القائمة الرئيسية

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في مكافحة الجرائم المالية عبر إعادة ابتكار مفهوم النزاهة

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في مكافحة الجرائم المالية عبر إعادة ابتكار مفهوم النزاهة
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في مكافحة الجرائم المالية مثل غسل الأموال والاحتيال من خلال بناء ما يُعرف بسلاسل الأدلة الرقمية التي تربط بين الوثائق والمعاملات والأنشطة الاقتصادية الفعلية. وتوضح أن المشكلة الأساسية ليست نقص البيانات بل تشتتها، وهو ما يستغله المجرمون لإخفاء أنشطتهم. كما تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على ربط السجلات المتفرقة وكشف التناقضات على نطاق واسع، مما يعزز الثقة في الأنظمة المالية دون الحاجة إلى توسيع المراقبة الشاملة. وتؤكد المقالة أن أوروبا تمتلك الآن فرصة مهمة، مع الإصلاحات التنظيمية الجديدة، لبناء بنية تحتية رقمية للثقة تعتمد على التحقق الذكي المستمر بدلاً من الرقابة الواسعة.

  • تواصل عمليات غسل الأموال الارتفاع، وغالباً ما تفلت الأرباح الإجرامية من المصادرة، بينما تخسر المؤسسات جزءاً من إيراداتها بسبب الاحتيال.
  • ولمكافحة الجرائم المالية، يحتاج صانعو السياسات إلى إيجاد طرق لبناء الثقة في الأنظمة الرقمية دون الاكتفاء بتوسيع نطاق المراقبة.
  • يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في ذلك من خلال إنشاء ما يُعرف بسلاسل الأدلة، التي تربط بين الوثائق المالية والإجراءات الفعلية لتأكيد صحة المعاملات.

يتعرض الاتحاد الأوروبي لضغوط متزايدة لجعل الاقتصاد الرقمي أكثر أماناً، خاصة عندما يتعلق الأمر بمكافحة الجرائم المالية.

يقدّر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن ما بين 2% و5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي — أي ما يقارب 800 مليار إلى تريليوني دولار — يتم غسله سنوياً. وفي الاتحاد الأوروبي، تشير المفوضية الأوروبية إلى أن الجريمة المنظمة تحقق أرباحاً تبلغ نحو 139 مليار يورو كل عام، بينما يقدّر يوروبول أن حوالي 2% فقط من العائدات الإجرامية تتم مصادرتها.

ويمكن ملاحظة النمط نفسه داخل الشركات. إذ يقدّر اتحاد فاحصي الاحتيال المعتمدين أن المؤسسات تخسر نحو 5% من إيراداتها سنوياً بسبب الاحتيال.

في عام 2025، ناقش قادة أوروبيون الحاجة إلى شكل من أشكال المساءلة ينهي إخفاء الهوية على الإنترنت من خلال ربط حسابات وسائل التواصل الاجتماعي بمحفظة الهوية الرقمية للاتحاد الأوروبي. والفكرة هنا هي أن تعزيز موثوقية الهوية يمكن أن يجعل من الصعب استخدام الحسابات المجهولة في عمليات الاحتيال والاحتيال المالي وغيرها من أشكال التنسيق غير المشروع عبر الإنترنت.

ما أصبح واضحاً هو أن أوروبا تحتاج إلى بنية تحتية جديدة للثقة الرقمية. فلا يمكن للمجتمعات بناء ثقة دائمة في الأنظمة الرقمية بمجرد توسيع نطاق الاطلاع على الحياة الخاصة للأفراد.

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في بناء سلاسل الأدلة الخاصة بالجرائم المالية؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في معالجة مشكلة الثقة هذه. في الواقع، ينبغي فهم الفصل القادم من استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي على أنه أقل ارتباطاً ببرمجيات الإنتاجية وأكثر ارتباطاً ببنية الثقة. وفي هذا السياق، فإن أهم فائدة للذكاء الاصطناعي ليست في قدرته على معالجة المعلومات بسرعة أكبر، بل في قدرته على ربط السجلات المتفرقة وتحويلها إلى أدلة منظمة قابلة للقراءة آلياً يمكن أن تساعد في مكافحة الجرائم المالية.

كل حدث اقتصادي يترك آثاراً مادية — عقد، فاتورة، شحنة، دفعة مالية، طرف مقابل، سجل ضريبي، أو قيد محاسبي. وفي معظم المؤسسات، تكون هذه الآثار موزعة عبر أنظمة وصيغ مختلفة. وهذا يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت المعاملة تعكس حدثاً اقتصادياً حقيقياً أم مجرد مسار ورقي يبدو مقنعاً.

يمكن للذكاء الاصطناعي الآن أن يساعد في تجميع ما يمكن تسميته بسلسلة الأدلة، كما في المثال الذي طورته شركة نوفا موندي أدناه. تربط سلاسل الأدلة بين الادعاء والوثائق والإجراءات التي ينبغي أن تثبته. يجب أن ترتبط الفاتورة بعملية التسليم، ويجب أن يرتبط التسليم بالدفع، ويجب أن يرتبط الدفع بعلاقة تجارية مشروعة.

إذا بقيت هذه السلسلة متماسكة، تزداد الثقة. وإذا انكسرت، يصبح الخطر مرئياً. وهذا الأمر ذو صلة بالاحتيال وغسل الأموال بقدر صلته بالتحايل على العقوبات أو تمويل الإرهاب.

مثال على سلسلة أدلة تعتمد على الذكاء الاصطناعي
الصورة: Nova Mundi، BDO، PwC

وهذا مهم لأن الجرائم المالية تزدهر في بيئات التجزئة والتشتت. فغسل الأموال صُمّم أساساً لإخفاء المصدر والملكية. وغالباً ما يختبئ الاحتيال خلف وثائق تبدو صحيحة عند النظر إليها بشكل منفصل، لكنها تفشل عندما تُربط بالواقع التجاري الأوسع. وبالتالي، فإن التحدي لا يكمن في تحديد العناصر المشبوهة، بل في اكتشاف التناقضات المشبوهة.

ويُعد الذكاء الاصطناعي مناسباً بشكل خاص لهذه المهمة لأنه قادر على مقارنة الادعاءات عبر الوثائق والأنظمة والزمن على نطاق لا يمكن للمراجعة اليدوية أن تضاهيه.

استخدام الذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق الثقة الرقمية

قد تنجح الأسواق الخاصة في هذا المجال، بينما قد تواجه المراقبة العامة الواسعة صعوبات.

فالمراقبة الشاملة غالباً ما يُنظر إليها على أنها بعيدة عن الناس ومفروضة عليهم وهشة سياسياً. أما التحقق القائم على الأدلة فيمكن نشره عبر جهات تتحمل بالفعل مسؤولية تشغيلية عن الثقة، مثل البنوك وشركات التأمين والمدققين وفرق التمويل ومقدمي الخدمات الخاضعين للتنظيم. ولا يزال للدولة دور مهم، لكن ينبغي أن يقتصر على وضع المعايير وتحديد المسؤوليات والضمانات، وليس فحص المعاملات مباشرة.

وقد بدأ مثل هذا النموذج بالظهور بالفعل. إذ تقوم الشركات ببناء أدوات لا تعتمد على قراءة الاتصالات الخاصة للجميع، بل تركز بدلاً من ذلك على ربط السجلات التجارية الموضوعية بسلاسل إثبات قابلة للتدقيق.

ويتوافق هذا النهج أكثر مع الطريقة التي تُبنى بها الثقة فعلياً في الأسواق — أي من خلال معاملات قابلة للتحقق، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وعمليات تحقق قابلة للتكرار. كما أنه يتماشى مع سياسة الهوية الرقمية في الاتحاد الأوروبي. وبعبارة أخرى، فإن أوروبا تطور بالفعل نموذج الإفصاح الانتقائي في أحد مجالات السياسة الرقمية، وينبغي أن تتبع النزاهة المالية المنطق نفسه.

اختبار النزاهة المالية بشكل مستمر

التوقيت بالغ الأهمية. فقد اعتمد المجلس الأوروبي حزمة مكافحة غسل الأموال في عام 2024، ما أدى إلى إنشاء إطار تنظيمي أكثر تنسيقاً وتأسيس هيئة جديدة لمكافحة غسل الأموال في فرانكفورت. وهذا يمنح أوروبا قاعدة تنظيمية يمكن البناء عليها لتعزيز النزاهة المالية والثقة الرقمية.

لكن التنظيم وحده لن يسد الفجوة بين الامتثال الرسمي والنزاهة المالية الفعلية. فإذا استمرت الشركات في الاعتماد على سجلات منفصلة وعمليات مراجعة كثيفة العمالة، فسيظل تنفيذ القوانين بطيئاً ومكلفاً وغير مكتمل. ويخلق الذكاء الاصطناعي إمكانية لنموذج مختلف، نموذج يتم فيه اختبار النزاهة بشكل مستمر عبر الوثائق وسير العمل، وقبل أن تتفاقم المخاطر.

وبالنسبة لصانعي السياسات، يعني ذلك وضع معايير للتشغيل البيني لأنظمة سلاسل الأدلة، وفرض سجلات قابلة للتدقيق ومراجعات بشرية للقرارات ذات المخاطر الأعلى، ومنح الشركات الصغيرة مساحة لاعتماد أدوات موثوقة من خلال البيئات التنظيمية التجريبية ومسارات امتثال متناسبة. أما بالنسبة لقادة الأعمال، فيعني ذلك التعامل مع البنية التحتية للنزاهة القائمة على الذكاء الاصطناعي باعتبارها طبقة رقابية لا تقل أهمية عن الأمن السيبراني.

إن الخيار الذي تواجهه أوروبا ومؤسساتها اليوم ليس بين السلامة الرقمية والخصوصية، بل بين الرؤية الشاملة غير الدقيقة والتحقق الذكي القائم على الأدلة.

المصدر

مقالات ذات صلة