بقلم: ياسمين ويليام
هل يمكن للمخاطرة الإبداعية أن تعالج مشكلتين متفاقمتين في عالم التسويق اليوم: تراجع انتباه الجمهور وتقلص ميزانيات التسويق؟ ربما يحدث ذلك، لكن ليس بمجرد إطلاق فكرة لافتة أو الاعتماد على الضجة التي ترافق الابتكار. النجاح يتطلب ما هو أعمق من ذلك بكثير.
فالمخاطرة الإبداعية هي ما يبقي العلامات التجارية حية. إنها تحافظ على حضورها في أذهان الجمهور وتدفعها إلى توسيع حدود ما تستطيع القيام به.
عندما تكون الفكرة موفقة، قد تفتح أبوابًا لفرص جديدة وتعيد الحماس إلى الفريق. أما إذا أخفقت، فقد تؤدي إلى ردود فعل سلبية من الجمهور، أو اضطرابات داخلية في المؤسسة، أو حتى إرباك حول هوية المنظمة ورسالتها.
واليوم، لم يكن الضغط لاتخاذ مثل هذه المجازفات أكبر مما هو عليه الآن. فعلى الرغم من الزيادة الهائلة في حجم المحتوى المنشور، لم يزد انتباه الجمهور خلال العقد الأخير، وفق تقديرات شركة ماكنزي. وفي الوقت نفسه، يظهر مسح إنفاق مديري التسويق لعام 2025 الصادر عن غارتنر أن ميزانيات التسويق ما تزال عند حدود 7.7% من إجمالي الإيرادات، وهي نسبة أقل بكثير مما كانت عليه قبل جائحة كورونا.
في هذا السياق، يُطلب من قادة التسويق التحرك بسرعة أكبر وتحقيق نتائج أكبر بموارد أقل. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن إدارة المخاطر الإبداعية بطريقة تسمح للأفكار الجريئة بدفع العلامة التجارية إلى الأمام دون أن تثير القلق داخل المؤسسة أو تضعف الثقة بها خارجها؟
للإجابة عن هذا السؤال، جرى الاستماع إلى عدد من قادة التسويق والاستراتيجية، كما جرى تحليل أمثلة واقعية وردود الفعل عليها، بهدف فهم الشكل الفعلي للمخاطرة الإبداعية الناجحة، وكيف يمكن للفرق بناء أنظمة تجعل التجريب أكثر أمانًا وأكثر فائدة.
فهم المخاطر الإبداعية
كثير من العلامات التجارية تعلن رغبتها في خوض المخاطر. لكن القليل منها يحدد بدقة ما المقصود بهذه المخاطرة.
في التسويق، تعني المخاطرة الإبداعية كسر المألوف. فهي إما تعيد تشكيل الطريقة التي ينظر بها الجمهور إلى العلامة التجارية، أو تبتكر أسلوبًا جديدًا للوصول إلى الجمهور. أما عنصر المخاطرة نفسه فيكمن في عدم اليقين: فالعلامة التجارية تقدم على تجربة شيء جديد دون أن تعرف مسبقًا كيف سيستقبله الناس.
تذكر إيزابيل نورث، نائبة الرئيس والمديرة التنفيذية في وكالة Pace، مثالًا على ذلك من خلال عمل وكالتها مع شركة Verizon. وتوضح أن الشركة كانت تبحث عن موضوع حواري تستطيع أن تتميز فيه، دون أن يكون مرتبطًا بشكل مباشر بمنتجاتها أو خدماتها.
رأى فريق الوكالة فرصة في موضوع السلامة الرقمية وسلامة الأطفال على الإنترنت، وهو موضوع يتناسب مع شركة تبيع ساعات ذكية للأطفال. وبناء على ذلك، ساعد الفريق شركة Verizon في إنشاء منصة محتوى مخصصة لموضوع التربية في العالم الرقمي، تتضمن بثًا مباشرًا ومقالات ومساهمات من خبراء.
الفكرة كانت أن يرى الآباء، مع مرور الوقت، شركة Verizon بوصفها جهة يمكن الوثوق بها عندما يتعلق الأمر بمنتجات وخدمات مرتبطة بأطفالهم. لكن جوهر المبادرة لم يكن تسويقيًا بحتًا؛ بل كان قائمًا على مبدأ تقديم المساعدة أولًا. وهذا بحد ذاته كان مخاطرة كبيرة.
لكن الرهان نجح. فقد سجلت Verizon زيادة بنسبة 10% في مبيعاتها الموجهة للمستهلكين والمتأثرة بالمحتوى الجديد، وارتفعت زيارات موقعها الإلكتروني بنسبة 30% مقارنة بالعام السابق، كما تضاعفت معدلات التفاعل، وبلغت نسبة تنزيل محتوى المنتجات المحجوب 33%.
ومع ذلك، نادرًا ما تصل المؤسسات إلى هذا المستوى من الجرأة في المخاطرة الإبداعية. وكما تقول جيني ماجيك، مؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة Build Better Change:
إما أن تكون مستعدًا لإجراء قدر كبير جدًا من الأبحاث بحيث تكاد تضمن نجاح الفكرة، أو أن تقبل بأنها تجربة قد تفشل. والمشكلة أن معظم المؤسسات لا تملك ميزانية كافية للخيار الأول، ولا تملك الجرأة الكافية لتقبل الخيار الثاني.
وهذا التوتر بين الرغبة في اليقين والحاجة إلى التغيير هو ما يوقع كثيرًا من العلامات التجارية في حالة جمود.
مخاطر تجنب المخاطرة أو سوء إدارتها
قد يبدو تجنب المخاطر خيارًا آمنًا، لكنه قد يكون مكلفًا بقدر المخاطرة نفسها. تشير بريانا دو، مؤسسة والرئيسة التنفيذية لوكالة Verbatim المتخصصة في تسويق المؤثرين، إلى أنها ترى هذه المشكلة كثيرًا في عملها.
فعندما تحاول الشركات التحكم في كل تفصيل صغير في الحملة التسويقية، تصبح النتائج أقل فاعلية. أما عندما يُنظر إلى المؤثرين بوصفهم شركاء تسويق حقيقيين، لا مجرد قناة إعلانية يمكن تشغيلها وإيقافها، فإن التجريب يصبح أكثر فاعلية وواقعية.
وترى كارلا جونسون، مؤسسة RE:Think Labs، أن الشعور بالراحة قد يكون في حد ذاته خطرًا. فعندما تسير الأمور بسلاسة، تميل المؤسسات إلى تبني منطق “ما دام كل شيء يعمل جيدًا فلا داعي لتغييره”. لكن هذا الرضا قد يتحول بسرعة إلى منطقة خطر.
في المقابل، فإن المخاطر غير المُدارة قد تكون مدمرة أيضًا. فقد أظهر تقرير “العمل غير القابل للاستمرار” الصادر عن Build Better Change أن المؤسسات التي تعيش في حالة تغيير مستمر دون إطار واضح تعاني الإرهاق وانخفاض المعنويات وتراجع الثقة.
إن الضغط الدائم لإعادة الابتكار دون وجود بنية تنظيمية واضحة يستنزف الفرق بسرعة. لذلك يجد القادة أنفسهم مضطرين إلى تحقيق توازن دقيق بين الابتكار والحفاظ على الاستقرار. فالإفراط في الدفع نحو التغيير قد يؤدي إلى إنهاك الموظفين أو تفكك الانسجام الداخلي، بينما يؤدي التردد إلى فقدان الصلة بالواقع والانزلاق نحو التهميش.
القادة الأكثر نجاحًا هم أولئك الذين يعترفون بوجود هذا التوتر ويعملون على بناء أنظمة قادرة على تحقيق التوازن بين الطرفين.
بناء أساس يدعم الابتكار المفيد
الأفكار الجريئة تولد غالبًا موجة من الحماس قد تؤثر في القدرة على الحكم المتزن. فالجميع يشعر بالحماس ويريد التحرك بسرعة، لكن المخاطرة الإبداعية تحتاج إلى أكثر من الحماس. إنها تحتاج إلى تنسيق واضح، وأولويات مشتركة، وخطط بديلة تحسبًا لما قد يحدث.
والفرق التي تستثمر مبكرًا في بناء هذه البنية التنظيمية غالبًا ما تجني ثمار ذلك لاحقًا.
1- تهيئة بيئة تدعم الإبداع القادر على المخاطرة
تحب الفرق الإبداعية الأفكار الجديدة. هذا الجزء سهل. أما الجزء الأصعب فهو خلق بيئة تسمح باختبار تلك الأفكار ومناقشتها وتحسينها دون خوف من الفشل أو الاحتكاك.
بناء الثقة قبل طرح الأفكار
تشجع جيني القادة على إنشاء ما تسميه “مساحات الاستفسار الآمن”، وهي مساحات تسمح للموظفين بطرح مخاوفهم أو تساؤلاتهم قبل إطلاق الحملة.
ففي كثير من الأحيان لا يكون لدى الشخص سوى حدس أو شعور داخلي. لذلك يجب على القادة تحقيق توازن بين حماية الشركة وحماية الفريق، سواء عبر تشجيع من يتحدث بصراحة أو عبر مكافأة التجارب التي تحقق نتائج إيجابية.
كما تحرص الفرق القادرة على المخاطرة على إشراك الأشخاص المناسبين منذ البداية، وهو ما تصفه بريانا بضرورة وجود “تمثيل متنوع لوجهات نظر مختلفة”.
فإذا لم يكن في الغرفة أشخاص يعارضون أو يطرحون الأسئلة أو يلعبون دور “محامي الشيطان”، فستغيب الكثير من المخاطر المحتملة عن النقاش.
الجمع بين الثقافة والبنية
تلاحظ جيني نمطًا متكررًا في المؤسسات عالية الأداء: الفرق التي تتعامل جيدًا مع التجريب الإبداعي تتمتع بمستوى عالٍ من الأمان النفسي. وهذا يعني وجود حوار مفتوح، وبيئة شاملة، واستعداد للمساعدة، ونظرة صحية إلى المخاطرة والفشل.
لكن الثقافة وحدها لا تكفي. فالمخاطرة الآمنة تحتاج أيضًا إلى إطار واضح. ولهذا توصي جيني بتطوير ما تسميه “فلسفة التغيير”، وهي إطار يحدد كيفية اختبار الأفكار واتخاذ القرارات وتقييم التقدم.
يمكن تصور هذه الفلسفة على شكل طيف. ففي الطرف منخفض المخاطر قد تقول الشركة:
نحن نعطي الأولوية للاستقرار، لكننا مستعدون للنظر في أي تغيير يُرجح أن يحسن بشكل كبير رضا الموظفين أو العملاء أو الربحية.
أما في الطرف الأعلى مخاطرة فقد تقول الشركة:
التغيير سمة دائمة في صناعتنا، ولذلك نلتزم بالتطور الاستباقي الذي يقوده الموظفون، مع إعطاء الأولوية للتجريب والتعلم المستمر والتحسين التدريجي.
تقول جيني إن معظم المؤسسات ترغب في الجمع بين الاستقرار والاختراقات الكبيرة في الوقت نفسه، لكن هذا الجمع ليس واقعيًا. لذلك ينبغي على القادة تحديد موقعهم على هذا الطيف وبناء العمليات التي تتوافق مع هذا الاختيار.
الحفاظ على تدفق الأفكار
حتى مع وجود بنية واضحة، قد تتعطل قنوات التواصل. فالقادة قد يشكون من أن الفريق لا يطرح أفكارًا كافية، بينما يشعر الفريق أن القادة يرفضون أفكارهم بسرعة.
تقترح جيني حلًا بسيطًا: تقديم الملاحظات من خلال الحديث عما نجح وما يمكن تطويره. فهذه الطريقة تفصل الفكرة عن صاحبها وتحافظ على المعنويات حتى عندما تتغير الخطة.
2- مواءمة أصحاب المصلحة
يبني القادة الثقة عندما يمنحون الفرق الوقت للمشاركة في تشكيل التغيير بدل فرضه عليها. فالمقاومة ليست دائمًا رفضًا، بل قد تكون مصدرًا مهمًا للمعلومات.
القبول يبدأ بالمشاركة
من منظور الوكالات التسويقية، ترى إيزابيل أن بناء القبول يبدأ بإظهار القدرة على مواكبة سرعة العميل. فكثير من المؤسسات تعمل بعقلية “بناء الطائرة أثناء الطيران”، أي أنها تتحرك بسرعة ولا تنتظر خطة مثالية أو دورات موافقة طويلة.
وعندما تظهر أنك قادر على التفكير والتكيف في الوقت الحقيقي، فإن ذلك يمنح أصحاب المصلحة الثقة في قدرتك على مواكبتهم وحل المشكلات معهم.
مشاركة المرحلة الوسطى الفوضوية
كثيرًا ما تفشل المخاطرة الإبداعية لأن التواصل يقفز مباشرة من الفكرة إلى القرار النهائي. وغالبًا ما يفضل القادة الانتظار حتى تكتمل الخطة قبل عرضها.
لكن مشاركة الأفكار في مراحلها المبكرة، وهي لا تزال قيد التشكّل، تمنح الآخرين فرصة للمساهمة وتزيد ثقتهم في النتيجة النهائية.
قياس ما يهم
تكون المقاييس أكثر فائدة عندما تعكس الهدف الحقيقي للعمل. ولهذا ينبغي على الفرق الاتفاق مسبقًا على تعريف النجاح.
في حالة منصة المحتوى الخاصة بشركة Verizon، لا يعد البيع المباشر هو المؤشر الأساسي للنجاح، بل نية التحويل. فإذا قرأ أحد الآباء مقالًا عن السلامة الرقمية ثم انتقل إلى صفحة منتج، فهذا يعد مؤشرًا إيجابيًا.
وكما تقول كارلا جونسون:
التوجيهات الضبابية تؤدي دائمًا إلى نتائج ضبابية.
3- تطبيق بروتوكولات للحد من المخاطر
يساعد وجود إطار واضح للتجارب الصغيرة والمراجعات المدروسة والتعديلات المستمرة على توفير شبكة أمان للفرق. فهو يقلل الخوف من الفشل ويحوّل كل تجربة إلى فرصة للتعلم.
ابدأ صغيرًا وكن شفافًا
تقول جيني إن التجربة الجيدة يجب أن تكون صغيرة الحجم، واضحة الهدف، وقابلة للتراجع إذا لزم الأمر.
كما تضيف إيزابيل أن الشفافية تعزز الثقة. فعندما تولى فريقها مشروعًا أكبر من المعتاد، كانوا صريحين بشأن خبراتهم السابقة وكيف يخططون لتوسيع نطاق العمل. هذه الصراحة جعلت العميل أكثر استعدادًا لتحمل المخاطرة.
الاستعداد لما قد يسوء
حتى الأفكار التي تحظى بالموافقة بعد نقاش طويل قد لا تحقق النتائج المتوقعة. وبعد إطلاق الحملة لا يمكن ببساطة سحبها، لكن يمكن تحليل ما حدث واستخلاص الدروس.
وهنا تبرز أهمية جلسات المراجعة بعد انتهاء الحملة. إذ ينبغي تحليل البيانات ومناقشة ما حدث وتحديد الإشارات التي تم تجاهلها، ثم تعديل العمليات بحيث لا تضيع هذه الدروس.
وكما تقول بريانا:
حتى لو فشلت الحملة، يمكن دائمًا التعلم منها. بل إنك قد تتعلم منها أكثر مما لو نجحت.
القيادة على حافة الإبداع
الابتكار دون إطار واضح قد يستنزف الفرق. أما الإطار الصارم دون ابتكار فيجعل العلامة التجارية غير مرئية.
العلامات التجارية التي تنجح في إدارة المخاطر الإبداعية هي تلك التي تعمل عند هذه الحافة الدقيقة: جريئة بما يكفي للمجازفة، ومنضبطة بما يكفي لإدارة النتائج.
وكما تقول بريانا:
لا تخف من الثقة بحدسك، لكن حاول دائمًا أن تدعمه بالبيانات، أو على الأقل بفرضية يمكن اختبارها.
وتنصح جيني بأن يصبح التجريب عادة مستمرة داخل المؤسسات، من خلال اختبارات صغيرة منخفضة المخاطر تسمح بالتعلم السريع والحفاظ على الانفتاح على الأفكار الجديدة.
أما إيزابيل فترى أن على القادة الإصغاء بعناية لإشارات العملاء المتكررة، ثم اتخاذ مخاطر محسوبة لتلبية تلك الاحتياجات قبل أن يفعل المنافسون.
بالنسبة إلى كارلا، تبدأ المخاطرة بإعطاء الإبداع مساحة للتنفس: خصص وقتًا للتفكير، ابتعد قليلًا عن الشاشة، واترك الأفكار تتمدد قبل أن تضيق تحت ضغط التنفيذ.
ومع تزايد اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي والأتمتة في المهام الروتينية، سيبقى ما يميز الإنسان هو قدرته على التساؤل والتخيل واتخاذ المخاطر الذكية. والقادة الذين يتعاملون مع هذه القدرة بوصفها ممارسة مستمرة، لا مجرد لحظة إلهام عابرة، هم الذين سيحددون شكل التسويق المتميز في المستقبل.
