- يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع باعتباره أكبر تهديد للأمن الإلكتروني في العام المقبل.
- وقدرته على أتمتة الجرائم السيبرانية قد لا تقل عن قدرته على منعها.
- وهناك حاجة إلى تعاون عالمي واسع النطاق، يجمع الحكومات وقادة الصناعة والمجتمع المدني.
إذا طلبت من معظم الناس تحديد اللحظة المفصلية في تاريخ الذكاء الاصطناعي، فمن المرجح أن يشيروا إلى الإطلاق العام لـChatGPT في نوفمبر 2022. ومع ذلك، قد يكون هناك تطور آخر مرتبط بهذه التكنولوجيا له تأثير أكبر على حياة الناس اليومية، وهو استخدام الذكاء الاصطناعي لتنفيذ الهجمات السيبرانية.
يُنظر الآن إلى الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع باعتباره أكبر تهديد للأمن عبر الإنترنت في العام المقبل. ولا يمكن تجاهل التقارير التي تتحدث عن تمكن قراصنة من تجاوز الضوابط الأمنية لشن هجمات إلكترونية على شركات كبرى، ما دفع الحكومات إلى الاستعداد لزيادة في حجم وشدة الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وفي بلد مثل الهند — التي استحوذت في عام 2023 على نحو 49% من معاملات الدفع الفوري في العالم، وعالجت نحو 181 مليار معاملة رقمية بقيمة إجمالية تجاوزت 233 تريليون روبية (2.56 تريليون دولار) في عام 2024 — لا يمكن أن تكون المخاطر أكبر.
الاحتيال المدعوم بالإنترنت منتشر بالفعل: إذ أفاد 73% من المشاركين في أحدث تقرير للتوقعات العالمية للأمن السيبراني الصادر عن المنتدى بأنهم أو شخصًا من معارفهم تأثروا شخصيًا به في عام 2025. ويصنف العديد من الرؤساء التنفيذيين هذا النوع من الاحتيال اليوم باعتباره التهديد الأول للأمن السيبراني — متجاوزًا هجمات الفدية — حيث أفاد 77% من المشاركين بزيادة في الحوادث خلال العام الماضي.
ويبرز هذا الاتجاه بشكل خاص في جنوب آسيا، حيث تعتقد 85% من المؤسسات أن مخاطر الاحتيال السيبراني وهجمات التصيد الاحتيالي قد ارتفعت. وفي الهند وحدها، خُسر أكثر من 52,976 كرور روبية (5.81 مليارات دولار) بسبب قضايا الاحتيال والجرائم الإلكترونية خلال السنوات الست الماضية، بما في ذلك نحو 19,813 كرور روبية (2.18 مليار دولار) في عام 2025 فقط.
تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي إنشاء أصوات اصطناعية تُستخدم في هجمات التصيد عبر الهاتف. وقد خُدعت شركة هندسية بريطانية وخسرت 25 مليون دولار عندما استُخدمت هذه التقنية خلال مكالمة فيديو. وإذا كان رؤساء بعض أكثر الشركات تطورًا ومرونة في العالم يقعون ضحية لهذه الجرائم، فإلى أي مدى ينبغي أن تقلق الشركات الصغيرة من قضايا مثل الاحتيال عبر البريد الإلكتروني، والفواتير المزيفة، وسرقة الهوية؟ وماذا عن المخاطر التي تواجه المواطنين العاديين، خاصة الفئات الضعيفة مثل كبار السن؟
أصبح الاحتيال اليوم بمثابة النسيج الرابط لمخاطر الأمن السيبراني، إذ يؤثر في الوقت نفسه على الأسر والشركات والاقتصادات الوطنية. فبريد إلكتروني احتيالي واحد يمكن أن يؤدي إلى اختراق بيانات يتسبب في تعطّل عمليات شركة ما، ما يطلق سلسلة من التفاعلات التي قد تمتد عبر سلاسل التوريد والحدود الدولية، مؤثرة ليس فقط في الأرباح، بل أيضًا في الثقة بالأنظمة الرقمية والعالمية.
قد لا تقل قدرة الذكاء الاصطناعي على أتمتة الجرائم السيبرانية عن قدرته على منعها. فخوارزميات التعلم الآلي يمكنها اكتشاف الاحتيال، على سبيل المثال في القطاع المصرفي، لكنها تعالج الفعل نفسه لا النية الكامنة وراءه، خاصة أن الذكاء الاصطناعي خفّض تكلفة الخداع وفي الوقت نفسه زاد من مصداقيته.
وتوضح بعض القضايا الحديثة التي تصدرت العناوين حجم المخاطر. فقد أظهر مقطع فيديو مزيف بتقنية ""التزييف العميق"" مرشحة للرئاسة في أيرلندا تعلن زورًا انسحابها من الحملة الانتخابية، بينما تعرّض مواطنون في إندونيسيا لعملية احتيال عبر فيديو على إنستغرام بدا وكأنه يظهر رئيس البلاد وهو يوجه الناس إلى رقم على واتساب للحصول على مساعدات.
ومع ذلك، فإن الاحتيال لا يحدث فقط عبر حوادث كبيرة وبارزة. فعمليات الاحتيال الصغيرة تحدث باستمرار، ويزداد انتشارها في جميع الاقتصادات. وتشير أبحاث المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن 79% من الأشخاص في أمريكا الشمالية قد تأثروا بها أو يعرفون شخصًا تأثر بها.
يتيح الذكاء الاصطناعي إنشاء محتوى سريع ومخصص، ما يسمح للمجرمين بتوسيع نطاق عمليات الاحتيال وتخصيصها بكفاءة غير مسبوقة. وينبغي أن يكون ذلك بمثابة تحذير وجرس إنذار في الوقت نفسه، يبرز الحاجة إلى أدوات متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي للكشف عن الاحتيال والمصادقة والمراقبة.
ولا تواكب أنظمة الدفاع السيبراني الحالية السرعة المتزايدة وتعقيد الهجمات الإلكترونية. لكن ليس من الضروري أن يبقى الأمر كذلك. إذ يحدد تقرير التوقعات العالمية للأمن السيبراني ثلاثة عوائق رئيسية تحول دون تحسين الدفاعات السيبرانية: تشتت اللوائح التنظيمية عبر الحدود، وعدم كفاية تبادل المعلومات الاستخباراتية، ونقص القدرات في مجال الأمن السيبراني لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث أفادت 46% منها بوجود نقص حاد في المهارات.
وتشير مبادرات مثل القمة العالمية للاحتيال التي تنظمها الأمم المتحدة والإنتربول في فيينا خلال مارس إلى تحول نحو عمل دولي أكثر تنسيقًا لمكافحة الجرائم السيبرانية. وبالمثل، تُعقد قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بهدف تصور مستقبل يساهم فيه الذكاء الاصطناعي في تقدم البشرية، ويعزز النمو الشامل، ويحمي كوكبنا المشترك.
كما يتطلب حماية الأفراد اتخاذ إجراءات على المستويات البشرية والبنية التحتية والتكنولوجية — بدءًا من تعليم السلامة الرقمية، وتعزيز التحقق من الهوية والإشراف على النطاقات، وصولًا إلى أنظمة فحص مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على رصد الاحتيال قبل وقوع الضرر. ولن تكون الإجراءات المنفردة كافية. فمع تحول الاحتيال إلى ظاهرة منهجية، يجب أن يكون الرد منهجيًا أيضًا.
وهذا يتطلب تعاونًا منسقًا على نطاق عالمي، يجمع الحكومات وقادة الصناعة والمجتمع المدني للعمل عبر الحدود بدلًا من الاقتصار على العمل داخلها. وبهذه الطريقة فقط يمكن تعزيز القدرة الجماعية على منع الاحتيال السيبراني والتصدي له والحد من آثاره عبر المنظومة الرقمية بأكملها.
