه معنى التسويق وتأثيره.

بقلم: أماندا سابلر

تشكل الثقافة قوة عميقة التأثير في التسويق لأنها الإطار الذي تتشكل داخله سلوكيات البشر وتصوراتهم. فالثقافة ليست مجرد خلفية اجتماعية، بل هي أشبه بنظام تشغيل ينظم حياتنا اليومية ويؤثر في معظم ما نقوم به. ولهذا السبب تكتسب أهمية خاصة لدى المسوّقين؛ فمهمتهم الأساسية هي التأثير في سلوك الناس، ولا توجد قوة خارجية تؤثر في السلوك البشري بقدر ما تفعل الثقافة.

عندما تطلق علامة تجارية حملة جديدة أو منتجًا جديدًا، فإن نجاح هذا الإطلاق أو فشله لا يتحدد فقط بجودة المنتج أو براعة الإعلان، بل يتشكل أيضًا من خلال النقاشات والأحداث الجارية في المجتمع. فالمنتج لا يولد في فراغ، بل يدخل مباشرة في سياق ثقافي قائم. فإذا أطلقت علامة تجارية منتجًا غذائيًا في لحظة تشهد جدلًا صحيًا أو أزمة مرتبطة بذلك الغذاء، فإن هذا السياق الثقافي سيؤثر حتمًا في طريقة استقبال الناس له.

إن التأثير في الثقافة يعني الإسهام في النقاش العام بطريقة ذات معنى. ويمكن تشبيه الثقافة بسيارة تسير باستمرار. فبعض العلامات التجارية تقود هذه السيارة عندما تقدم أفكارًا جديدة أو أعرافًا جديدة. وبعضها يكتفي بالجلوس في المقعد المجاور للسائق، أي أنها تتفاعل مع أعراف موجودة بالفعل دون أن تقودها. أما أسوأ الحالات فهي أن تكتفي العلامة التجارية بالسير خلف الآخرين دون رؤية أو موقف واضح، مكتفية بتقليد ما يحدث حولها.

العلامات التجارية التي تقود الثقافة هي تلك التي تضيف شيئًا جديدًا إلى العالم الرمزي للمجتمع. فهي تقدم مفردات جديدة، وأعمالًا ثقافية جديدة، وسلوكيات جديدة يتبناها الناس. وهذه العلامات هي الأكثر قدرة على تحقيق النجاح والانتشار.

ترتبط هذه القدرة ارتباطًا وثيقًا بفكرة الأصالة. فالأصالة تعني أن يكون الكيان وفيًا لذاته الحقيقية مهما تغير السياق. وينطبق ذلك على العلامات التجارية كما ينطبق على الأفراد. فالعلامة التجارية الأصيلة هي التي تحافظ على هويتها وقيمها أينما ظهرت ومع أي جمهور. وعندما يثق الناس في أصالة العلامة التجارية، فإنهم يمنحونها قدرًا من المصداقية يسمح لها بالمشاركة في الثقافة بصورة مؤثرة. أما إذا اشتهرت العلامة التجارية بعدم الصدق أو بالتناقض، فإن قدرتها على الإسهام في الثقافة تصبح محدودة للغاية.

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، استطاعت إحدى العلامات التجارية للمشروبات أن تلتقط لحظة ثقافية مميزة. فقد كان هناك فيلم قصير صنعه مخرج شاب مع أصدقائه، وكان الحوار فيه بسيطًا للغاية، إذ كان الأصدقاء يحيّي بعضهم بعضًا بعبارة واحدة تتكرر بينهم بطريقة عفوية. لفت هذا العمل انتباه وكالة الإعلان التي كانت تعمل مع العلامة التجارية، فرأت فيه تعبيرًا صادقًا عن روح الصداقة اليومية التي تريد العلامة أن ترتبط بها.

تمت إعادة صياغة الفيلم ليصبح إعلانًا تجاريًا، وانتشرت العبارة التي ظهرت فيه بسرعة بين الناس. وأصبحت طريقة مألوفة للتحية بين الأصدقاء، بل تحولت إلى رمز يعبر عن القرب والألفة. لم تكن العلامة التجارية هي التي ابتكرت هذه اللغة، لكنها استطاعت أن تتعرف إليها وأن تتفاعل معها بذكاء، فارتبط اسمها بها واستفادت من قيمتها الثقافية. وقد حققت الحملة نجاحًا كبيرًا، لا بسبب أي تغيير في المنتج نفسه، بل بسبب قرب العلامة من الثقافة اليومية للناس.

وتظهر قوة الثقافة بصورة أوضح عند النظر إلى مجتمعات المعجبين. فعندما حاول فريق يعمل مع إحدى أشهر المغنيات في العالم إنشاء نادٍ رقمي لمعجبيها، كان الهدف تحويل العلاقة التقليدية بين الفنان والمعجبين إلى مجتمع تفاعلي عبر الإنترنت. لكنهم اكتشفوا أن التفاعل الحقيقي كان يحدث خارج المنصة الرسمية، داخل مجتمع واسع من المعجبين الذين كانوا يتواصلون فيما بينهم بلغتهم الخاصة ورموزهم الخاصة.

لم يكن هؤلاء مجرد معجبين بالمغنية، بل كانوا يتشاركون رؤية متقاربة للعالم. كانت الموسيقى بالنسبة إليهم وسيلة للتعبير عن منظومة من القيم والمشاعر المشتركة بينهم. وهذا ما كشف الفرق بين فكرة بناء مجتمع وفكرة تيسير مجتمع. فبناء المجتمع يعني جمع الناس حول شخص أو فكرة. أما تيسير المجتمع فيعني العثور على أشخاص يتشاركون الإيمان نفسه، ثم مساعدتهم على التواصل مع بعضهم وتعزيز الروابط بينهم.

عندما تتبنى العلامة التجارية هذا الدور، فإنها تتحول من مجرد منتج للسلع أو الخدمات إلى كيان يساعد الناس على تحقيق ما يسعون إليه. وأفضل أشكال التسويق هي تلك التي تخدم الناس وتساعدهم في إنجاز ما يريدون، سواء كان ذلك هدفًا عمليًا أو عاطفيًا أو اجتماعيًا.

ولهذا ينبغي على المسوّقين البحث عن المجتمعات التي قد تكون موجودة بالفعل حول علاماتهم التجارية. فالعلامات التجارية ليست مجرد منتجات، بل هي حوامل للمعنى. وعندما تعبر العلامة عن رؤية للعالم يتشاركها الناس، يشعر هؤلاء بأن أحدًا أخيرًا عبّر عما كانوا يؤمنون به. وعندها يتحولون إلى داعمين متحمسين ينشرون رسالة العلامة بين الآخرين، فتتوسع دائرة تأثيرها بصورة طبيعية.

ولا يقتصر هذا الأمر على العلامات التي تخاطب الأفراد فقط، بل ينطبق أيضًا على العلامات التي تخاطب الشركات والمؤسسات. ففي عالم الأعمال كثيرًا ما تلعب السمعة الثقافية دورًا حاسمًا في القرارات. فحين تكتسب شركة ما ثقة واسعة في السوق، يصبح اختيارها قرارًا آمنًا من الناحية الاجتماعية داخل المؤسسات، حتى لو كانت هناك منتجات أخرى أفضل من الناحية التقنية. فالمشتري في هذه الحالة لا يختار المنتج فحسب، بل يختار أيضًا المكانة الاجتماعية والثقة المرتبطة به.

وتظهر هذه الديناميات كذلك في المجال السياسي. فقد ينظر بعض الناس إلى حملة انتخابية لم تفز في الانتخابات ويعتبرونها غير ناجحة. لكن النجاح لا يقاس دائمًا بالفوز النهائي فقط. فقد تنجح الحملة في التعبير بوضوح عن قناعاتها وجذب الأشخاص الذين يرون العالم بالطريقة نفسها. غير أن المجتمع ككل قد لا يشارك هذه الرؤية بالقدر الكافي.

في السياسة يكون هناك فائز واحد وخاسر واحد، بينما في الأسواق يمكن لعلامة تجارية أن تحتل موقعًا متأخرًا نسبيًا ومع ذلك تحقق نجاحًا وربحية. كما أن الحملات السياسية تحتاج إلى وقت لإطلاق التأثيرات الشبكية التي تجعل المؤيدين يقنعون الآخرين. وإذا لم يتوافر الوقت الكافي، فقد لا تنتشر هذه التأثيرات بالقدر المطلوب.

ومع ذلك، قد تتمكن حملة ما خلال فترة قصيرة من خلق زخم غير مسبوق، وجذب دعم واسع وموارد مالية ضخمة. وهذا في حد ذاته إنجاز كبير يعكس قوة الرسالة وقدرتها على تحريك الناس، حتى لو لم تنتهِ النتيجة بالفوز النهائي.

في النهاية، تكشف هذه الأمثلة جميعًا عن حقيقة واحدة: الثقافة ليست مجرد خلفية يعمل فيها التسويق، بل هي المجال الذي يتشكل فيه معناه وتأثيره. وكلما استطاعت العلامة التجارية أن تفهم الثقافة وتتفاعل معها بصدق، زادت قدرتها على التأثير في سلوك الناس وبناء روابط حقيقية معهم.

المصدر

مقالات ذات صلة