القائمة الرئيسية

كيف يمكن حل مشكلة «الذكاء المتذبذب» في الذكاء الاصطناعي

كيف يمكن حل مشكلة «الذكاء المتذبذب» في الذكاء الاصطناعي
ملخص المقال

يتناول المقال مشكلة ما يُعرف بـ«الذكاء المتذبذب» في روبوتات الدردشة القائمة على النماذج اللغوية الكبيرة، حيث تستطيع هذه الأنظمة إنجاز مهام معقدة ومبهرة لكنها ترتكب في الوقت نفسه أخطاء أساسية في مسائل بسيطة، ما يضعف الثقة في استخدامها في مجالات حساسة. ويرجع المقال هذه المشكلة إلى أن النماذج الحالية تعتمد أساسًا على استنتاج الأنماط من كميات ضخمة من البيانات بدل امتلاك معرفة منظمة وقواعد واضحة تفسر كيفية عمل العالم. ويقارن ذلك بطريقة تعلم البشر الذين يجمعون بين اكتشاف الأنماط واكتساب قواعد صريحة توجه سلوكهم. ويرى أن الحل لا يكمن في زيادة البيانات فقط، بل في تزويد الذكاء الاصطناعي بمعرفة منظمة تضم مفاهيم وقواعد وعلاقات دقيقة تربطه بالواقع، كما حدث عند إدخال قواعد رياضية واضحة حسّنت أداء النماذج في حل المسائل المعقدة. ويخلص المقال إلى أن بناء قواعد معرفة واسعة تعتمد على الخبرة البشرية في مجالات متعددة قد يكون خطوة أساسية لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر موثوقية وأقل عرضة للأخطاء.

ما تزال روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي ترتكب أخطاء أساسية كثيرة، رغم القدرات المدهشة التي أظهرتها في السنوات الأخيرة. ولهذا أصبح من الضروري البحث عن مصدر مختلف للمعرفة يُدرَّب عليه هذا النوع من النماذج.

تستطيع روبوتات الدردشة الحديثة أن تنجز مهام لافتة، مثل كتابة أوراق بحثية أو نظم قصائد على الطريقة الشكسبيرية عن قطتك. لكن هذه الومضات من العبقرية كثيرًا ما تتخللها لحظات من السذاجة. فالنماذج اللغوية الكبيرة التي تقف وراء أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ترتكب مرارًا أخطاء بدائية، فقد تعجز عن حل مسائل رياضيات بسيطة في مستوى المرحلة الثانوية، أو تتعثر في فهم قواعد لعبة بسيطة مثل «كونكت فور».

يطلق المتخصصون في مجال التقنية على هذا التذبذب اسم «الذكاء المتذبذب». وهو ليس مجرد سمة غريبة في سلوك الأنظمة، بل يمثل خللًا جوهريًا. ويرى كثير من الخبراء أن هذه المشكلة أحد الأسباب التي تدفع إلى الاعتقاد بأننا نعيش فقاعة في مجال الذكاء الاصطناعي. فكما لا يمكن الوثوق بطبيب أو محامٍ يقدم أحيانًا نصائح صحيحة ثم يتصرف في أحيان أخرى وكأنه لا يفهم أساسيات العالم، فإن المؤسسات بدورها تتردد في إسناد مهام حساسة مثل إدارة سلاسل الإمداد أو عمليات الموارد البشرية أو الأنشطة المالية إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تتسم بهذا التذبذب.

إذا أردنا معالجة هذه المشكلة فعلينا أن نزود نماذج الذكاء الاصطناعي بمخزون من المعرفة أكثر قوة وتنظيمًا، وأقرب في طبيعته إلى المعرفة البشرية. وخلال ثلاثين عامًا من العمل في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، اتضح أن هذا النوع من المعرفة عنصر أساسي في بناء أي نظام موثوق.

فالابتكارات التقنية التي أطلقت موجة الذكاء الاصطناعي الحالية لا تكفي وحدها لتجاوز هذا الخلل. فالنماذج المعاصرة لا تمتلك قواعد واضحة تفسر كيفية عمل العالم، بل تعتمد على استنتاج الأنماط من كميات هائلة من البيانات. وهذا يعني أنها في الحقيقة لا «تعرف» الأشياء بقدر ما تخمّنها. وعندما تخطئ في التخمين قد تكون النتائج مضحكة أحيانًا وخطيرة في أحيان أخرى.

يمكن فهم المشكلة بصورة أوضح إذا تأملنا الطريقة التي يتعلم بها البشر. يولد الأطفال في عالم يبدو لهم في البداية شديد التعقيد، ثم يبدأون تدريجيًا في اكتشاف الأنماط من حولهم. يدرك الطفل أن الوجوه ممتعة للنظر، وأن رائحة الأم مألوفة ومطمئنة، وأن القطة قد تخدش إذا شد أحد ذيلها. لكن التعلم لا يقف عند حدود ملاحظة الأنماط، بل يتطور سريعًا إلى معرفة صريحة قائمة على قواعد واضحة نتعلمها مباشرة. من الحروف الأبجدية إلى العمليات الحسابية، ومن طريقة ترتيب الصحون في غسالة الأطباق إلى قيادة السيارة، يعتمد البشر على معرفة منظمة تساعدهم على التعلم بكفاءة وتجنب الأخطاء السخيفة أو الخطرة.

أما نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية فتعتمد أساسًا على استنتاج الأنماط من البيانات، من دون امتلاك منظومة واضحة من القواعد التي تضبط فهمها للعالم.

وقد بدأت بعض مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة بالفعل في تجربة اتجاه مختلف. فالنماذج اللغوية الأولى كانت تواجه صعوبة حتى في مسائل الحساب المدرسية البسيطة، لذلك أضاف الباحثون إليها معرفة رياضية صريحة تقوم على قواعد واضحة بدلًا من الاستنتاجات الضبابية. وكانت النتيجة أن النماذج الأحدث أصبحت قادرة على حل مسائل معقدة من مستوى الأولمبياد الرياضي بدرجة عالية من الموثوقية.

ومع ذلك، فإن إضافة مزيد من البيانات وحدها، حتى لو كانت من أنواع مختلفة مثل بيانات الفيديو التي يدعو إلى استخدامها بعض رواد المجال، لن تحل المشكلة الأساسية للذكاء المتذبذب. فحتى مع تضاعف البيانات سيظل وقوع الأخطاء أمرًا حتميًا من الناحية الرياضية، لأن هذه النماذج تقوم على الاحتمالات والاستدلال من البيانات. لذلك فإن الحل الحقيقي يتمثل في تزويد النماذج بالمعرفة المنظمة، أي مفاهيم محددة بدقة، وقيود واضحة، وقواعد وعلاقات تربط بينها، بحيث يصبح سلوك النظام مرتبطًا بواقع العالم لا بمجرد الاحتمالات.

ولكي تمتلك نماذج الذكاء الاصطناعي مخزونًا من المعرفة البشرية، نحتاج إلى بناء قاعدة بيانات عامة تضم معرفة منظمة تمتد عبر مجالات متعددة. صحيح أن قواعد الرياضيات واضحة ومحددة، لكن مجالات أخرى مثل الرعاية الصحية والقانون والاقتصاد والتعليم أكثر تعقيدًا بكثير. ومع ذلك فإن التقدم التقني يجعل هذا الهدف ممكنًا اليوم. فالنمو المتسارع لشركات متخصصة في إعداد البيانات عالية الجودة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يشير إلى ظهور مهنة جديدة تقوم على تحويل الخبرة البشرية إلى معرفة قابلة للقراءة الآلية. ومن خلال هذا العمل لا يجري فقط توسيع قدرات الذكاء الاصطناعي، بل يتحدد أيضًا ما الذي سيعده هذا الذكاء صحيحًا أو حقيقيًا.

المصدر

مقالات ذات صلة