يعتقد كثير من المسوقين أن العامل الحاسم في نجاحهم هو الميزانية، أو المواهب، أو التكنولوجيا. صحيح أن هذه العناصر مهمة، لكنها ليست ما يميز برنامجًا تسويقيًا ناجحًا عن غيره.
فبعد أكثر من عقدين من بناء برامج المحتوى ودراستها، يتضح أن الفارق الحقيقي يكمن في طريقة التفكير.
فالعقلية هي التي تحدد ما إذا كان الفريق سيكتفي بالسير مع التيار أم سيصبح عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه داخل المؤسسة. وهي التي تفسر لماذا تتلاشى بعض البرامج بعد عدة حملات، بينما تنجح برامج أخرى في بناء الثقة والقيمة عامًا بعد عام.
في كتابه Burn the Playbook يعرض المؤلف التحولات الذهنية التي تميز صناع المحتوى الناجحين. وهذه المبادئ نفسها تنطبق داخل الشركات. فإذا كنت تقود برنامج محتوى اليوم، فإن التحولات الستة التالية في طريقة التفكير قد تغير كل شيء.
1- اعمل بعقلية موجهة بالأهداف
كثير من الفرق تقيس النجاح بناءً على النشاط:
كم مقالًا نُشر؟ كم فيديو تم إنتاجه؟ كم عدد النقرات في الشهر الماضي؟
لكن النشاط لا يساوي التأثير.
الفرق الأكثر فاعلية تبدأ بتحديد هدف واضح ومكتوب، ثم تقيس كل قرار على أساس مدى اقترابه من هذا الهدف.
عندما بدأ الكاتب عمله قبل سنوات، كتب هدفًا واحدًا بوضوح:
بيع الشركة بحلول عام 2015 مقابل ما لا يقل عن 15 مليون دولار.
ومنذ تلك اللحظة أصبح كل قرار يمر عبر سؤال بسيط:
هل يقربني هذا القرار من الهدف أم يبعدني عنه؟
ليس من الضروري أن يكون هدف فريقك بهذا الحجم. فقد يكون الهدف مثلًا:
الوصول إلى ألف مشترك في النشرة البريدية بحلول الربع الثالث.
توليد فرص مبيعات بقيمة مليون دولار قبل نهاية العام.
أن تصبح شركتك المصدر الأول للمعلومات في قطاع معين.
المهم هو كتابة الهدف كما لو أنه تحقق بالفعل، ومشاركته مع الجميع، ومراجعته بانتظام.
فمن دون هدف واضح أنت تبحر بلا اتجاه. أما مع وجود هدف فستمتلك بوصلة ترشدك.
نصيحة عملية:
ابدأ كل اجتماع خاص بالمحتوى بمراجعة الهدف الرئيسي. ستتفاجأ بمدى التغيير الذي يحدث عندما يركز الجميع على هدف واحد.
2- تمسك بتميزك
لو وضعت آخر خمس مقالات نشرتها شركتك بجانب مقالات منافسيك، هل سيلاحظ أحد الفرق؟
في كثير من الأحيان يندمج محتوى العلامات التجارية في الضجيج العام.
البرامج التسويقية الأفضل تعتمد على ما يجعلها فريدة، وهو ما يسميه الكاتب “الزاوية المميزة” أو Tilt.
وهذه الزاوية هي المزيج الخاص من الخبرة والاهتمامات والرؤية الذي لا يستطيع المنافسون تقليده.
بالنسبة للأفراد قد يكون ذلك المزج بين الكوميديا والنصائح المالية مثلًا.
أما بالنسبة للعلامة التجارية فقد يكون التركيز على جمهور محدد أو زاوية تحريرية مختلفة.
يمكن التعبير عن هذه الزاوية في جملة واحدة مثل:
“نساعد المصممين المستقلين على بناء أعمال مستقرة تحقق دخلاً من ستة أرقام دون إرهاق.”
“نساعد المصانع الصغيرة على تحديث سلاسل التوريد من خلال أدلة عملية وبسيطة.”
إذا لم تستطع أن توضح بوضوح من تساعد وكيف تساعده، فهذا يعني أنك لا تمتلك زاوية مميزة.
ومن دون هذه الزاوية يصبح محتواك مجرد سلعة أخرى في السوق.
مهمة اليوم:
تأكد من أن جميع الكتّاب والمنتجين والمصممين في فريقك — سواء كانوا موظفين أو متعاقدين — يعرفون بوضوح الزاوية المميزة لعلامتك التجارية.
3- التكرار طريق الإتقان
بعد أن تكتشف زاويتك المميزة، عليك أن تكررها بلا توقف.
كثير من المسوقين يتوقفون عن تكرار رسائلهم قبل أن يلاحظها الجمهور أصلًا.
هناك قاعدة معروفة في التسويق تقول إن الشخص يحتاج إلى رؤية الرسالة سبع مرات قبل أن يفكر في الشراء.
وفي كتاب صدر عام 1885 عن الإعلان الناجح أشار مؤلفه إلى أن الشخص قد يحتاج إلى رؤية الإعلان عشرين مرة قبل أن يشتري.
فكر في نبات البامبو:
فهو ينمو تحت الأرض لسنوات دون أن يراه أحد، ثم فجأة يرتفع عشرات الأمتار خلال أسابيع.
هكذا تعمل العلامة التجارية.
والكاتب يعترف بسر بسيط:
لقد كتب تقريبًا الكتاب نفسه لمدة عشرين عامًا، لكنه أعاد تقديمه بصيغ مختلفة في كل مرة. وهذا التكرار هو ما ساعد على بناء علامة Content Marketing Institute.
مهمة متكررة:
حدد ثلاث رسائل أساسية لعلامتك التجارية، وكررها في كل مكان — في المدونة، والبودكاست، والفعاليات، وحتى في العروض الداخلية — لمدة عام على الأقل.
التكرار ليس مللًا.
التكرار هو بناء العلامة التجارية.
4- أنشئ قبل أن تستهلك
كيف يبدأ معظم المسوقين يومهم؟
البريد الإلكتروني، وسلاك، ولوحات البيانات، ومنصات التواصل الاجتماعي.
أي أنهم يبدأون يومهم في وضع الاستجابة لا في وضع الإبداع.
إذا كنت تريد بناء شيء مهم، فاقلب هذا الترتيب.
خصص الساعة الأولى من يومك للإنتاج لا للاستهلاك.
وهذا ينطبق على الجميع، حتى مديري المشاريع والتنفيذيين في التسويق.
بالنسبة للأفراد:
اكتب أو صوّر المحتوى قبل أن تبدأ بتصفح الشبكات الاجتماعية.
وبالنسبة للفرق:
خصص أول ساعة من اليوم — أو الجزء الأول من الاجتماع التحريري الأسبوعي — للعمل الاستباقي مثل:
تطوير أفكار جديدة
كتابة محتوى أساسي
تحليل البيانات لاستخلاص رؤى جديدة
فكر في هذا الرقم:
يقضي الشاب الأمريكي في المتوسط أربع ساعات يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى مدار الحياة يعادل ذلك أكثر من 90 ألف ساعة، أي ما يعادل 43 سنة عمل كاملة.
تخيل لو استعدت جزءًا بسيطًا من هذا الوقت لصناعة محتوى حقيقي.
مراجعة ضرورية:
راقب أسبوعًا كاملًا من وقت فريقك. أين يستهلكون المحتوى بدلًا من إنتاجه؟ سدّ هذه الثغرات وستكتشف أفضل أعمالك.
5- كوّن فريق دعم أفضل
شبكة علاقاتك تحدد سقف نجاحك.
وهذا ينطبق على الأفراد وعلى فرق التسويق.
قادة المحتوى الناجحون لا يعملون في عزلة. بل يحيطون أنفسهم بخمسة أنواع من الحلفاء:
صاحب الحقيقة: الشخص الذي يتحدى افتراضاتك ويواجهك بالحقيقة.
المعجب المتحمس: الشخص الذي يذكرك دائمًا بقيمة عملك.
الخبير المتقدم: شخص سبقك بخطوات ويساعدك على التقدم.
الندّ في الميدان: شخص يواجه التحديات نفسها إلى جانبك.
الواصل: الشخص الذي يفتح لك أبواب الفرص الجديدة.
داخل الشركة قد تظهر هذه الأدوار بأشكال مختلفة، مثل:
راعٍ تنفيذي يدعم البرنامج (صاحب الحقيقة)
شريك من فريق المبيعات يربطك بالعملاء (الواصل)
عميل مخلص يدافع عن علامتك التجارية (المعجب المتحمس)
سؤال مهم:
من يشغل هذه الأدوار في فريقك اليوم؟ وأين توجد الفجوات؟
عندما تبني شبكة الدعم هذه بوعي، سيرتفع سقف نجاح برنامجك.
6- بع شيئًا كل يوم
بعض المسوقين يترددون في استخدام كلمة “البيع”. فهم يرون أن المحتوى يهدف إلى التوعية فقط، لا إلى تحقيق الإيرادات.
لكن أفضل برامج المحتوى تدمج القيمة والبيع في الإيقاع اليومي للعمل.
عندما كان الكاتب يعمل في Content Marketing Institute، كانوا يبيعون شيئًا كل يوم: كتابًا، ورشة عمل، أو تذكرة لفعالية.
لم يكن ذلك ضغطًا على الجمهور، بل خدمة لهم. فقد اعتاد الجمهور رؤية القيمة واتخاذ قرار الشراء عندما يكون مستعدًا.
بالنسبة لفريقك، لا يعني البيع اليومي أن يحتوي كل محتوى على عرض مباشر. لكنه يعني أن يتضمن دائمًا خطوة تالية واضحة، مثل:
تحميل الدليل
التسجيل في الندوة الإلكترونية
بدء تجربة مجانية
التحدث مع خبير
إذا كنت تؤمن بالقيمة التي تقدمها شركتك، فمن مسؤوليتك أن تساعد الناس على الوصول إليها.
ما أول تحول ذهني ستتبناه؟
ليس عليك تطبيق التحولات الستة كلها اليوم. اختر واحدًا فقط، واجعله معيارًا لاتخاذ قراراتك هذا العام.
فمعظم برامج التسويق لا تفشل بسبب نقص المواهب أو الأدوات، بل بسبب الضياع:
تندمج مع الآخرين بدل أن تتميز.
تستهلك أكثر مما تنتج.
تسمح للأشخاص الخطأ بالتأثير عليها.
تتجنب البيع.
لكن هذا لا يجب أن يكون حالك.
العقلية هي مضاعف قوتك.
والهدف هو بوصلة اتجاهك.
وزاويتك المميزة هي حصنك التنافسي.
وعاداتك اليومية هي ما يحول الجهد إلى أثر طويل الأمد.
إذا أردت لبرنامجك التسويقي أن يصمد مع الزمن، فابدأ بالعقلية.
وستتبعها بقية النتائج.
