- مكّنت مجموعات البيانات الضخمة والمشتركة الذكاء الاصطناعي الحديث من إتقان مهام معقدة مثل البرمجة والاستدلال البشري.
- لكن جزر البيانات المجزأة تمنع حالياً تقنيات التعلم الآلي من تحقيق اختراقات قد تنقذ الحياة في مجال العلاج المناعي للسرطان.
- يمكن للبنية التحتية الموحدة والتعاون العالمي أن يسرّعا اكتشاف الأدوية عبر إنشاء شبكات بحثية جاهزة للذكاء الاصطناعي.
تعلمت نماذج اللغة الكبيرة الكتابة والبرمجة والاستدلال لأنها تدربت على مجموعات بيانات هائلة ومشتركة — من أعمال شكسبير إلى مستودعات البرمجيات. إن الحجم الكبير، والتوحيد القياسي، وإتاحة الوصول المفتوح هي ما جعل الذكاء الاصطناعي الحديث ممكناً.
ويستحق مجال أبحاث السرطان المعاملة نفسها.
تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي بالفعل اكتشاف الأنماط عبر مليارات المتغيرات. وعند تطبيق هذه الأنظمة على الطب، يمكنها التنبؤ بالمرضى الذين سيستجيبون للعلاج، واكتشاف أسباب فشل بعض العلاجات، ومحاكاة تركيبات دوائية قبل أن تصل حتى إلى التجارب السريرية. وفي العلاج المناعي — حيث تعتمد النتائج على ملايين التفاعلات الديناميكية بين الخلايا المناعية والأورام — يمكن لهذا النوع من اكتشاف الأنماط أن يكون تحوّلياً.
""
لا تعمل أنظمة التعلم الآلي بكفاءة إلا بقدر جودة البيانات التي تُدرَّب عليها.
""
العلم أصبح جاهزاً. لكن البنية التحتية للبيانات للأسف ليست كذلك. فاليوم ما زالت معظم أبحاث السرطان تُجرى مختبراً تلو الآخر، ومجموعة بيانات تلو الأخرى. المعلومات القيّمة تبقى حبيسة جزر معزولة — خلف جدران مؤسساتية محمية، أو متناثرة في ملفات إضافية، أو محفوظة بصيغ غير متوافقة. وحتى عندما تُنشر النتائج، تكون البيانات الأساسية في كثير من الأحيان غير مكتملة (متحيزة نحو النتائج الإيجابية فقط) أو يستحيل إعادة إنتاجها.
لا تعمل أنظمة التعلم الآلي بكفاءة إلا بقدر جودة البيانات التي تُدرَّب عليها. فمجموعات البيانات المجزأة وغير المتسقة تؤدي إلى رؤى مجزأة وغير متسقة. ومن دون معايير مشتركة وتجميع للبيانات، لن يتمكن الذكاء الاصطناعي من مساعدتنا على فك تعقيد علاج السرطان — مهما بلغت قوة الخوارزميات.
إذا أردنا أن يسرّع الذكاء الاصطناعي الوصول إلى علاجات شافية، فعلينا أولاً بناء الأساس الصحيح من البيانات التي سيتدرب عليها.
لماذا تُعد البيانات المشتركة مهمة
هذه اللحظة تحمل أهمية استثنائية. فمن جهة، دخل علم الأحياء عصراً جديداً. إذ تتيح تقنيات الخلية الواحدة والتقنيات المكانية الآن مراقبة الجهاز المناعي بدقة غير مسبوقة — ليس فقط معرفة الخلايا الموجودة، بل أيضاً أماكنها في الفضاء، وكيف تتفاعل، وكيف تتطور بمرور الوقت. أصبح بإمكاننا قياس السرطان (وعلاجه) كنظام حي وديناميكي.
ومن جهة أخرى، نضجت بنى الذكاء الاصطناعي بحيث تستطيع استيعاب هذا النوع من البيانات متعددة الأنماط — الجينومية والمكانية والطولية — على نطاقات يستحيل على البشر معالجتها.
وللمرة الأولى، أصبحت أدوات القياس والأدوات الحاسوبية متوافقة. لكن من دون بنية تحتية منسقة، فإننا نخاطر بتفويت فرصة هائلة.
والعواقب ليست نظرية. فالأبحاث التي لا يمكن إعادة إنتاجها تهدر ما يُقدَّر بنحو 28 مليار دولار سنوياً في الولايات المتحدة وحدها، وتبدأ المشكلة من الوصول إلى البيانات. فعندما حاول مركز العلوم المفتوحة التحقق من 193 تجربة من أكثر دراسات السرطان تأثيراً، لم يتمكن من الحصول على معلومات كافية لمحاولة إعادة معظمها. ومن بين 50 تجربة تمكنوا من إجرائها على مدى ثماني سنوات، أعطى أقل من نصفها النتائج نفسها. كانت البيانات إما محجوبة خلف جدران الدفع، أو مدفونة في الأدراج، أو ببساطة لم تُشارك أبداً. ووجدت دراسة في مجلة BMC Medicine أن 16% فقط من بيانات الأورام متاحة للعامة، وتنخفض النسبة إلى أقل من 1% عند التحقق منها وفق المعايير التي تسمح للباحثين الآخرين باستخدامها فعلياً.
في مجال تعتمد فيه حياة المرضى على السرعة، فإن هذا القدر من عدم الكفاءة غير مقبول. وفي وقت يمتلك فيه الذكاء الاصطناعي القدرة على تسريع الاكتشافات، أصبحت هذه المشكلة أكبر عائق أمامنا.
بناء الأساس: محرك الاكتشاف CRI
في معهد أبحاث السرطان، أطلقنا مؤخراً مشروع ""محرك الاكتشاف CRI"" لمعالجة هذه الفجوة — ليس كقاعدة بيانات مملوكة، بل كبنية تحتية مشتركة للمجال بأكمله.
وبالتعاون مع باحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد، وكلية بيرلمان للطب في جامعة بنسلفانيا، ومركز ميموريال سلون كيترينغ للسرطان، إضافة إلى شريك التكنولوجيا 10x Genomics، نعمل على توحيد كيفية توليد بيانات العلاج المناعي وتنظيمها ومشاركتها. الهدف بسيط: إنشاء مجموعة بيانات كبيرة ومنسقة وجاهزة للذكاء الاصطناعي يمكن لأي باحث مؤهل استخدامها. وقد التزم العلماء المشاركون بكسر جزر الأبحاث الأكاديمية المعزولة عبر تزويد قاعدة البيانات بنتائجهم الأولية. وبعد المرحلة الأولى، سيتمكن باحثون من جميع أنحاء العالم من إضافة بياناتهم، مما يخلق مورداً حياً يزداد قيمة باستمرار. نهدف إلى إنشاء لغة مشتركة لأبحاث العلاج المناعي للسرطان تجعل النتائج قابلة لإعادة الإنتاج والمقارنة ومتاحة للذكاء الاصطناعي.
ومن المهم أن نؤكد أن هذا النوع من المبادرات لا ينجح إلا عندما تتوافق الحوافز. فمن الطبيعي أن تحمي الشركات ملكيتها الفكرية، وأن تتنافس المختبرات الفردية على الاعتراف والتمويل. لكن أمراضاً مثل السرطان لا تعترف بالحدود المؤسسية. ولذلك فإن التعاون ما قبل التنافسي — حيث تُشارك البنية التحتية للبيانات حتى مع استمرار التنافس في تطوير العلاجات — يُعد أمراً أساسياً.
وهنا يمكن للمنظمات غير الربحية والشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تؤدي دوراً حاسماً عبر جمع أصحاب المصلحة، ووضع المعايير، وبناء أصول لا يمكن لأي جهة منفردة أن تبرر إنشاءها بمفردها.
ما الذي يأتي بعد ذلك
لن تأتي الاختراقات المقبلة في علاج السرطان من مختبر واحد أو خوارزمية واحدة. بل ستأتي من الشبكات: علماء وأطباء وتقنيون وصنّاع سياسات يعملون جميعاً انطلاقاً من الأساس نفسه.
تخيل نماذج ذكاء اصطناعي مدربة على بيانات منسقة لآلاف أنواع السرطان وتركيبات العلاجات. سيتمكن الباحثون من اختبار الفرضيات عبر تجارب محاكاة قبل تنفيذها في الواقع. وسيتمكن الأطباء من تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستجابة قبل بدء العلاج. كما ستؤدي الاكتشافات في مؤسسة واحدة إلى تسريع التقدم فوراً في مؤسسة أخرى.
هذا ليس مشروعاً خيالياً بعيد المنال. إنه بنية تحتية. ومثل أي مشروع بنية تحتية — كالطرق وشبكات الكهرباء والإنترنت — فإنه يتطلب تنسيقاً ومعايير واستثماراً جماعياً.
سيساعد الذكاء الاصطناعي في فك تعقيد السرطان. لكن الخوارزميات وحدها لن تنقذ الأرواح. العمل الحقيقي يتمثل في بناء الأساس المشترك الذي يسمح للذكاء — البشري والاصطناعي — بالتعلم معاً. وإذا نجحنا في ذلك، فسنتمكن من اختصار عقود من الاكتشافات إلى سنوات.
وبالنسبة للمرضى، فإن الوقت ليس مجرد مقياس عابر. إنه مسألة بقاء على قيد الحياة.
