ملخص: يوضح مقال نشره موقع The Conversation للكاتبة لورا إيلين بيجوت أن معايير الجمال تتغير اليوم بسرعة غير مسبوقة بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، لكن تأثيرها لا يقتصر على الثقافة وحدها بل يرتبط أيضًا بطريقة عمل الدماغ. فالأبحاث في علم الأعصاب تشير إلى أن الدماغ يستجيب طبيعيًا للجمال عبر تنشيط دوائر المكافأة وإفراز الدوبامين، كما أن قدرته على التكيف أو “المرونة العصبية” تجعله يتعلم تفضيل الصور التي يتعرض لها باستمرار. ومع تكرار مشاهدة الصور المثالية والمعدلة رقميًا على المنصات الرقمية، يبدأ الدماغ في اعتبارها المعيار الطبيعي للجاذبية، مما قد يؤدي إلى عدم الرضا عن الجسد والقلق واضطرابات تتعلق بصورة الذات. ومع ذلك، تؤكد الكاتبة أن هذه المرونة نفسها تمنحنا فرصة لإعادة تشكيل تصورنا للجمال، من خلال تنويع ما نتعرض له من صور واقعية، وتقليل المقارنات، وتعزيز مصادر أخرى للشعور بالقيمة مثل العلاقات والإنجازات والإبداع.
بقلم: لورا إيلين بيجوت
تتغير معايير الجمال منذ زمن طويل، لكن سرعتها اليوم أصبحت غير مسبوقة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. فكل فترة تظهر صيحة جديدة تعد بالكمال الذي يصعب على معظم الناس الوصول إليه. من أسلوب “الفتاة النظيفة” القائم على البساطة المفرطة إلى جمالية “الرفاهية الهادئة”، تتحول هذه الصور إلى نماذج مثالية تدفع كثيرين إلى المقارنة والشعور بعدم الرضا عن أنفسهم.
ولا تعود هذه المشاعر إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وحدها، فالدماغ نفسه يشارك في تشكيلها.
توضح دراسات علم الأعصاب أن الدماغ مبرمج بطبيعته للاستجابة للجمال. فعندما يرى الإنسان وجهًا جذابًا تنشط دوائر المكافأة والتفاعل الاجتماعي في الدماغ، ويُفرز هرمون الدوبامين المسؤول عن الشعور بالمتعة. ويحدث الأمر نفسه عندما نشعر بأننا نقترب من أحد معايير الجمال السائدة، فيمنحنا ذلك إحساسًا بالرضا على المستوى البيولوجي.
لكن هذه الآلية نفسها تجعلنا عرضة للتأثر. فمع التكرار يتكيف الدماغ مع الصور والمعايير التي يتعرض لها باستمرار، ويبدأ في التعامل معها بوصفها الوضع الطبيعي. إن قدرة الدماغ على التكيف والتغير، وهي القدرة المعروفة بالمرونة العصبية، كانت في الماضي ميزة تطورية مهمة، لكنها أصبحت في العالم الرقمي الحالي وسيلة يعاد من خلالها تشكيل نظرتنا إلى أنفسنا باستمرار.
ومع ذلك، فإن فهم هذه الآلية العلمية يمنحنا قدرًا من الأمل. فإذا كانت تصوراتنا عن الجمال قابلة للتعلم والتشكّل، فإنها قابلة أيضًا لإعادة التشكيل بطريقة أكثر صحة.
كيف يتشكل معيار الجمال في أذهاننا
يولد الإنسان ولديه ميل فطري إلى تفضيل بعض الملامح الجمالية مثل التناسق، وهي إشارات يربطها الدماغ بالصحة واللياقة الجينية. لكن إحساسنا بالجمال يظل شديد القابلية للتغير. فالأبحاث في علم الأعصاب تشير إلى أن ما نعدّه جذابًا يتأثر بدرجة كبيرة بما نراه مرارًا وما نتعلم تقديره بمرور الوقت.
ويرتبط ذلك بأنظمة التعلم والمكافأة في الدماغ، ولا سيما منطقتين أساسيتين هما النواة المتكئة والقشرة الجبهية الحجاجية. تعمل هاتان المنطقتان باستمرار على تحديث النماذج الذهنية التي تحدد ما يعتبره الدماغ مرغوبًا أو مُرضيًا.
ومع التكرار يمكن أن تتحول بعض الصور الجمالية إلى معايير جديدة للجاذبية. فالتعرض المستمر لصور البشرة المثالية الخالية من المسام أو للأجسام شديدة النحافة قد يغير تدريجيًا تصورنا لما هو طبيعي أو جميل. ويصف علماء النفس هذه الظاهرة بتأثير التعرض المتكرر، أي أن رؤية الشيء مرارًا تزيد احتمال إعجابنا به.
وقد أظهرت إحدى الدراسات أن الأشخاص قيّموا وجوهًا معينة بأنها أكثر جاذبية بعد رؤيتها عدة مرات. كما بينت قياسات نشاط الدماغ أن مناطق المكافأة والتعرف على الوجوه أصبحت أكثر نشاطًا مع التكرار، وأن الإشارات المرتبطة بالانتباه والانفعال ازدادت قوة. بعبارة أخرى كان الدماغ يتعلم فعليًا أن يرى تلك الوجوه بوصفها أكثر جاذبية.
يساعد ذلك في تفسير السرعة التي يتبنى بها المجتمع معايير جمال جديدة.
لكن هذه المرونة قد تحمل جانبًا سلبيًا أيضًا، إذ يمكن أن ينحرف المعيار الداخلي للجمال لدينا بسهولة. فعندما تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بصور معدلة ومثالية، تبدأ أنظمة المكافأة في الدماغ بتفضيل تلك الصور.
وقد أظهرت دراسات تصوير الدماغ أن الأشخاص الذين تعرضوا لوجوه محسّنة رقميًا أصبحوا لاحقًا أقل استجابة للوجوه الحقيقية، كما شعروا برضا أقل عن مظهرهم الشخصي. وهكذا يتحول مفهوم الجمال تدريجيًا من كونه مرتبطًا بالواقع إلى كونه مرتبطًا بالتكرار.
وتعزز وسائل التواصل الاجتماعي هذا التأثير بشكل كبير. فالخوارزميات تقدم للمستخدم مزيدًا من المحتوى الذي يجذب انتباهه، مما يخلق دائرة مغلقة من الصور المتشابهة. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة عدم الرضا عن الجسد والقلق المرتبط بالمظهر، خاصة بين الفتيات المراهقات. كما ارتبط الاستخدام المكثف لفلاتر الجمال بزيادة القلق حول المظهر وباضطراب إدراك ما هو حقيقي.
إن تبني هذه المعايير الضيقة للجمال قد يؤدي إلى آثار نفسية خطيرة، مثل عدم الرضا عن الجسد والقلق والاكتئاب واضطرابات الأكل. ومع الوقت قد يتطور الأمر إلى توتر مزمن أو انخفاض في تقدير الذات أو انسحاب اجتماعي.
وقد تسهم المقارنات المستمرة مع الصور المثالية في ظهور اضطرابات نفسية مثل اضطراب تشوه صورة الجسد وفقدان الشهية العصبي. كما يمكن لضغوط المظهر أن تدفع بعض الأشخاص إلى اتباع حميات قاسية لفترات طويلة أو إلى استخدام منشطات أو الإفراط في العناية بالمظهر.
وربما يكون الأثر الأكثر عمقًا هو التحول الذي جعل المظهر الخارجي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقيمة الإنسان الذاتية. فالمراقبة الدائمة للشكل الخارجي أصبحت مرتبطة بارتفاع مستويات القلق وبالتأثير في الدافع لممارسة الأنشطة اليومية.
وبالنسبة لكثيرين يتحول السعي إلى مطابقة معايير غير واقعية إلى معركة يومية مع الصحة النفسية، وقد يمتد أثر ذلك إلى الحياة الاجتماعية والأداء الدراسي والثقة المهنية.
كيف نبني مقاومة لهذه الضغوط
إن فهم الطريقة التي يعمل بها الدماغ في إدراك الجمال يمكن أن يمنحنا قدرًا من السيطرة. فحين ندرك كيف تتشكل استجاباتنا الجمالية وكيف يمكن للبيئة أن تؤثر فيها، يصبح بإمكاننا اتخاذ خطوات لتحسين صورتنا عن أنفسنا.
المهم أن نتذكر أن الدماغ قابل للتشكّل. فإذا كان التعرض المستمر للصور المثالية قادرًا على تدريبنا على تفضيلها، فإن التعرض لصور متنوعة وواقعية يمكن أن يعيد تدريب الدوائر العصبية في اتجاهات أكثر توازنًا. إن تنويع ما نراه على وسائل التواصل الاجتماعي ليشمل أشكال أجسام مختلفة وأعمارًا متنوعة وألوان بشرة متعددة يوسع مفهوم الجمال في أذهاننا ويحد من تأثير المعايير الضيقة التي تفرضها الخوارزميات.
ومن المهم أيضًا إدراك أن الصور المفلترة تنشط مراكز المكافأة في الدماغ الغنية بالدوبامين. لذلك فإن انجذابنا إليها لا يعني أنها تمثل جمالًا حقيقيًا متفوقًا، بل يعكس ببساطة استجابة عصبية طبيعية.
كما يمكن تعزيز القدرة على المقاومة بتغيير مصادر الإحساس بالمكافأة. فالأنظمة الدماغية التي تستجيب للمظهر تستجيب أيضًا للإنجازات والعلاقات الإنسانية والإبداع واللطف. وقد أظهرت الأبحاث أن خطوات بسيطة مثل إلغاء متابعة الحسابات السلبية، وأخذ فترات استراحة من وسائل التواصل الاجتماعي، وممارسة الحديث الإيجابي مع الذات يمكن أن تحسن الصحة النفسية وتعيد ضبط نظام المكافأة في الدماغ.
لقد أصبحت الثقافة المعاصرة، المدفوعة بالإعلام والمنصات الرقمية، بارعة في استغلال استجاباتنا العصبية لتحقيق الانتشار والربح. ومن خلال الاعتماد على آليات المكافأة والانتباه في الدماغ تفرض هذه المنظومة معايير جمال ضيقة قد تتغلغل بعمق في وعينا.
لكن الحقيقة التي يكشفها العلم بسيطة. الدماغ يستجيب لما يتعرض له باستمرار. ومع إدراك هذه الحقيقة يمكننا أن نصبح أكثر وعيًا بما نتلقاه من صور ورسائل، وأن نستعيد قدرتنا على تعريف الجمال بأنفسنا.
