ملخص: في مقال نشره موقع The Conversation، توضح هولي كريجينجتون أن شبكات الصداقة داخل المدارس قد تلعب دورًا مهمًا في سلوك إيذاء النفس لدى المراهقين. فاستنادًا إلى دراسة بريطانية واسعة شملت نحو أربعة آلاف طالب في مدارس ثانوية بلندن، استخدم الباحثون تحليل الشبكات الاجتماعية لفهم العلاقة بين مكانة الطالب الاجتماعية وسلوك إيذاء النفس. وأظهرت النتائج أن وجود أصدقاء يمارسون إيذاء النفس يرتبط بزيادة احتمال قيام المراهق بالسلوك نفسه، كما ارتبطت العزلة الاجتماعية بارتفاع الخطر، في حين قد تواجه بعض المواقع الاجتماعية الأخرى مثل الشعبية المرتفعة أو لعب دور الوسيط بين مجموعات الأصدقاء ضغوطًا اجتماعية إضافية قد تسهم أيضًا في المشكلة. وفي المقابل، بدت العلاقات الاجتماعية الواسعة والانتماء إلى مجموعات صداقة متماسكة عوامل أكثر حماية. وتشير الدراسة إلى أن فهم ديناميكيات العلاقات بين الأقران داخل المدرسة ضروري للتعامل مع إيذاء النفس، إذ لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياق الاجتماعي للمراهقين.
بقلم: هولي كريجينجتون
يعرف معظمنا كيف تبدو تجربة المراهقة في المدرسة، وكيف يشعر الطالب عندما يجد لنفسه مكانًا داخل الهرم الاجتماعي في المدرسة أو عندما يبقى خارجه. ففي كل مدرسة تقريبًا توجد صورة مألوفة لهذا الترتيب الاجتماعي: هناك الطلاب الأكثر شعبية، وهناك المنعزلون، وبينهما فئة وسيطة من الطلاب الذين تمتد صداقاتهم عبر مجموعات مختلفة.
لكن هذه التراتبية الاجتماعية في سن المراهقة ليست مجرد ترتيب اجتماعي عابر. فالأبحاث تشير إلى أن شبكات العلاقات الاجتماعية ومكانة الفرد داخلها يمكن أن تؤثر في الصحة النفسية أيضًا. وفي دراسة نُشرت مؤخرًا، وجدنا أنا وزملائي أن لهذه الشبكات علاقة أيضًا بأحد أخطر التحديات الصحية التي يواجهها الشباب اليوم: إيذاء النفس.
ويُقصد بإيذاء النفس تعمد الشخص إلحاق الأذى بنفسه. وهو سلوك شائع نسبيًا خلال فترة المراهقة. ورغم أن بعض الحالات قد لا يتم الإبلاغ عنها، فإن ما بين 16% و22% من المراهقين يذكرون أنهم أذوا أنفسهم مرة واحدة على الأقل. ويبدو أن هذا السلوك في ازدياد، خاصة بين الفتيات المراهقات. ومما يثير القلق أن المراهقين الذين يمارسون إيذاء النفس يكونون أكثر عرضة لتدهور صحتهم الجسدية والنفسية، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى نتائج مأساوية مثل الانتحار.
تتعدد الأسباب التي قد تدفع شخصًا إلى إيذاء نفسه. فقد يكون ذلك وسيلة للتعامل مع الضيق العاطفي، حيث يحاول الشخص تخفيف الألم النفسي بالتركيز على إحساس جسدي بالألم. وقد يتأثر هذا السلوك أيضًا بعوامل اجتماعية، مثل طبيعة العلاقات مع الأقران.
فعلى سبيل المثال، قد يتأثر المراهقون بسلوك أصدقائهم أو يستخدمون إيذاء النفس كوسيلة للتعبير عن ضيقهم. وقد أظهرت الأبحاث بالفعل أن العلاقات مع الأصدقاء تكتسب أهمية كبيرة في مرحلة المراهقة، وأن لها دورًا في سلوك إيذاء النفس.
ومع ذلك، لم تُعطِ الدراسات اهتمامًا كافيًا لكيفية ارتباط شبكات الصداقة داخل المدرسة بسلوك إيذاء النفس. وللتعامل مع هذا النقص، قمنا بتحليل بيانات تتعلق بشبكات الصداقة لدى المراهقين وسلوك إيذاء النفس، وذلك بالاعتماد على دراسة بريطانية طويلة المدى حول الصحة النفسية للمراهقين تُعرف باسم دراسة المرونة والعرق والصحة النفسية لدى المراهقين، وهي دراسة تتابع مجموعة كبيرة من الشباب عبر الزمن.
جمعت هذه الدراسة بيانات من نحو أربعة آلاف مراهق من اثنتي عشرة مدرسة ثانوية حكومية في جنوب لندن. وقد ملأ الطلاب استبيانات حول صحتهم النفسية وعلاقاتهم الاجتماعية داخل المدرسة، إلى جانب مؤشرات أخرى، على مدار فترة من الزمن. وحتى الآن تُعد هذه الدراسة أكبر وأحدث دراسة متابعة للصحة النفسية للمراهقين في مناطق حضرية متنوعة في المملكة المتحدة.
في تحليلنا ركزنا على السنة الأولى من جمع البيانات، عندما كان المشاركون تتراوح أعمارهم بين 11 و14 عامًا. وقد سُئل المراهقون عما إذا كانوا قد حاولوا في أي وقت إيذاء أنفسهم، وأجاب نحو 14% منهم بالإيجاب. كما طُلب منهم ذكر أسماء أصدقائهم داخل الصف الدراسي. وهذه هي المرة الأولى التي تجمع فيها دراسة متابعة في المملكة المتحدة بيانات عن شبكات الصداقة المدرسية إلى جانب بيانات عن إيذاء النفس.
استخدمنا أساليب تحليل الشبكات الاجتماعية لرسم خريطة لعلاقات الصداقة بين المراهقين، ولحساب عدد من المؤشرات التي تعكس موقع كل طالب داخل شبكته الاجتماعية. ومن بين هذه المؤشرات درجة الشعبية، أي عدد الأشخاص الذين يذكرونك كصديق، ودور الوسيط بين مجموعات الأصدقاء المختلفة، إضافة إلى العزلة الاجتماعية التي تعني وجود صديق واحد فقط أو عدم وجود أصدقاء على الإطلاق. كما درسنا عدد الأصدقاء الذين أفادوا بأنهم مارسوا إيذاء النفس، ثم بحثنا في العلاقة بين هذه المؤشرات المختلفة وسلوك إيذاء النفس.
أظهرت النتائج أن نوع الأصدقاء الذين يحيطون بالمراهق، وكذلك طريقة ارتباطه بهم داخل شبكة الصداقة، يرتبطان بطرق مختلفة بسلوك إيذاء النفس. وكان من اللافت أن نحو نصف المراهقين لديهم صديق واحد على الأقل ذكر أنه أذى نفسه. وارتبط ذلك بزيادة احتمال أن يبلغ المراهق نفسه عن ممارسة هذا السلوك، وهو ما قد يشير إلى تأثير الأقران.
كما تبين أن بعض المواقع الاجتماعية داخل شبكات الصداقة ترتبط بزيادة احتمال إيذاء النفس، في حين أن مواقع أخرى تبدو أكثر حماية. فقد ارتبطت العزلة الاجتماعية بزيادة الخطر، كما ارتبطت به بدرجة ما الشعبية المرتفعة أو لعب دور الوسيط بين مجموعات مختلفة من الأصدقاء.
وعلى الرغم من أن الشعبية غالبًا ما تُعد مكانة اجتماعية مرغوبة، فإنها قد ترافقها ضغوط اجتماعية قد تسهم بشكل غير مباشر في زيادة احتمال إيذاء النفس. أما المراهق الذي يقف بين مجموعات صداقة متعددة فقد يواجه أيضًا أعباء اجتماعية إضافية قد ترتبط بهذا السلوك.
في المقابل، ارتبطت بعض المواقع الاجتماعية بانخفاض احتمال إيذاء النفس. من ذلك الميل إلى تكوين علاقات اجتماعية واسعة، أي تسمية عدد كبير من الأصدقاء، وكذلك الانتماء إلى مجموعة صداقة متماسكة يكون أعضاؤها أصدقاء لبعضهم البعض. ومع ذلك، كانت أقوى الروابط التي وجدناها تتعلق بالعزلة الاجتماعية وبوجود أصدقاء يمارسون إيذاء النفس.
كما بحثنا فيما إذا كانت هناك فروق بين الفتيات والفتيان. وكان توقعنا أن تكون هذه التأثيرات أقوى لدى الفتيات، لكن النتائج لم تقدم أدلة واضحة على ذلك. ويشير هذا إلى أن العلاقة بين شبكات الصداقة وسلوك إيذاء النفس قد تكون متشابهة لدى الجنسين في العينة التي شملتها الدراسة.
من المهم الإشارة إلى أن هذه النتائج تعتمد على بيانات جُمعت في نقطة زمنية واحدة. ولذلك فهي تكشف عن ارتباطات بين الظواهر، لكنها لا تسمح بإثبات علاقة سببية بينها أو تحديد اتجاه التأثير. فهل تؤثر شبكات الصداقة في سلوك إيذاء النفس، أم أن هذا السلوك يؤثر بدوره في شكل العلاقات الاجتماعية؟ هذا سؤال يحتاج إلى مزيد من البحث.
تسلط هذه الدراسة الضوء على أن إيذاء النفس يمثل تحديًا صحيًا مهمًا خلال مرحلة المراهقة، وأن فهم شبكات العلاقات الاجتماعية في المدرسة قد يكون جزءًا أساسيًا من التعامل مع هذه المشكلة. فإيذاء النفس لا ينبغي فهمه بمعزل عن السياق الاجتماعي، إذ قد تكون له أبعاد اجتماعية لدى بعض المراهقين، وقد يتأثر بطبيعة علاقاتهم مع أقرانهم.
كما تشير النتائج إلى أن الارتباط بالأصدقاء، مثل وجود أصدقاء يمارسون إيذاء النفس، وكذلك الانفصال عنهم، كما في حالة العزلة الاجتماعية، يمكن أن يكونا عاملين مرتبطين بالمشكلة. وهذا يعني أن الوقاية داخل المدارس تحتاج إلى أكثر من نهج واحد. فليس كافيًا التركيز فقط على الطلاب المنعزلين اجتماعيًا، بل ينبغي أيضًا الانتباه إلى ديناميكيات مجموعات الأصدقاء، وإلى الكيفية التي قد يؤثر بها إيذاء النفس لدى بعض المراهقين في الشبكة الاجتماعية الأوسع.
في النهاية، تترك علاقات الأقران في مرحلة المراهقة أثرًا عميقًا في حياتنا، وقد يمتد تأثيرها في صحتنا النفسية لسنوات طويلة. وكلما ازداد فهمنا لطبيعة شبكات العلاقات بين المراهقين، أصبحنا أكثر قدرة على دعم صحتهم النفسية ومساعدتهم على تجاوز التحديات التي يواجهونها.
