ملخص: المقال بقلم أجاي بانغا على موقع World Bank يوضح أن العالم يتحرك على وتيرة مزدوجة بين الأحداث السريعة والقوى البطيئة مثل التحولات الديموغرافية، وأن تجاهل هذه القوى البطيئة، خصوصًا التوسع الكبير المتوقع في قوة العمل الشبابية في الدول النامية، قد يؤدي إلى أزمات اقتصادية وأمنية. يشدد بانغا على ضرورة الاستثمار المبكر في الشباب من خلال ثلاث ركائز رئيسية: بناء البنية التحتية البشرية والمادية، خلق بيئة صديقة للأعمال، ودعم توسع القطاع الخاص. من خلال هذه الاستراتيجية، التي تستند إلى الأدلة وتجارب الدول، يمكن تحويل التحولات الديموغرافية إلى محركات للنمو والاستقرار، مع فوائد متبادلة لكل من الدول النامية والدول المتقدمة، وتقليل المخاطر الاقتصادية والاجتماعية المحتملة في المستقبل.
بقلم: أجاي بانغا
يتحرك العالم على وتيرة مزدوجة، بعض الأحداث تظهر فجأة وتلفت الانتباه بسرعة مثل الحروب والتقنيات الجديدة وأزمات الأسواق، بينما هناك قوى بطيئة لكنها ثابتة مثل التحولات الديموغرافية والعولمة ونقص المياه والغذاء.
الأحداث السريعة تبدو عاجلة وملحة، أما القوى البطيئة فهي التي تعيد تشكيل النظام على المدى الطويل. هذا لا يقلل من أهمية الأزمات، لكن تجاهل التغيرات البطيئة قد يؤدي إلى عواقب كارثية إذا استمرينا في التركيز فقط على الأزمات الفورية.
إحدى هذه القوى بدأت تتحرك بالفعل. خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة القادمة، سيبلغ نحو مليار ومئتي مليون شاب في الدول النامية سن العمل، وهو حجم لم يشهده العالم من قبل. لكن وفق المسارات الحالية، من المتوقع أن تولد هذه الاقتصادات نحو 400 مليون وظيفة فقط، ما يترك فجوة هائلة.
غالبًا ما يُنظر إلى هذا على أنه تحدٍ تنموي، وهذا صحيح، لكنه أيضًا تحدٍ اقتصادي وتحدٍ للأمن القومي في الوقت ذاته. ما لاحظناه في مؤتمر دافوس هو مدى سهولة تجاهل هذه القضية تحت وطأة القضايا العاجلة الأخرى. ومن الضروري ألا يتم إغفالها في المنتديات الدولية القادمة مثل مجموعة السبع ومجموعة العشرين.
إذا استثمرنا مبكرًا في الشباب وربطناهم بالعمل المنتج، فإن هذا الجيل الجديد يمكنه بناء حياة كريمة ليصبح ركيزة للنمو والاستقرار. أما إذا أهملنا ذلك، فالعواقب ستكون واضحة، منها ضغوط على المؤسسات، الهجرة غير النظامية، النزاعات، وتصاعد انعدام الأمن مع سعي الشباب لأي فرصة متاحة.
يسعى البنك الدولي لمواجهة هذا التحدي من خلال استراتيجية قائمة على ثلاث ركائز. الأولى هي بناء البنية التحتية، سواء البشرية أو المادية. فالاستثمار في التعليم والرعاية الصحية والنقل والطاقة أساس لنجاح الاستثمار الخاص وخلق الوظائف. على سبيل المثال، يساهم مركز تدريب في بهوبانيشوار بالهند، بدعم الحكومة والقطاع الخاص، في إعداد نحو 38 ألف شخص سنويًا، ومع توافق التدريب مع احتياجات السوق، يجد معظم الخريجين فرص عمل أو يبدؤون مشاريعهم الخاصة بدعم في الهندسة والتصنيع وحماية الملكية الفكرية.
الركية الثانية هي خلق بيئة صديقة للأعمال. القوانين الواضحة والتنظيم المتوقع يقللان من المخاطر ويزيدان من الثقة لدى رواد الأعمال والشركات للاستثمار والتوسع. الموارد العامة يمكن أن تدعم هذه العملية، لكن خلق الوظائف على نطاق واسع يعتمد على القطاع الخاص، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تولد معظم فرص العمل.
الركيزة الثالثة هي مساعدة الأعمال على التوسع. من خلال دعم القطاع الخاص، يوفر البنك الدولي التمويل والضمانات والتأمين ضد المخاطر السياسية. ومثال حديث على ذلك هو ضمان التمويل التجاري لبنك البرازيل، الذي يتيح نحو 700 مليون دولار للشركات الصغيرة، خاصة في القطاع الزراعي، موجهًا رأس المال إلى الشركات التي تدفع عجلة النمو المحلي.
يركز البنك على القطاعات ذات أكبر إمكانات لخلق الوظائف، مثل البنية التحتية والطاقة والأعمال الزراعية والرعاية الصحية الأولية والسياحة والتصنيع ذي القيمة المضافة. وهذه الاستراتيجية ليست نظرية، بل قائمة على الأدلة وتجارب الدول والاختيارات الذكية للموارد المحدودة لتحقيق أكبر أثر.
بحلول عام 2050، سيعيش أكثر من 85٪ من سكان العالم في الدول النامية، ما يعني أكبر توسع تاريخي في القوة العاملة العالمية وأكبر نمو في المستهلكين والأسواق المستقبلية. الاستثمار في هذا الجيل يعود بالفائدة على الدول النامية التي تكسب الاستقرار والدخل والكرامة ويحفز الشباب على بناء مستقبلهم داخل وطنهم، وعلى الدول المتقدمة التي تكسب شركاء تجاريين أقوى وجيران أكثر استقرارًا وأسواقًا موسعة.
بالنسبة للقطاع الخاص، فإن هذه فرصة كبيرة، فالنمو السكاني السريع يخلق طلبًا مستدامًا على الطاقة والغذاء والرعاية الصحية والبنية التحتية والإسكان والتصنيع. لم يكن العقبة في أي وقت نقص الفرص، بل المخاطر الحقيقية والمتصورة، وهنا يمكن للمؤسسات التنموية لعب دور محفز من خلال تمويل البنية التحتية ودعم الإصلاحات التنظيمية وتقليل المخاطر.
إذا نجحنا في ذلك، ستصبح القوى البطيئة مثل التحولات الديموغرافية محركات للنمو والاستقرار، أما إذا فشلنا فسنظل نركض خلف الأزمات، نستجيب لنتائج كانت واضحة منذ سنوات أو حتى عقود. الخيار ليس فيما إذا كانت هذه القوى ستشكل المستقبل، بل فيما إذا سنوجهها مبكرًا نحو الفرص قبل أن تتحول إلى مصادر عدم استقرار.
