القائمة الرئيسية

تأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل: مقياس جديد وأدلة مبكرة

تأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل: مقياس جديد وأدلة مبكرة
ملخص المقال

يتناول هذا البحث تأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل من خلال تقديم مقياس جديد يُعرف بـ«التعرّض المُلاحظ»، يجمع بين القدرات النظرية لنماذج اللغة الكبيرة وبيانات استخدامها الفعلي في بيئات العمل لقياس مدى تأثر المهن بالأتمتة. ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي ما يزال بعيدًا عن بلوغ كامل إمكاناته النظرية في أداء المهام، رغم أن بعض المهن مثل البرمجة وخدمة العملاء وتحليل البيانات تُعد من الأكثر تعرّضًا. كما يوضح أن الوظائف ذات التعرّض الأعلى يُتوقع أن تشهد نموًا أبطأ في المستقبل، وأن العاملين فيها غالبًا ما يكونون أكثر تعليمًا وذات أجور أعلى. ومع ذلك، لا تظهر البيانات حتى الآن زيادة واضحة في البطالة بين هذه الفئات، رغم وجود مؤشرات أولية على تباطؤ التوظيف في بعض المهن المعرضة للذكاء الاصطناعي، خاصة بين العمال الشباب، ما يستدعي متابعة مستمرة لفهم التأثيرات المستقبلية لهذه التقنيات على سوق العمل.

أهم النتائج

  • نقدم مقياسًا جديدًا لمخاطر الإحلال الوظيفي الناتجة عن الذكاء الاصطناعي يُسمّى التعرّض المُلاحظ، والذي يجمع بين القدرات النظرية لنماذج اللغة الكبيرة (LLMs) وبيانات الاستخدام في العالم الحقيقي، مع إعطاء وزن أكبر للاستخدامات المؤتمتة (بدلًا من الاستخدامات المعزِّزة) وللاستخدامات المرتبطة بالعمل.
  • لا يزال الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن بلوغ قدراته النظرية الكاملة؛ إذ إن نطاق الاستخدام الفعلي لا يزال يشكّل جزءًا بسيطًا مما هو ممكن تقنيًا.
  • تشير توقعات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) إلى أن المهن ذات مستويات التعرّض المُلاحظ الأعلى من المتوقع أن تسجّل نموًا أقل حتى عام 2034.
  • العاملون في المهن الأكثر تعرّضًا لتأثيرات الذكاء الاصطناعي هم في الغالب أكبر سنًا، وأكثر احتمالًا أن يكونوا من النساء، وأكثر تعليمًا، ويتقاضون أجورًا أعلى.
  • لم نجد زيادة منهجية في معدلات البطالة بين العاملين في المهن الأكثر تعرّضًا منذ أواخر عام 2022، إلا أننا وجدنا مؤشرات تدل على أن وتيرة توظيف العمال الأصغر سنًا قد تباطأت في المهن الأكثر تعرّضًا.

إن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي يولّد موجة من الأبحاث التي تقيس وتتنبأ بتأثيراته على أسواق العمل. لكن سجل الأساليب السابقة يمنحنا سببًا للتحلي بالتواضع.

فعلى سبيل المثال، حدّدت محاولة بارزة لقياس قابلية الوظائف للنقل إلى الخارج (offshorability) نحو ربع الوظائف في الولايات المتحدة باعتبارها معرّضة للخطر، لكن بعد عقد من الزمن، حافظت معظم تلك الوظائف على نمو صحي في مستويات التوظيف. كما أن توقعات الحكومة نفسها لنمو المهن، رغم أنها كانت صحيحة من حيث الاتجاه العام، لم تضف قيمة تنبؤية كبيرة تتجاوز مجرد الاستقراء الخطي للاتجاهات السابقة. وحتى عند النظر إلى الماضي، غالبًا ما يكون تأثير الاضطرابات الاقتصادية الكبرى على سوق العمل غير واضح. فقد توصلت الدراسات حول تأثير الروبوتات الصناعية على التوظيف إلى استنتاجات متناقضة، كما لا يزال حجم خسائر الوظائف المنسوبة إلى صدمة التجارة مع الصين محل نقاش.¹

في هذه الورقة، نقدم إطارًا جديدًا لفهم تأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، ونختبره باستخدام بيانات مبكرة، حيث نجد أدلة محدودة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد أثّر على التوظيف حتى الآن. هدفنا هو وضع منهجية لقياس كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف، والعودة إلى هذه التحليلات بشكل دوري. صحيح أن هذا النهج لن يلتقط كل القنوات التي قد يعيد من خلالها الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل، لكن من خلال وضع هذا الأساس الآن، قبل ظهور آثار ملموسة، نأمل أن تكون النتائج المستقبلية أكثر قدرة على تحديد الاضطرابات الاقتصادية بدقة مقارنة بالتحليلات التي تُجرى بعد وقوع الأحداث.

من الممكن أن تكون تأثيرات الذكاء الاصطناعي واضحة لا لبس فيها. غير أن هذا الإطار يكون أكثر فائدة عندما تكون الآثار غامضة، إذ يمكن أن يساعد في تحديد الوظائف الأكثر عرضة للخطر قبل أن يصبح الإحلال الوظيفي ظاهرًا.

السيناريوهات الافتراضية (Counterfactuals)

يصبح الاستدلال السببي أسهل عندما تكون التأثيرات كبيرة ومفاجئة. فقد تسببت جائحة كوفيد-19 والإجراءات السياسية المصاحبة لها في اضطراب اقتصادي واضح لدرجة أن العديد من الأسئلة لم تكن بحاجة إلى أساليب إحصائية متقدمة للإجابة عنها. فعلى سبيل المثال، ارتفعت معدلات البطالة بشكل حاد في الأسابيع الأولى من الجائحة، مما ترك مجالًا ضئيلًا للتفسيرات البديلة.

لكن تأثيرات الذكاء الاصطناعي قد لا تشبه جائحة كوفيد-19، بل قد تكون أقرب إلى تأثير الإنترنت أو التجارة مع الصين. فقد لا تظهر آثارها بوضوح في بيانات البطالة الإجمالية، كما أن عوامل مثل السياسات التجارية أو الدورة الاقتصادية قد تُعقّد تفسير الاتجاهات العامة.

أحد الأساليب الشائعة هو مقارنة النتائج بين العمال أو الشركات أو القطاعات الأكثر أو الأقل تعرّضًا للذكاء الاصطناعي، بهدف عزل تأثيره عن العوامل الأخرى المربكة.²

وعادة ما يتم تعريف التعرّض على مستوى المهام. فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي تصحيح الواجبات المنزلية، لكنه لا يستطيع إدارة الفصل الدراسي، لذلك يُعد المعلمون أقل تعرّضًا مقارنة بالعاملين الذين يمكن أداء وظائفهم بالكامل عن بُعد.

يعتمد عملنا على هذا النهج القائم على تحليل المهام، حيث ندمج مقاييس القدرات النظرية للذكاء الاصطناعي مع بيانات الاستخدام في العالم الحقيقي، قبل تجميع النتائج على مستوى المهن.³

قياس التعرّض

يجمع نهجنا بين بيانات من ثلاثة مصادر:

• قاعدة بيانات O*NET، التي تسرد المهام المرتبطة بحوالي 800 مهنة مختلفة في الولايات المتحدة.

• بيانات الاستخدام الخاصة بنا (كما تم قياسها في مؤشر أنثروبيك الاقتصادي – Anthropic Economic Index).

• تقديرات التعرّض على مستوى المهام من دراسة Eloundou وآخرين (2023)، والتي تقيس ما إذا كان من الممكن نظريًا لنموذج لغوي كبير (LLM) أن يجعل تنفيذ مهمة ما أسرع بمرتين على الأقل.

يقيس مقياس β في دراسة Eloundou وآخرين المهام وفق مقياس بسيط:
1 إذا كان بإمكان نموذج لغوي كبير (LLM) مضاعفة سرعة إنجاز المهمة بمفرده، و0.5 إذا كانت المهمة تتطلب أدوات إضافية أو برامج مبنية فوق النموذج اللغوي، و0 في غير ذلك.⁴

لكن لماذا قد يكون الاستخدام الفعلي أقل من القدرة النظرية؟ قد تكون بعض المهام ممكنة نظريًا، لكنها لا تظهر في الاستخدام الفعلي بسبب قيود في النماذج. وقد يتأخر انتشار مهام أخرى بسبب القيود القانونية، أو متطلبات برمجية محددة، أو الحاجة إلى مراجعة بشرية، أو غيرها من العقبات. فعلى سبيل المثال، تصنّف دراسة Eloundou وآخرين مهمة “الموافقة على إعادة صرف الأدوية وتقديم معلومات الوصفات الطبية للصيدليات” باعتبارها مكشوفة بالكامل (β=1). ومع ذلك، لم نرصد قيام Claude بتنفيذ هذه المهمة، رغم أن التقييم يبدو صحيحًا من حيث إمكانية تسريعها نظريًا باستخدام نموذج لغوي كبير.

ومع ذلك، فإن مقاييس القدرة النظرية والاستخدام الفعلي ترتبطان ارتباطًا وثيقًا. وكما يوضح الشكل 1، فإن 97% من المهام التي تمت ملاحظتها عبر التقارير الأربعة السابقة لـ المؤشر الاقتصادي تقع ضمن الفئات التي قيّمها Eloundou وآخرون بأنها ممكنة نظريًا (β=0.5 أو β=1.0).

مقياس جديد للتعرّض المهني

يهدف مقياسنا الجديد، التعرّض المُلاحظ (Observed Exposure)، إلى قياس ما يلي: من بين المهام التي يمكن لنماذج اللغة الكبيرة تسريعها نظريًا، أيّها يشهد بالفعل استخدامًا مؤتمتًا في البيئات المهنية؟ فبينما تشمل القدرة النظرية نطاقًا أوسع بكثير من المهام، فإن تتبع كيفية تضييق الفجوة بين الإمكانات النظرية والاستخدام الفعلي يمنحنا رؤى حول التغيرات الاقتصادية عند ظهورها.

يلتقط مقياسنا نوعيًا عدة جوانب من استخدام الذكاء الاصطناعي التي نعتقد أنها تنبؤية لتأثيراته على الوظائف. فكلما زادت الخصائص التالية في وظيفة ما، ارتفع مستوى تعرّضها:

• إذا كانت مهامها ممكنة نظريًا باستخدام الذكاء الاصطناعي
• إذا كانت مهامها تشهد استخدامًا ملحوظًا في **مؤشر أنثروبيك الاقتصادي (Anthropic Economic Index)**⁵
• إذا كانت المهام تُنفَّذ في سياقات مرتبطة بالعمل
• إذا كانت تحتوي على نسبة أعلى من أنماط الاستخدام المؤتمت أو من تطبيقات واجهة البرمجة (API)
• إذا كانت المهام المتأثرة بالذكاء الاصطناعي تشكّل حصة أكبر من الدور الوظيفي ككل⁶

نقدم التفاصيل الرياضية في الملحق.⁷ فنحن نعدّ المهام التي يمكن نظريًا تنفيذها باستخدام نموذج لغوي كبير على أنها مغطّاة إذا ظهرت لها استخدامات كافية مرتبطة بالعمل ضمن حركة البيانات في Claude. ثم نقوم بتعديل القياس وفقًا لطريقة تنفيذ المهمة: إذ تحصل التطبيقات المؤتمتة بالكامل على الوزن الكامل، بينما يحصل الاستخدام المعزِّز (augmentative) على نصف الوزن. وأخيرًا، يتم حساب متوسط مقاييس التغطية على مستوى المهام وتجميعها على مستوى المهنة، مع ترجيحها وفق نسبة الوقت الذي يُقضى في كل مهمة.

يوضح الشكل 2 مستوى التعرّض المُلاحظ (باللون الأحمر) مقارنةً بمقياس β من دراسة Eloundou وآخرين (باللون الأزرق)، مما يبيّن الفرق بين الاستخدام النظري والاستخدام الفعلي على منصتنا، وذلك بعد تجميع النتائج وفق الفئات المهنية الواسعة. نقوم بحساب ذلك عبر مرحلتين: أولًا نحسب المتوسط على مستوى المهنة مع الترجيح وفق مقياس نسبة الوقت الذي تقضيه المهام، ثم نحسب المتوسط على مستوى فئة المهنة مع الترجيح وفق إجمالي عدد العاملين.

فعلى سبيل المثال، يُظهر مقياس β إمكانية انتشار نماذج اللغة الكبيرة في غالبية المهام ضمن مهن الحاسوب والرياضيات (94%) ومهن المكاتب والإدارة (90%).

أما المساحة الحمراء، التي تمثل استخدام نماذج اللغة الكبيرة وفق بيانات مؤشر أنثروبيك الاقتصادي، فتعكس كيفية استخدام الناس لنموذج Claude في البيئات المهنية. وتُظهر هذه التغطية أن الذكاء الاصطناعي لا يزال بعيدًا عن بلوغ قدراته النظرية. فعلى سبيل المثال، يغطي Claude حاليًا 33% فقط من جميع المهام ضمن فئة الحاسوب والرياضيات.

ومع تقدم القدرات التقنية، وانتشار الاعتماد على هذه الأدوات، وتعميق تطبيقها في العمل، ستتوسع المساحة الحمراء تدريجيًا لتغطي المساحة الزرقاء. ومع ذلك، لا تزال هناك مساحة كبيرة غير مغطاة؛ إذ إن العديد من المهام لا تزال خارج نطاق قدرات الذكاء الاصطناعي، مثل الأعمال الزراعية البدنية كـ تقليم الأشجار وتشغيل الآلات الزراعية، أو بعض المهام القانونية مثل تمثيل العملاء في المحكمة.

ويعرض الشكل 3 أكثر عشر مهن تعرّضًا وفق هذا المقياس. وبما يتماشى مع بيانات أخرى تُظهر الاستخدام المكثف لنموذج Claude في البرمجة، فإن مهن الحاسوب

يتصدر مبرمجو الحاسوب القائمة، حيث تبلغ نسبة التغطية 75%، يليهم ممثلو خدمة العملاء، الذين نلاحظ بشكل متزايد أن مهامهم الأساسية تظهر في حركة بيانات واجهات البرمجة (API) المباشرة. أما مدخلو البيانات (Data Entry Keyers)، الذين تتمثل مهمتهم الرئيسية في قراءة الوثائق المصدرية وإدخال البيانات، فقد شهدت مهامهم قدرًا ملحوظًا من الأتمتة، حيث تبلغ نسبة التغطية لديهم 67%.

وفي الطرف الأدنى من القائمة، نجد أن 30% من العاملين لا تشملهم أي تغطية، وذلك لأن مهامهم ظهرت بشكل نادر جدًا في بياناتنا بحيث لم تستوفِ الحد الأدنى المطلوب من التكرار. وتشمل هذه المجموعة، على سبيل المثال: الطهاة، وميكانيكيي الدراجات النارية، والمنقذين في المسابح والشواطئ، والسقاة (Bartenders)، وغاسلي الصحون، ومشرفي غرف تبديل الملابس.

كيف يرتبط مستوى التعرّض بتوقعات نمو الوظائف وخصائص العاملين

ينشر مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) بانتظام توقعات التوظيف، وتشمل أحدث مجموعة من هذه التوقعات، الصادرة في عام 2025، تقديرات للتغيرات المتوقعة في التوظيف لكل مهنة خلال الفترة من 2024 إلى 2034.

وفي الشكل 4، نقارن مقياس التغطية على مستوى الوظائف الذي طورناه مع هذه التوقعات.

يشير تحليل انحدار على مستوى المهن، مع الترجيح وفق مستويات التوظيف الحالية، إلى أن توقعات النمو تكون أضعف إلى حدٍّ ما في الوظائف ذات مستويات التعرّض المُلاحظ الأعلى. فلكل زيادة قدرها 10 نقاط مئوية في مستوى التغطية، ينخفض توقع النمو الصادر عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) بمقدار 0.6 نقطة مئوية. ويمنح ذلك قدرًا من المصداقية لقياسنا، إذ يتوافق إلى حد ما مع التقديرات المستقلة التي يقدمها محللو سوق العمل، رغم أن قوة العلاقة تظل محدودة. ومن المثير للاهتمام أنه لا تظهر علاقة مماثلة عند استخدام مقياس Eloundou وآخرين وحده.

يوضح الشكل 5 خصائص العاملين في الربع الأعلى من حيث مستوى التعرّض، مقارنةً بـ 30% من العاملين الذين لا يواجهون أي مستوى من التعرّض، وذلك خلال الأشهر الثلاثة التي سبقت إطلاق ChatGPT، أي من أغسطس إلى أكتوبر 2022، بالاعتماد على بيانات المسح السكاني الحالي (Current Population Survey).

وتكشف النتائج أن المجموعتين مختلفتان بشكل كبير. فالعاملون الأكثر تعرّضًا أكثر احتمالًا لأن يكونوا نساءً بنسبة أعلى بـ 16 نقطة مئوية، وأكثر احتمالًا لأن يكونوا من البيض بنسبة أعلى بـ 11 نقطة مئوية، كما أنهم أكثر احتمالًا بحوالي الضعف لأن يكونوا من أصول آسيوية.

كما أن متوسط دخلهم أعلى بنسبة 47%، ويتمتعون بمستويات تعليمية أعلى. فعلى سبيل المثال، يشكّل الأشخاص الحاصلون على درجات دراسات عليا نسبة 4.5% فقط من مجموعة غير المتعرّضين، بينما تصل نسبتهم إلى 17.4% في المجموعة الأكثر تعرّضًا، أي ما يقارب أربعة أضعاف.

تحديد النتائج ذات الأولوية

بعد امتلاك هذه المقاييس الخاصة بالتعرّض، يصبح السؤال التالي: ما الذي ينبغي مراقبته؟
لقد اتخذ الباحثون مقاربات مختلفة. فعلى سبيل المثال، يتتبع Gimbel وآخرون (2025) التغيرات في التركيبة المهنية باستخدام بيانات المسح السكاني الحالي (Current Population Survey). وتستند حجتهم إلى أن أي إعادة هيكلة مهمة للاقتصاد نتيجة الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تظهر في شكل تغيّرات في توزيع الوظائف.¹ (وقد وجدوا أن هذه التغيرات حتى الآن غير ملحوظة بشكل كبير).

أما Brynjolfsson وآخرون (2025) فيدرسون مستويات التوظيف وفق الفئات العمرية باستخدام بيانات شركة معالجة الرواتب ADP، بينما يستخدم Acemoglu وآخرون (2022) وHampole وآخرون (2025) بيانات إعلانات الوظائف من منصتي Burning Glass (التي أصبحت الآن Lightcast) وRevelio على التوالي.

في هذا البحث، نركّز على البطالة بوصفها النتيجة الأساسية التي نهتم بقياسها، لأنها تعكس بشكل مباشر احتمال حدوث ضرر اقتصادي؛ فالعامل العاطل عن العمل هو شخص يريد وظيفة ولم يتمكن بعد من العثور عليها. وفي هذه الحالة، لا تشير إعلانات الوظائف أو مستويات التوظيف بالضرورة إلى الحاجة لاتخاذ استجابات سياسية؛ فقد يقابل انخفاض إعلانات التوظيف في وظيفة شديدة التعرّض زيادة في الفرص المتاحة في وظيفة أخرى ذات صلة.

ومن المنطقي أن تتضمن أكثر التطورات ضررًا في سوق العمل نتيجة الذكاء الاصطناعي فترة من ارتفاع البطالة، حيث يبحث العمال الذين فقدوا وظائفهم عن بدائل. ويعد المسح السكاني الحالي مناسبًا جدًا لتتبع ذلك، لأن المشاركين العاطلين عن العمل يذكرون وظيفتهم وصناعتهم السابقة.

النتائج الأولية

نقوم بعد ذلك بدراسة الاتجاهات في البطالة، من خلال مطابقة مقاييسنا الخاصة بالمهن مع المشاركين في المسح السكاني الحالي.⁸

ويتمثل أحد الأسئلة الأساسية في تفسير مقياس التغطية لدينا في تحديد من هم العمال الذين يمكن اعتبارهم متأثرين بالفعل. فهل ينبغي توقع تغيّرات في التوظيف إذا كانت نسبة تغطية المهام لا تتجاوز 10%؟ يوضح Gans وGoldfarb (2025) أنه إذا كان نموذج الحلقة O (O-ring model) يصف الوظائف بدقة، فقد لا تظهر آثار التوظيف إلا عندما تخترق تقنيات الذكاء الاصطناعي جميع المهام بدرجة ما.

ويرى Hampole وآخرون (2025) أن متوسط التعرّض قد يقلّل الطلب على العمالة، لكن تركّز التعرّض في مهام محددة فقط قد يعوّض هذا الأثر. كما يسلّط Autor وThompson (2025) الضوء على مستوى الخبرة المطلوب لتنفيذ المهام المتبقية التي لا يزال البشر يؤدونها.

ومع مراعاة البساطة، ومع إدراكنا أن اهتمامنا الأكبر ينصب على التأثيرات الكبيرة، فإننا نركّز في تحليلنا على فكرة أن التأثيرات ينبغي أن تكون محسوسة

تظهر التأثيرات في المقام الأول لدى المجموعات ذات أعلى متوسط من التعرّض. ولهذا نقارن بين العمال الذين يقعون ضمن الربع الأعلى من حيث تغطية المهام المرجّحة بالوقت وبين أولئك الموجودين في الربع الأدنى. وإذا تقدمت قدرات الذكاء الاصطناعي بسرعة، فقد تصبح تغطية المهام مرتفعة حتى لدى النسب المئوية الأدنى من التغطية، مما قد يجعل استخدام عتبة مطلقة أكثر فائدة. لكننا نفترض أن التأثيرات ينبغي أن تظهر أولًا لدى العمال الأكثر تعرّضًا، ونقدّم نتائجنا مع تغيير نقطة القطع المستخدمة لتعريف المجموعة المتأثرة.

يوضح الجزء العلوي من الشكل 6 الاتجاهات الأولية لمعدل البطالة منذ عام 2016 لدى العمال في الربع الأعلى من حيث التعرّض مقارنةً بالمجموعة غير المتعرّضة. وخلال فترة جائحة كوفيد-19، شهد العمال الأقل تعرّضًا للذكاء الاصطناعي — والذين غالبًا ما يعملون في وظائف تتطلب الحضور الشخصي — زيادة أكبر بكثير في البطالة. ومنذ ذلك الحين، بقيت الاتجاهات متشابهة إلى حد كبير بين المجموعتين.

أما الجزء السفلي من الشكل فيقيس حجم الفجوة بين العمال الأكثر والأقل تعرّضًا باستخدام إطار الاختلاف في الاختلافات (difference-in-differences)، وهو ما يعكس النتائج التي تظهر في البيانات الأولية. ويُظهر التغير المتوسط في هذه الفجوة منذ إطلاق ChatGPT أنه صغير وغير ذو دلالة إحصائية، مما يشير إلى أن معدل البطالة لدى المجموعة الأكثر تعرّضًا قد ارتفع قليلًا، لكن هذا الأثر لا يمكن تمييزه إحصائيًا عن الصفر.

ما السيناريوهات التي يمكن لهذا الإطار رصدها؟

استنادًا إلى فاصل الثقة للتقدير المجمّع، يمكن اكتشاف زيادات تفاضلية في البطالة في حدود نقطة مئوية واحدة تقريبًا (وقد يتغير هذا التقدير مع توفر بيانات جديدة، لذا فهو مجرد تقدير تقريبي).

فلو تم تسريح جميع العمال ضمن أعلى 10% من حيث مستوى التغطية، فإن ذلك سيرفع معدل البطالة داخل مجموعة الربع الأعلى من 3% إلى 43%، كما سيرفع معدل البطالة الإجمالي من 4% إلى 13%.

وقد يظهر تأثير أصغر لكنه لا يزال مثيرًا للقلق في سيناريو يشبه “ركودًا كبيرًا للوظائف المكتبية”. ففي الركود العظيم بين 2007 و2009 تضاعف معدل البطالة في الولايات المتحدة من 5% إلى 10%. ولو حدث تضاعف مماثل في مجموعة الربع الأعلى من حيث التعرّض، فإن معدل البطالة فيها سيرتفع من 3% إلى 6%، وهو تغير ينبغي أن يكون مرئيًا في تحليلنا أيضًا.

ومن المهم الإشارة إلى أن تقديرنا الأساسي يعتمد على التغيرات التفاضلية في البطالة بين المجموعة الأكثر تعرّضًا والمجموعة الأقل تعرّضًا. فإذا ارتفعت البطالة لدى جميع العمال بالوتيرة نفسها، فلن ننسب ذلك إلى تقدم الذكاء الاصطناعي، خصوصًا إذا كانت العديد من المهام لا تزال غير متأثرة به.

العمال الشباب: فئة تستحق اهتمامًا خاصًا

إحدى الفئات التي تثير قلقًا خاصًا هي العمال الشباب. فقد أفاد Brynjolfsson وآخرون بانخفاض يتراوح بين 6% و16% في التوظيف داخل المهن المعرضة للذكاء الاصطناعي بين العمال الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عامًا. ويرجعون هذا الانخفاض أساسًا إلى تباطؤ التوظيف الجديد وليس إلى زيادة في تسريح العمال.¹⁰

وفي تحليلنا، نجد أن معدل البطالة لدى العمال الشباب في المهن المعرضة للذكاء الاصطناعي ظل ثابتًا (انظر الملحق). غير أن تباطؤ التوظيف قد لا يظهر بالضرورة في شكل ارتفاع في البطالة، لأن العديد من الشباب يدخلون سوق العمل لأول مرة ولا يكون لديهم مهنة مسجلة في بيانات المسح السكاني الحالي، وقد يخرج بعضهم من قوة العمل بدلًا من أن يظهروا ضمن العاطلين.

ولمعالجة مسألة التوظيف بشكل مباشر، نستخدم البعد الطولي (panel) في بيانات المسح، ونحسب نسبة العمال الشباب (من 22 إلى 25 عامًا) الذين يبدأون وظيفة جديدة في مهنة أكثر تعرّضًا مقابل مهنة أقل تعرّضًا مع مرور الوقت.

يوضح الشكل 7 معدل بدء الوظائف شهريًا (أي عندما يذكر العامل وظيفة لم يكن يشغلها في الشهر السابق) لدى العمال الشباب، مع تقسيمهم وفق ما إذا كانوا يدخلون مهنًا عالية التعرّض أو منخفضة التعرّض للذكاء الاصطناعي.

وباستثناء بعض التقلبات الكبيرة خلال 2020–2021، تظهر هذه السلاسل تباعدًا بصريًا في عام 2024، حيث أصبح العمال الشباب أقل احتمالًا نسبيًا للحصول على وظائف في المهن الأكثر تعرّضًا. فقد ظل معدل العثور على وظيفة في المهن الأقل تعرّضًا ثابتًا عند 2% شهريًا، بينما انخفض الدخول إلى المهن الأكثر تعرّضًا بنحو

بنحو نصف نقطة مئوية. ويُظهر التقدير المتوسط في الفترة التي تلت إطلاق ChatGPT انخفاضًا بنسبة 14% في معدل العثور على وظيفة مقارنة بعام 2022 داخل المهن الأكثر تعرّضًا، رغم أن هذه النتيجة بالكاد تصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية. (ولا يظهر انخفاض مماثل لدى العمال الذين تزيد أعمارهم عن 25 عامًا).

وقد يشير ذلك إلى بعض العلامات المبكرة لتأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف، وهو ما يتوافق مع النتائج التي توصل إليها Brynjolfsson وآخرون. ومع ذلك، هناك عدة تفسيرات بديلة محتملة. فقد يكون العمال الشباب الذين لم يتم توظيفهم بقوا في وظائفهم الحالية، أو انتقلوا إلى وظائف مختلفة، أو عادوا إلى الدراسة. كما أن هناك ملاحظة تتعلق بالبيانات نفسها، إذ إن انتقالات الوظائف قد تكون أكثر عرضة للأخطاء في القياس ضمن الاستطلاعات.¹¹

المناقشة

يقدّم هذا التقرير مقياسًا جديدًا لفهم تأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، كما يدرس تأثيراته على البطالة والتوظيف. وتكون الوظائف أكثر تعرّضًا للذكاء الاصطناعي بقدر ما تكون مهامها ممكنة نظريًا باستخدام نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) وتظهر فعليًا على منصاتنا في حالات استخدام مؤتمتة ومرتبطة بالعمل.

وقد وجدنا أن مبرمجي الحاسوب، وممثلي خدمة العملاء، والمحللين الماليين من بين أكثر المهن تعرّضًا. وباستخدام بيانات المسوح في الولايات المتحدة، لم نجد أي تأثير على معدلات البطالة لدى العاملين في المهن الأكثر تعرّضًا، رغم وجود أدلة أولية تشير إلى تباطؤ طفيف في التوظيف داخل هذه المهن بين العمال الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عامًا.

ويمثل عملنا خطوة أولى نحو توثيق تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل. ونأمل أن تكون الخطوات التحليلية التي قُدمت في هذا التقرير — وخاصة ما يتعلق بمفهوم التغطية والسيناريوهات الافتراضية — سهلة التحديث مع ظهور بيانات جديدة حول التوظيف واستخدام الذكاء الاصطناعي. وقد يساعد وجود منهجية راسخة في المستقبل على تمييز الإشارات الحقيقية عن الضوضاء في البيانات.

ومع ذلك، لا تزال هناك عدة تحسينات ممكنة لهذا العمل. فمن المقرر دمج بيانات الاستخدام الخاصة بنا في التحديثات المستقبلية، مما سيساهم في تكوين صورة متطورة لتغطية المهام والوظائف في الاقتصاد. كما يمكن تحديث مقياس Eloundou وآخرين، خاصة أنه مرتبط بقدرات نماذج اللغة الكبيرة كما كانت في بداية عام 2023.

وأخيرًا، وبالنظر إلى النتائج الأولية المتعلقة بالعمال الشباب والداخلين الجدد إلى سوق العمل، فقد تكون الخطوة التالية المهمة هي دراسة كيفية تعامل الخريجين الجدد الذين يحملون مؤهلات تعليمية في مجالات شديدة التعرّض مع سوق العمل.

المصدر

مقالات ذات صلة