القائمة الرئيسية

ماذا يحتوي الجينوم؟ السعي لفهم اختلاف البشر

ماذا يحتوي الجينوم؟ السعي لفهم اختلاف البشر
ملخص المقال

يتناول المقال النقاش العلمي حول العلاقة بين التنوع البيولوجي لدى البشر ومفهوم العِرق، من خلال قصة الباحثة تينا لاسيسي التي بدأت اهتمامها بدراسة اختلافات الشعر البشري أثناء دراستها في جامعة كامبريدج، ثم واصلت أبحاثها في الأنثروبولوجيا البيولوجية لفهم الجينات والعوامل التطورية التي تفسر تنوع صفات مثل شكل الشعر ولونه. ويشرح المقال أن الاختلافات البشرية نتجت عبر تاريخ طويل من الهجرات البشرية والانتقاء الطبيعي والصدفة الجينية، مع التأكيد على أن البشر يشتركون في أكثر من 99.9 في المئة من حمضهم النووي، وأن الفروق بينهم صغيرة ومتداخلة. كما يناقش الإرث العنصري الذي صاحب دراسة الاختلافات البشرية في الماضي، مقابل تأكيد كثير من العلماء اليوم أن العِرق ليس تقسيمًا بيولوجيًا واضحًا بل بناء اجتماعي، رغم وجود تنوع جيني حقيقي مرتبط بالجغرافيا والتاريخ التطوري. ويخلص المقال إلى أن بعض الباحثين يسعون إلى تطوير طرق جديدة لدراسة التنوع البشري عبر قياس القرابة الجينية مباشرة بدل تقسيم البشر إلى فئات عرقية جامدة، بما يعكس الطبيعة المعقدة والمتداخلة للتنوع الإنساني.

كانت تينا لاسيسي في التاسعة عشرة من عمرها، جالسة في قاعة محاضرات بجامعة كامبريدج، عندما صادفت السؤال العلمي الذي سيشغل أكثر من عقد من حياتها.

في ذلك اليوم عرض الأستاذ اكتشافًا كلاسيكيًا في دراسة تطور الإنسان: فالأشخاص الذين ينحدر كثير من أسلافهم من مناطق قريبة من خط الاستواء، حيث تكون الأشعة فوق البنفسجية أقوى، يميلون إلى امتلاك بشرة أغمق مقارنة بمن عاش أسلافهم قرب القطبين.

بالنسبة إلى لاسيسي، وهي ابنة لأم بلغارية وأب نيجيري، بدا هذا التفسير أشبه باكتشاف مفاجئ. فجأة لم يعد لون البشرة مرتبطًا بالعرق بقدر ما هو مرتبط بالأشعة فوق البنفسجية، وبمقدار ما تعرض له أسلافها منها خلال تحركاتهم عبر العالم. لكن سرعان ما ظهر سؤال آخر في ذهنها: ماذا عن شعري؟

هكذا وجدت لاسيسي نفسها أمام لغز، بل عدة ألغاز. فشعر الرأس عند البشر يختلف في اللون والسماكة والبنية، وعلى خلاف شعر معظم الثدييات البرية فإنه غالبًا ما يكون مجعدًا. ومع ذلك لا يزال العلماء يعرفون القليل عن كيفية ظهور هذا التنوع الكبير في الشعر.

مع مرور السنوات، وخلال دراستها للدكتوراه في الأنثروبولوجيا البيولوجية، بدأت لاسيسي تجمع عينات من الشعر البشري. واليوم تقدر أنها تمتلك أكثر من مئتي عينة، بعضها محفوظ في أنابيب صغيرة داخل ثلاجة المختبر، وبعضها مثبت داخل مواد بلاستيكية قابلة للتشكيل. كما طورت طرقًا دقيقة لقياس درجة انحناء كل شعرة وشكلها. وهي تعمل الآن باحثة ما بعد الدكتوراه في جامعة جنوب كاليفورنيا، وتدرس أيضًا الجينات المرتبطة بالشعر. ما الجينات التي تؤثر في نوع شعر الإنسان؟ ولماذا يوجد هذا التنوع أصلًا؟

لكن هذا المجال البحثي يضعها أيضًا في سياق تاريخي مقلق. فطوال قرون درس بعض العلماء الاختلافات البشرية بهدف تصنيف الناس في مجموعات وترسيخ تسلسلات عنصرية. وقد لعب الشعر دورًا في هذه الجهود. ففي أوائل القرن العشرين استخدم عالم الأنثروبولوجيا الألماني أويغن فيشر خصلات شعر صناعية لتصنيف الأشخاص ذوي الأصول المختلطة في إفريقيا الاستعمارية. وكان النظام الألماني قد قتل عشرات الآلاف من الناس فيما يُعرف اليوم بناميبيا، بينما أصبح فيشر لاحقًا أحد المرتبطين بالنظام النازي.

ردًا على هذا الإرث العنصري شدد كثير من علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الوراثة على أن التصنيفات العرقية من صنع البشر وليست حقائق طبيعية. وبالعبارة التي أصبحت شائعة، فإن العرق بناء اجتماعي وليس حقيقة بيولوجية.

لكن لاسيسي وعددًا من الباحثين الآخرين يرون أن هذه الصياغة، رغم نواياها الحسنة، لا تكفي. تقول لاسيسي إن الرغبة الصادقة في تفكيك الإرث العنصري أدت إلى فراغ معرفي. فقد تكررت عبارة إن العرق غير حقيقي وإنه ليس بيولوجيا بل بناء اجتماعي في المناهج الدراسية طوال عقود. والنتيجة أن أجيالًا كاملة من الطلاب تردد هذه العبارات دون أن تفهم معناها بدقة، كما أنها لا تساعد الناس على تفسير التنوع البيولوجي الحقيقي الموجود بين البشر.

لنأخذ الشعر مثالًا. فمن زاوية معينة يتحدى الشعر التصنيفات العرقية. فالشعر شديد التجعد قد يشير إلى أصول حديثة في إفريقيا أو في بابوا غينيا الجديدة. كما أن الشعر الأشقر قد يكون مرتبطًا بأصول في شمال أوروبا أو في جنوب المحيط الهادئ. لكن من زاوية أخرى قد يبدو الشعر دليلًا على وجود جانب بيولوجي للعرق. فإذا أخبرت شخصًا في الولايات المتحدة بالهوية العرقية أو الإثنية لشخص ما، فغالبًا ما يستطيع أن يخمّن لون شعره أو طبيعته بدرجة معقولة.

ربما يكون من الأدق القول إن العرق طريقة تقريبية ومشحونة سياسيًا لوصف التنوع البيولوجي بين البشر. تقول عالمة الأنثروبولوجيا الوراثية جادا بين توريس إن التنوع البيولوجي موجود بالفعل، لكن المعاني الثقافية التي نُسقطها عليه هي التي تنتج الفئات العرقية المختلفة. وهذه الفئات نفسها متغيرة عبر الزمن والمكان. فالشخص الذي يُعد أبيض في الولايات المتحدة اليوم ربما لم يكن سيُعد كذلك قبل قرن. والشخص الذي يُصنف أسود في الولايات المتحدة قد لا يُفهم بالطريقة نفسها في البرازيل. ومن هذه الزاوية يكون العرق بالفعل بناءً اجتماعيًا.

ومع ذلك لم يتوقف الناس عن محاولة فهم هذا التنوع. ففي العقود الأخيرة أتاحت كميات هائلة من البيانات الجينية للعلماء فحص الفروق الصغيرة بين البشر بدقة غير مسبوقة وتطوير طرق عديدة لتصنيف الناس. بعض هذه التصنيفات لا يشبه إطلاقًا الفئات العرقية المستخدمة في الولايات المتحدة، بينما تؤدي بعض طرق التحليل إلى تجمعات تشبه إلى حد ما ما يُعرف بالعرق. كما يمكن ببساطة أخذ الفئات العرقية الاجتماعية القائمة ومحاولة البحث عن اختلافات بينها.

اليوم ينظر علماء الوراثة إلى سحابة هائلة من البيانات الجينية بحثًا عن أنماط. والطريقة التي يطرحون بها الأسئلة تؤثر في النتائج التي يحصلون عليها.

يمكن للحمض النووي للشخص أن يروي قصصًا متعددة في آن واحد. فأبسط ما يخبرنا به الجينوم هو أنه مزيج من الحمض النووي لوالديك البيولوجيين، نصف من كل منهما، مع بعض الطفرات الفريدة الخاصة بك. وإذا عدنا جيلين إلى الوراء بدا الجينوم أشبه برقعة مكونة من الحمض النووي لثمانية أجداد كبار. وإذا عدنا أكثر إلى الماضي يصبح لدينا آلاف الأسلاف، ومعظمهم لم يورثك شيئًا من مادته الوراثية. عندها يمكن تصور كل جزء صغير من الجينوم كأنه خاض رحلة طويلة ومعقدة عبر الأجساد والقارات قبل أن يستقر في شيفرتك الوراثية. وعلى هذا المستوى يمكن للحمض النووي أن يقدم دلائل عن الأماكن التي عاش فيها أسلافك قبل قرون، كما يحتفظ بآثار خافتة من عالم قديم يشمل هجرات البشر عبر الكوكب، واختلاط المجتمعات وانقسامها، وأوبئة ومجاعات حدثت منذ زمن بعيد.

تاريخ البشر هو تاريخ حركة مستمرة. فقد ظهر الإنسان العاقل في إفريقيا قبل نحو ثلاثمئة ألف عام. ثم غادرت بعض المجموعات تلك القارة وانتشرت تدريجيًا في مناطق بعيدة مثل ألاسكا وتسمانيا. واستقر البشر في مرتفعات التبت ذات الهواء الرقيق، وتوغلوا في الأمريكتين، ثم أبحروا في العصور اللاحقة عبر المحيطات ليستوطنوا جزر بولينيزيا. وقبل قرون طويلة من عصر الاستعمار الأوروبي شهدت القارات موجات هجرة عديدة. بل إن بعض الجماعات التي غادرت إفريقيا قديمًا عادت إليها لاحقًا، وتشير دراسات جينية حديثة إلى وجود تدفقات هجرة من أوراسيا إلى إفريقيا ومن الأرخبيل الإندونيسي إلى جزيرة مدغشقر.

آثار هذه الهجرات محفوظة في الحمض النووي البشري، وتحديدًا في ملايين المواضع في الجينوم التي يمكن أن تختلف بين شخص وآخر. ففي موضع معين قد يحمل شخص قاعدة جينية مختلفة عن شخص آخر، مثل السيتوزين بدل الأدينين، وهو تغيير يشبه استبدال حرف واحد في كلمة. وغالبًا لا يكون لهذه الاختلافات الصغيرة أي تأثير واضح، لكن بعضها قد يساهم بدرجة بسيطة في اختلافات ملحوظة، مثل لون الشعر.

ومع مرور التاريخ البشري تغير هذا المزيج الجيني بعدة طرق. فبعض التغيرات حدثت عشوائيًا. تخيل مثلًا مجموعة من الناس يعيشون قرب سلسلة جبلية، نصفهم يحمل نسخة معينة من جين ما والنصف الآخر يحمل نسخة مختلفة. في يوم ما تقرر مجموعة صغيرة عبور الجبال إلى الجهة الأخرى، ويصادف أن أغلبهم يحمل النسخة الثانية من الجين. فينشئون مجتمعًا جديدًا هناك، وبمرور الوقت تصبح هذه النسخة أكثر شيوعًا على الجانب الآخر من الجبال ببساطة بسبب المصادفة.

كما لعب الانتقاء الطبيعي دورًا مهمًا. فبعض الأشخاص امتلكوا متغيرات جينية ساعدتهم على التكيف مع ظروف معينة، ونقلوا هذه الجينات إلى أبنائهم. فالسكان الذين عاشوا في المرتفعات العالية مثل جبال الهيمالايا أو الأنديز أو مرتفعات شرق إفريقيا اكتسبوا تغيرات تساعدهم على العيش في بيئات يقل فيها الأكسجين. أما في المناطق القريبة من القطب الشمالي فقد حدث انتقاء للبشرة الفاتحة، ربما لأنها تساعد الجسم على إنتاج فيتامين د في بيئات قليلة ضوء الشمس.

كما تركت الكوارث بصماتها على الجينوم. فقد استخرج فريق من الباحثين مؤخرًا الحمض النووي من عظام أوروبيين من العصور الوسطى ووجد أن بعض المتغيرات الجينية المرتبطة بالمناعة أصبحت أكثر شيوعًا بعد وباء الطاعون الأسود. ويبدو أن الأشخاص الذين امتلكوا هذه المتغيرات كانوا أكثر قدرة على النجاة من الوباء.

في الكائنات الحية الأخرى قد يؤدي تراكم مثل هذه التغيرات عبر الزمن الطويل إلى ظهور مجموعات مميزة أو حتى أنواع مختلفة. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين جادل بعض العلماء بأن العملية نفسها أدت إلى ظهور الأعراق البشرية، أي أن الإنسان يتكون من مجموعات معزولة منذ زمن بعيد بينها اختلافات جينية كبيرة. لكن معظم الخبراء اليوم يؤكدون أن هذا غير صحيح. فالاختلافات بين المجموعات البشرية قليلة نسبيًا، كما أنها متصلة ومتدرجة وليست منفصلة بوضوح.

ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن ظهور الإنسان الحديث حديث نسبيًا في المقاييس التطورية، فلم يتح الوقت الكافي لتطور اختلافات جينية كبيرة. كما أن البشر لم يعيشوا في مجموعات معزولة، بل ظلوا يتحركون ويتزاوجون ويتفاعلون عبر الزمن. فالتاريخ البشري سلسلة متواصلة من الانقسام ثم الاتصال مجددًا. وتشير إحدى التقديرات إلى أن كل إنسان يعيش اليوم يشترك في سلف واحد على الأقل عاش قبل نحو 3500 عام.

ومع ذلك فإن الناس لا يختارون شركاءهم عشوائيًا، بل غالبًا ما يتزوجون ممن يعيشون بالقرب منهم أو من دوائرهم الاجتماعية. لذلك توجد علاقة بين الجينات والجغرافيا. فإذا كان معظم سكان أحد جانبي الجبال يحملون نسخة جينية معينة، فمن المرجح أن يكون الشخص الذي يحملها من تلك المنطقة. وإذا كررنا هذا التحليل عبر مواقع عديدة في الجينوم يمكن تكوين تقدير تقريبي عن المكان الذي عاش فيه أسلاف الشخص في الماضي القريب.

ابتداءً من أوائل الألفية الجديدة طور الباحثون أدوات حاسوبية قوية لاكتشاف هذه الأنماط. ومن أشهرها برنامج يسمى STRUCTURE، صُمم للبحث عن تجمعات جينية، أي مجموعات من الأشخاص الذين تتشابه جيناتهم بدرجة أكبر مع بعضهم مقارنة بغيرهم.

لكن كثيرًا من الباحثين يحذرون من الخلط بين هذه التجمعات الجينية والفئات العرقية. فالنتائج التي يقدمها البرنامج تعتمد على البيانات المستخدمة وعدد المجموعات التي يطلبها الباحث من النموذج الإحصائي. وإذا تغيرت العينات أو المعايير فقد تظهر تجمعات مختلفة تمامًا.

لهذا يؤكد بعض العلماء أنه لا توجد حقيقة مطلقة عندما يتعلق الأمر بتقسيم البشر إلى مجموعات. فكل تصنيف يعتمد على البيانات المتاحة والافتراضات المنهجية المستخدمة.

وفي النهاية يشترك البشر في أكثر من 99.9 في المئة من حمضهم النووي. أما الاختلافات الباقية فهي صغيرة ومتداخلة إلى حد كبير. ولهذا يشير بعض الباحثين إلى أن شخصين عشوائيين من المجموعة نفسها قد يختلفان جينيًا تقريبًا بقدر اختلاف أي شخصين من العالم كله.

من هذا المنظور تبدو التصنيفات العرقية أشبه بخطوط مرسومة على الرمل فوق شاطئ واسع من التنوع البشري. لكنها رغم ذلك موجودة في العالم لأن البشر يصنعونها ويطبقونها اجتماعيًا. ولهذا يصبح من الممكن البحث عن اختلافات جينية بين مجموعات عرقية محددة اجتماعيًا، حتى لو كانت هذه الفئات في أصلها مصطنعة.

ويرى بعض العلماء أن دراسة هذه الاختلافات قد تكون مفيدة أحيانًا، خاصة في الطب، ما دام ذلك يتم بحذر ووعي بالتاريخ العنصري لهذا المجال. كما يشير آخرون إلى أن الجينات المرتبطة بصفات مثل لون البشرة أو المناعة أو التكيف مع الغذاء قد تختلف قليلًا بين مناطق العالم نتيجة التكيف مع البيئات المختلفة.

لكن البحث عن اختلافات جينية تتعلق بصفات معقدة مثل الذكاء أصعب بكثير، لأن هذه الصفات تتأثر بعدد كبير من الجينات إضافة إلى البيئة. ولهذا يشكك كثير من الخبراء في الفرضيات التي تحاول ربط العرق بالذكاء أو السلوك العدواني، ويرون أنها غالبًا ما تعتمد على أدلة ضعيفة أو تعيد إنتاج أفكار عنصرية قديمة.

اليوم يناقش بعض الباحثين ما إذا كان من المفيد أصلًا استخدام فئات كبيرة مثل العرق عند دراسة التنوع البشري. ويسعى البعض إلى تطوير طرق جديدة لفهم الاختلافات بين البشر دون تقسيمهم إلى مجموعات جامدة. وبدلًا من ذلك يقيس الباحثون مقدار القرابة الجينية بين الأفراد مباشرة، أي مقدار الشفرة الوراثية التي يتشاركونها.

هذه المقاربات الجديدة تسمح بدراسة التنوع البشري بوصفه شبكة معقدة من العلاقات المتداخلة بدلًا من مجموعات منفصلة. وبالنسبة إلى تينا لاسيسي فإن هذا الاتجاه يبدو واعدًا. فهي ترى أن العلماء بدأوا يطورون أدوات إحصائية وأساليب عرض بيانات تساعد على فهم القرابة الجينية بطريقة أكثر تعقيدًا وواقعية.

وتقول إن الهدف لم يعد فرض شكل بسيط على هذا التنوع، بل تقبّل تعقيده الواسع والمتعدد الأبعاد كما هو.

المصدر

مقالات ذات صلة