القائمة الرئيسية

هل نحن نعتمد على روبوتات الدردشة في التفكير النقدي؟

هل نحن نعتمد على روبوتات الدردشة في التفكير النقدي؟
ملخص المقال

تشير الأبحاث الحديثة، بما فيها دراسة مشتركة بين مايكروسوفت وجامعة كارنيجي ميلون، إلى أن الاعتماد على روبوتات الدردشة والذكاء الاصطناعي التوليدي قد يقلل من التفكير النقدي لدى العاملين المعرفيين، حيث يميل المستخدمون إلى الثقة المفرطة بمخرجات هذه الأدوات بدل تقييمها بأنفسهم. وتبرز هذه الدراسات، التي شملت أيضًا الطلاب، مخاطر الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي في التعلم والعمل، إذ يمكن أن يؤدي إلى تراجع مهارات التحليل وحل المشكلات، مع التركيز على الأداء السريع بدل الفهم العميق. كما توضح الأبحاث أن روبوتات الدردشة، بخلاف أدوات الحوسبة التقليدية، تبدو وكأنها شريك تفكيري، ما يخلق تحديات جديدة للقدرة على التفكير النقدي، ويشير الباحثون إلى أهمية تطوير أدوات واستراتيجيات تشجع المستخدمين على المراجعة النقدية والتفاعل العميق مع المحتوى لتجنب الاعتماد المفرط.

تشير الأبحاث، خاصة تلك الصادرة عن شركات مستثمرة بشكل كبير في الذكاء الاصطناعي، إلى أن التفاعل مع روبوتات الدردشة قد يغير طريقة تفكيرنا. في يناير، نشر باحثون من مايكروسوفت وجامعة كارنيجي ميلون دراسة تناولت تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT على التفكير النقدي. هدفوا إلى معرفة كيف يتعامل العاملون المعرفيون، أي الأشخاص الذين يعتمدون على مهاراتهم الذهنية في عملهم، مع هذه الأدوات. ووجدت الدراسة من خلال استبيانات دقيقة أن كلما زادت ثقة هؤلاء العاملين في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قل اعتمادهم على التفكير النقدي بأنفسهم. كما قال أحد المشاركين في الدراسة، ""أستخدم الذكاء الاصطناعي لتوفير الوقت ولا أملك وقتا للتفكير في النتائج"".

تعد ورقة مايكروسوفت جزءا من مجموعة أبحاث ناشئة لكنها متنامية. خلال العامين الماضيين، ومع تجربة المزيد من الناس لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل والمدرسة، حاول علماء الإدراك وعلوم الحاسوب، سواء في الشركات المنتجة لهذه الأدوات أو كأكاديميين مستقلين، فهم تأثير هذه المنتجات على طريقة تفكير البشر.

عادة ما تحتوي أبحاث الشركات التقنية على بعض الترويج للمنتج، وبعض الدراسات الجديدة ركزت على الفرص وحالات الاستخدام الجديدة لأدوات الذكاء الاصطناعي. لكنها أيضا أشارت إلى مخاطر محتملة كبيرة، منها إعاقة تطوير المهارات والاعتماد المفرط على هذه الأدوات. كما أشار الباحثون إلى أن المستخدمين يثقون بالروبوتات أكثر من اللازم، رغم أنها قد تقدم معلومات غير دقيقة. وبما أن هذه النتائج تأتي من شركات التقنية نفسها، يقول بعض الخبراء إن ذلك قد يدل على أن شركات وادي السيليكون الكبرى بدأت تفكر بجدية في الآثار السلبية لذكاءها الاصطناعي على التفكير البشري، في ظل قلة التنظيم الحكومي.

قالت بريانا فيكشيوني، باحثة في منظمة Data & Society في نيويورك، ""الدراسات تشير إلى أن العمليات العقلية تتطلب جهدا أقل"". درست فيكشيوني تفاعل الناس مع روبوتات مثل ChatGPT وClaude من شركة Anthropic، ولاحظت مخاوف تتعلق بالاعتماد المفرط والثقة الزائدة. وأضافت أن بعض الأشخاص يقبلون مخرجات الروبوتات على علاتها دون تقييم نقدي، وهو ما قد يكون خطيرا في مجالات مثل الطب أو الصحة.

كل تطور تكنولوجي يحمل فوائد ومخاطر، من برامج معالجة النصوص إلى الإنترنت إلى الصواريخ، لكن خبراء مثل فيكشيوني وفيكتور كوينيج من مايكروسوفت يرون أن ظهور النماذج اللغوية الكبيرة التي تقوم عليها أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية يمثل حالة مختلفة. بخلاف اختراعات الحوسبة الحديثة الأخرى مثل الأتمتة أو محركات البحث أو الخرائط، فإن روبوتات الذكاء الاصطناعي قد تبدو وكأنها تفكر، حتى لو لم تكن كذلك.

وبالتالي، قد تطرح هذه الأدوات تحديات جديدة وغير متوقعة. يوضح كوينيج أن روبوتات الدردشة الذكية تختلف عن غيرها لأنها تصبح شريك تفكيري إلى حد ما، ولا تقتصر مهمتها على تخزين المعلومات بل تشمل قدرات التفكير النقدي أيضا.

تمتاز النماذج اللغوية الكبيرة بالقوة بسبب الكم الهائل من البيانات التي تم تدريبها عليها. هذه النماذج قادرة على توليد محتوى جديد استجابة لتعليمات المستخدم، على عكس أدوات الذكاء الاصطناعي القديمة مثل Siri أو Alexa التي تعيد فقط ما هو منشور مسبقا. ولهذا قد يثق بعض الناس بمخرجات الروبوت أكثر، رغم أن هذا قد يكون مضللا أحيانا.

لوحظ أحيانا أن روبوتات الذكاء الاصطناعي تنتج نتائج غريبة وغير دقيقة، مثل اقتراح أكل الصخور أو وضع الصمغ على البيتزا، وهي ما يعرف بـ ""الهلوسات""، بسبب تدريب هذه النماذج على مجموعة ضخمة ومتنوعة من البيانات على الإنترنت. وتقدر الدراسات أن معدل هذه الهلوسات قد يصل إلى ثلث المخرجات في بعض النماذج.

في دراسة مايكروسوفت، استخدم الباحثون تصنيف بلوم للتفكير النقدي، الذي يميز بين مستويات مختلفة من الأنشطة العقلية من المعرفة إلى التقييم. ووجدوا أن استخدام روبوتات الدردشة يغير طريقة استثمار الأشخاص لجهدهم العقلي، حيث يتحول التركيز من جمع المعلومات إلى التحقق منها، ومن حل المشكلات إلى دمج مخرجات الذكاء الاصطناعي، ومن التفكير العميق إلى مجرد إدارة الروبوت وتوجيهه بما يتوافق مع العمل المطلوب.

شارك في الدراسة 319 عاملا معرفيا من المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا ودول أخرى في وظائف متنوعة، وتم تعريفهم بمفاهيم التفكير النقدي في سياق استخدام الذكاء الاصطناعي، ثم أجابوا عن أسئلة متعددة الاختيارات وأسئلة مفتوحة، موفرين أمثلة عملية عن استخدامهم للذكاء الاصطناعي في العمل، مثل توليد الأفكار والتحقق من المعلومات وتقييم تفكيرهم النقدي. ووجدت الدراسة أن الثقة العالية في الذكاء الاصطناعي مرتبطة بانخفاض التفكير النقدي، لكن بين من يثقون بقدراتهم الذاتية، لاحظ الباحثون زيادة في التفكير النقدي.

تقول فيكشيوني وخبراء مستقلون إن هذه الدراسات خطوة مهمة لفهم تأثير استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي. وتشير فيكشيوني إلى أن العاملين المعرفيين غالبا ما يكونون تحت ضغط إنتاجي، ما يجعلهم يتجنبون التفكير النقدي المكثف احترامًا للمواعيد النهائية.

رفضت مايكروسوفت المقابلة، لكن ليف تانكليفيتش من الباحثين المشاركين ذكر أن البحث أظهر أن الأشخاص قد لا يراجعون مخرجات الذكاء الاصطناعي نقديا عند التعامل مع مهام منخفضة المخاطر، وأن فهم تأثير الذكاء الاصطناعي على التفكير أمر ضروري لتصميم أدوات تعزز التفكير النقدي.

تشير أبحاث أخرى خارج مايكروسوفت إلى مخاوف مشابهة، مثل دراسة IBM التي أظهرت زيادة في استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل، وقلق بعض المستخدمين بشأن القدرة على الحفاظ على مهاراتهم. كما بينت تجارب أخرى أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يسرع العمل كما يعتقد الناس أحيانا، بل قد يزيد الوقت المستغرق بسبب قلة موثوقية الأنظمة وتعقيد المهام.

تركز العديد من الدراسات أيضا على الطلاب، حيث تشير بعض النتائج إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يقلل من التفكير النقدي ويؤثر على التعلم الحقيقي، إذ يصبح التركيز على الأداء بدلاً من الفهم العميق. وقد أظهرت أبحاث من MIT وAnthropic أن الطلاب الذين يعتمدون على النماذج اللغوية الكبيرة قد يفقدون بعض السيطرة على ما يكتبونه ويصبحون معتمدين على المساعدة الآلية في مهام التفكير العليا.

يشير الباحثون إلى أن الفرق بين التعلم والأداء غالبا ما يكون غامضا، وأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يشبه استخدام المنشطات، بينما التعلم الحقيقي يتطلب التفاعل العميق ومواجهة العقبات.

ورغم حدود الدراسات المتعلقة بحجم العينات القصير وتركيزها على مهام محددة، إلا أن النتائج تثير القلق لأنها تعكس ما لوحظ في الواقع. وتواصل شركات التقنية الترويج المكثف لأدواتها، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم، مع وعود بتيسير الوصول إلى هذه التكنولوجيا للطلاب والمعلمين وإنشاء منصات تعليمية جديدة مثل DukeGPT وChatGPT.

يرى بعض الخبراء أن هذا التسويق يخلق توقعات غير واقعية، بينما المستفيدون منه هم المستثمرون ومديرو الأعمال وليس المستخدمون العاديون. ومع ذلك، يرى آخرون أن الدراسات الأولية حول الذكاء الاصطناعي التوليدي والتفكير النقدي مهمة لفهم التأثيرات المحتملة وتشجيع الثقافة الرقمية العميقة لمعرفة ما يحدث داخل هذه الأنظمة.

المصدر

مقالات ذات صلة