ملخص: يوضح مقال نشره موقع The Conversation للكاتبتين بوروكا بو وكاميلا كولباشنيكوفا أن شعورنا بفقدان السيطرة على الوقت مرتبط بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية وسرعة الحياة الحديثة، حيث يصبح الوقت سلعة مشتركة تتأثر بالعمل، والعلاقات، والالتزامات اليومية. رغم توفر وقت فراغ أكبر، فإن استخدامه غالبًا ما يهيمن عليه الاستهلاك أو العمل الإضافي، مما يقلل القدرة على الاستمتاع به ويؤثر سلبًا على الصحة النفسية والجسدية. وتؤكد الكاتبتان أن استعادة السيطرة تتطلب وعيًا بالديناميات الاجتماعية التي تحدد استخدامنا للوقت، وممارسة التعاطف مع النفس، وطرح سؤال "لماذا" قبل تخصيص وقتنا لأي نشاط، مع التركيز على إنفاق الوقت على ما يغذي حياتنا ويضيف قيمة حقيقية، بدلًا من الانصياع للأوامر والعادات المفروضة من الخارج.
بقلم: بوروكا بو وكاميلا كولباشنيكوفا
تستيقظ الساعة السابعة صباحًا وتتناول هاتفك تلقائيًا. بين الرسائل الإلكترونية ورسائل واتساب والتنبيهات الإخبارية، يظهر تذكير مزعج: في الأسبوع الماضي قضيت متوسط 11 ساعة يوميًا أمام الشاشة. تزيح الإشعار وتفتح تيك توك، فتجد امرأة ترتدي زيًا رياضيًا متناسقًا وشعرها مربوط بطريقة أنيقة تشجعك على الاستعداد للعمل من الخامسة صباحًا حتى التاسعة قبل دوامك الرسمي من التاسعة إلى الخامسة
تفكر في ممارسة الرياضة أو التأمل قبل البدء بالرد على الرسائل، لكن سرعان ما تدرك أن الساعة أصبحت 8:57 وإذا لم تنتقل سريعًا من التطبيقات إلى الكمبيوتر ستتأخر
هل يبدو هذا مألوفًا؟ رغم أن كثيرًا من الناس لديهم وقت فراغ أكثر الآن مقارنة بالماضي، إلا أن زيادة الوقت الحر تأتي مع شعور أكبر بالضغط على الوقت. بالنسبة للكثيرين يبدو أننا لا نملك السيطرة على وقتنا بل الوقت هو من يتحكم بنا. وهذا ليس صدفة، فطريقة تعامل المجتمع مع الوقت وتنظيمه هي التي تشكل تجربتنا اليومية
سرعة الحياة الحديثة تجعلنا نشعر أن وقتنا يتسرب من بين أيدينا. وكل دقيقة "نستعيدها" غالبًا ما نستخدمها في كسب المال أو الانشغال بأعمال جانبية. فقدان السيطرة على الوقت له آثار سلبية على صحتنا الجسدية والنفسية
نحن عالقون في دورة مستمرة من الإسراع من أجل البقاء والاستهلاك. لكن الاستهلاك أيضًا يحتاج وقتًا، فيتقلص الوقت المتاح للاستمتاع بما نملكه حديثًا. نشتري جهاز كمبيوتر أسرع لكن نقضي ساعات طويلة في إعداده بما يناسبنا
حتى محاولات توفير الوقت من خلال خدع الإنتاجية أو قراءة كتب التنمية الذاتية تحتاج وقتًا
كباحثين في استخدام الوقت، نواجه حقيقة مزعجة: وقتك ليس ملكك بالكامل فهو ملك لنا جميعًا. فالوقت سلعة اجتماعية، نعيش في شبكة من العطاء والمشاركة والتبادل. قرارات من حولك وأفعالهم تحدد مقدار الوقت المتاح لك
هذا يضعنا في موقف صعب. الأصدقاء والعائلة والزملاء وحتى الجيران يحتاجون لوقتنا، ونحن نحتاج إلى وقتهم أيضًا. نشارك الوقت مع الآخرين لأننا بحاجة إلى روابط قوية لصحتنا النفسية والاجتماعية. ومع ذلك، بناء علاقات دائمة يتطلب التحكم في وقتنا ومشاركته بشكل واعٍ
للأسف ليس الجميع لديهم نفس القدرة على التحكم بالوقت. العوامل الاجتماعية والاقتصادية مثل الجنس والظروف المالية والعمر والعرق والمكان الذي نعيش فيه تؤثر على طريقة إدارة الوقت واتخاذ القرارات المتعلقة به. حتى خيارات بسيطة مثل منح نفسك بضع دقائق إضافية للنوم تتأثر بتوقعات المجتمع والقوانين والقيود الاقتصادية. إذا كان عملك يبدأ الساعة الثامنة صباحًا وتستغرق رحلتك ساعتين فمن الصعب أن تمنح نفسك وقتًا إضافيًا للنوم. وإذا كنت والدًا قد تضطر للاستيقاظ مبكرًا لضمان أن الجميع تناولوا وجبة الإفطار وأن الغداء جاهز للمدرسة
لهذا السبب، مقالات التنمية الذاتية التي تعدك بتحسين وقتك من خلال التخطيط الدقيق لكل دقيقة لا تمنحك السيطرة الكاملة
بدء كسر هذه الدورة يبدأ بالفهم أولًا ثم ممارسة التعاطف مع النفس أمام المطالب الكثيرة على وقتك
استعادة السيطرة
السيطرة على وقتك تبدأ بسؤال "لماذا" ليس لدينا دائمًا رفاهية رفض المهام التي نعتبرها غير ضرورية أو مزعجة لكن يمكننا أن نسأل أنفسنا لماذا نقضي وقتنا في شيء محدد قبل اتخاذ أي قرار سواء كان كبيرًا أم صغيرًا
إذا كان الجواب مرتبطًا بالضغط الاجتماعي أو عادات قديمة أو التزام تجاه شخص لا يستحق وقتك الثمين فكر في إمكانية القيام بشيء آخر
حاول قضاء وقتك في أنشطة ومع أشخاص يغذونك ويضيفون قيمة لحياتك. قد لا تستطيع تجنب الانصياع لبعض المطالب التي يفرضها عليك رئيسك، لكن فهم الديناميات الأكبر التي تؤثر على وقتك سيجعلك تتخذ قرارات أكثر وعيًا ويمنحك شعورًا أكبر بالسيطرة على هذا المورد الثمين
التساؤل المستمر عن سبب أفعالك سيكشف لك الأنماط الاجتماعية التي تحدد قراراتك. لماذا وافقت على شيء لتندم لاحقًا؟ لماذا تكون دائمًا الشخص الذي يخصص وقته للعمل العاطفي في المكتب؟
الاستمرار في طرح سؤال "لماذا" ينمي عادة اليقظة الذهنية ويمنحك القدرة على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا تعكس أولوياتك الحقيقية. السيطرة على الوقت ليست مجرد الالتزام بجدول صارم أو اتباع خدع إنتاجية، فليس بإمكانك التحكم في كل دقيقة من حياتك، لكن يمكنك استغلال الوقت الذي تتحكم فيه باتخاذ قرارات واعية تتوافق مع أهدافك ورغباتك
مثل أحد المشاركين في دراساتنا، قد تجد نفسك يومًا ما تنظر في المرآة وتقول لنفسك: "أحب الوقت! الوقت يمنحني القدرة على أن أصبح ما أريد"
