- تُعد البيانات موردًا بالغ القيمة؛ فقد نشأت صناعات كاملة حول جمع بيانات المستهلكين ومعالجتها.
- وكل معاملة تُنجز عبر الإنترنت تتضمن أيضًا تبادلًا للبيانات كمنتج جانبي.
- إن فصل البيانات عن المنتج في المعاملات الرقمية سيسمح للأفراد بتقييم قيمة بياناتهم، كما سيمكن صانعي السياسات من إدارة هذه الصناعة بناءً على معلومات واضحة.
غالبًا ما توصف البيانات بأنها “النفط الجديد”، الوقود الأساسي للذكاء الاصطناعي ونمو الإنتاجية. تناقش الحكومات كيفية تنظيمها، وتتنافس الشركات على جمعها، ويعامل المستثمرون الشركات كما لو أن بياناتها كنز ثمين.
ومع كل هذا الاهتمام، تظل سمة أساسية للبيانات غائبة إلى حد كبير عن النقاشات السياسية: سعرها. فعلى عكس العمل أو رأس المال، نادرًا ما تظهر البيانات في الحسابات الوطنية أو في الميزانيات العمومية. وبالنسبة لمعظم المواطنين، يبدو وكأنها بلا سعر على الإطلاق.
وهذا الغياب ليس أمرًا بسيطًا. فهو يعكس سمة هيكلية في الاقتصاد الرقمي تؤثر بصمت في قوة السوق، ورفاه المستهلك، وتوزيع المكاسب الاقتصادية. إن هذا التبادل غير المرئي هو المفتاح لفهم كيفية تحقيق مكاسب للمستهلكين في اقتصاد البيانات الجديد.
البيانات كمنتج جانبي للحياة الحديثة
على عكس الموارد الطبيعية، نادرًا ما تُنتج البيانات بشكل مقصود. بل تظهر كمنتج جانبي للنشاط الاقتصادي. فكل عملية دفع رقمية، أو تدوينة على الإنترنت، أو بحث عبر الشبكة، أو تنقل باستخدام نظام تحديد المواقع، يولد معلومات تلتقطها الشركات.
ومن منظور السياسات العامة، يخلق هذا الأسلوب غير المعتاد في إنتاج البيانات مشكلة في تقييمها. فالمقاييس الاقتصادية التقليدية تعتمد إما على أسعار سوقية واضحة أو على تكاليف الإنتاج. أما البيانات فلا تملك أيًا منهما. فالمستهلكون لا يتقاضون أجرًا صريحًا عندما يولدون البيانات، كما أن الشركات لا تسجل عملية شراء عند حصولها عليها. وهكذا تبدو البيانات وكأنها مجانية.
ومع ذلك، تستثمر الشركات بكثافة لاستخراج القيمة من البيانات. فهي تبني مراكز بيانات، وتوظف عمالة ماهرة، وتطور خوارزميات متقدمة. وتشير هذه الاستثمارات إلى أن البيانات مورد إنتاجي ونادر. ومع ذلك، يظل الأصل الأساسي نفسه غير ظاهر في السجلات.
ويعقّد هذا التباين عملية صنع السياسات. فهو يخفي المصادر الحقيقية لخلق القيمة ويجعل من الصعب تقييم تركّز السوق، وتصميم سياسات ضريبية متسقة، وقياس فائض المستهلك في القطاعات كثيفة البيانات.
الصفقة الخفية في قلب الأسواق الرقمية
في الواقع، البيانات ليست مجانية. فالمستهلكون يحصلون على تعويض، ولكن بشكل ضمني وغير مرئي. فعندما تستخلص الشركات قيمة من بيانات المعاملات، يصبح لديها حافز واضح لتحفيز المزيد من المعاملات. والطريقة لتحقيق ذلك هي خفض الأسعار. والنتيجة هي صفقة واسعة الانتشار لكنها غير مرئية في الغالب: يحصل المستهلكون على أسعار أقل أو خدمات رقمية مجانية، بينما تحصل الشركات على الإيرادات والبيانات معًا.
لذلك، فإن كل تفاعل رقمي هو في الحقيقة معاملة مجمّعة: شراء سلعة أو خدمة، إلى جانب بيع حقوق استخدام البيانات. والسعر الظاهر الذي يُدفع هو النتيجة الصافية لهذين التبادلين. لكن المشكلة أن جانبي الصفقة غير قابلين للملاحظة بشكل منفصل: فنحن لا نعرف السعر الذي كانت ستفرضه الشركات لو لم تتمكن من جمع البيانات، كما لا نعرف الفرق بين السعر في حالة استخدام البيانات والسعر في حال عدم استخدامها. وهذا الفرق غير المرئي في الأسعار يمثل السعر الحقيقي للبيانات.
لماذا يُعد غياب سعر البيانات مشكلة للسياسات العامة
غالبًا ما تكون هذه الصفقة مفيدة للمستهلكين، لكنها قد تكون أفضل بكثير. فالمستهلكون نادرًا ما يرون السعر الذي يحصلون عليه مقابل بياناتهم. ولا يمكنهم اختيار شراء منتج دون بيع معلومات عن أنفسهم. كما لا يستطيعون مقارنة العروض بناءً على مقدار البيانات التي يتم استخراجها منهم.
يشير الاقتصاديون إلى هذا الوضع بمصطلح “الربط” أو “التجميع”، أي فرض حدوث معاملتين معًا. ولا يكون هذا ضارًا دائمًا، لكن عندما يكون أحد مكونات الصفقة بلا سعر ظاهر، يصبح من المستحيل على المشترين تقييم ما إذا كانوا يحصلون على صفقة عادلة.
والنتيجة هي سوق يصبح فيه المستهلكون بائعين ساذجين بشكل دائم. تخيل أنك وصلت إلى بلد أجنبي بعملة غير مألوفة. في يومك الأول، قد تدفع أكثر مما ينبغي مقابل وجبة غداء. لكن مع الوقت تتعلم متى تستبدل عملتك بالسلع ومتى تبحث عن عرض أفضل. أما في الأسواق الرقمية، فإن عملية التعلم هذه لا تحدث أبدًا. فبما أن أسعار البيانات لا تُكشف أبدًا، تبدو كل معاملة وكأنك تدفع بعملة مجهولة في يومك الأول.
وهذا لا يؤثر فقط على رفاه الأفراد، بل أيضًا على كيفية توزيع مكاسب النمو القائم على البيانات. فعندما يكون سعر البيانات مخفيًا، تحتفظ الشركات باليد العليا. ولا يستطيع المستهلكون المطالبة بتعويض أفضل مقابل المعلومات التي يقدمونها، حتى مع تزايد قيمة تلك المعلومات.
الحجة لصالح فصل معاملات البيانات
هناك أداة سياسية يمكن أن تجعل أسواق البيانات أكثر شفافية: فصل المعاملات. فلو طُلب من الشركات تقديم خيار واضح بين معاملات تسمح باستخدام البيانات وأخرى لا تسمح بذلك، مع اختلاف في الأسعار إذا رغبت الشركات، فإن ذلك سيكشف القيمة الضمنية للبيانات. وسيجعل فرق السعر ما يمكن تسميته بـ“خصم البيانات” مرئيًا.
مثل هذه الشفافية ستمنح المستهلكين قوة أكبر دون فرض سلوك معين عليهم. فبعض العملاء سيختارون الأسعار الأقل، ما يعني فعليًا بيع بياناتهم. بينما قد يفضل آخرون دفع المزيد مقابل حماية خصوصيتهم. أما الشركات التي ترى أن حماية البيانات مكلفة، فيمكنها تحديد أسعار أعلى لهذه المعاملات بما يحقق لها الربحية المطلوبة. ومع مرور الوقت، ستحدد المنافسة أسعار البيانات في السوق.
وبالنسبة للجهات التنظيمية، فإن فصل المعاملات سيولد معلومات مهمة. فهو سيكشف قيمة بيانات المستهلكين، وكيف تختلف هذه القيمة بين القطاعات، وكيف تتطور بمرور الوقت. كما سيساعد على تحسين دقة الحسابات الاقتصادية، وتحليل المنافسة، وتصميم السياسات.
أجندة للبيانات
مع اجتماع القادة لمناقشة الذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية والنمو الشامل، ينبغي أن يحظى تقييم البيانات بمكان على جدول الأعمال. فالسؤال ليس ما إذا كانت البيانات يجب أن تتداول؛ فهي بالفعل تتداول. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت القواعد التي تحكم تبادلها شفافة وتسمح للمستهلكين بالاستفادة منها.
إن جعل البيانات قابلة للقياس وجعل تداولها شفافًا لن يحل كل قضايا الخصوصية أو الآثار الجانبية أو قوة السوق. لكن عندما تنقل الأسعار المعلومات، وتكشف الخيارات عن تفضيلات الأفراد، وتستطيع السياسات تشكيل الأسواق بوعي، فإن ذلك يخلق بيئة أفضل بكثير لازدهار المستهلكين.
فالبيانات والذكاء الاصطناعي الذي تمكّنه سيعيدان تشكيل الاقتصاد العالمي. وقد يفيد ذلك المستهلكين كما يفيد الشركات الغنية بالبيانات، ولكن فقط إذا كشف صانعو السياسات الصفقة الخفية التي تقوم عليها هذه المنظومة.
