القائمة الرئيسية

هل الاكتئاب مُعدٍ؟ العلم لا يملك جوابًا حاسمًا بعد

هل الاكتئاب مُعدٍ؟ العلم لا يملك جوابًا حاسمًا بعد
ملخص المقال

يتناول المقال الجدل العلمي حول ما إذا كانت الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب والقلق، يمكن أن “تنتقل” اجتماعيًا بين الأفراد. فقد أشارت دراسة نُشرت في مجلة JAMA Psychiatry واعتمدت على بيانات أكثر من 700 ألف شاب في Finland إلى أن المراهقين الذين لديهم زملاء في الصف شُخِّصوا باضطرابات نفسية يكونون أكثر عرضة قليلًا للحصول على تشخيص مشابه لاحقًا، خصوصًا في اضطرابات المزاج والقلق واضطرابات الأكل. لكن باحثين آخرين شككوا في تفسير هذه النتائج بوصفها “عدوى اجتماعية”، مشيرين إلى أن عوامل مشتركة مثل البيئة الاجتماعية أو الظروف الاقتصادية قد تفسر العلاقة. ويخلص المقال إلى أن الأدلة الحالية لا تثبت أن الاضطرابات النفسية معدية بالمعنى المباشر، لكنها قد تنتشر بصورة غير مباشرة عبر ما يُعرف بالعدوى العاطفية أو عبر زيادة الوعي والتشخيص داخل الشبكات الاجتماعية، حيث قد يؤدي الاحتكاك بأشخاص يعانون هذه الاضطرابات إلى فهمها بشكل أفضل والاستعداد لطلب المساعدة والعلاج.

الطبيعة المعدية للعدوى البكتيرية أو الفيروسية مثل التهاب الحلق العقدي أو الإنفلونزا معروفة جيدًا. فعلى سبيل المثال، تزداد احتمالات إصابتك بالإنفلونزا إذا كان شخص قريب منك مصابًا بها، إذ يمكن أن ينتقل الفيروس عبر قطرات الهواء وغيرها من طرق الانتقال. لكن ماذا عن الصحة النفسية؟ هل يمكن أن يكون الاكتئاب معديًا؟

دراسة نُشرت في وقت سابق من هذا العام في مجلة JAMA Psychiatry بدت وكأنها تشير إلى ذلك. فقد وجد الباحثون ارتباطًا بين وجود أقران شُخِّصوا باضطراب نفسي خلال فترة المراهقة وبين ارتفاع احتمال حصول الشخص على تشخيص باضطراب نفسي في مرحلة لاحقة من حياته. واقترح الباحثون أن الاضطرابات النفسية بين المراهقين قد تنتقل اجتماعيًا، غير أن طبيعة الدراسة الرصدية لا تسمح بإثبات علاقة سببية مباشرة.

تبدو الفكرة منطقية إلى حد ما. فقد درس علماء النفس منذ زمن كيف يمكن للمشاعر والحالات المزاجية أن تنتقل من شخص إلى آخر. فمشاهدة شخص يضحك بصوت عالٍ قد تجعلك تضحك أيضًا، وكأن الضحك معدٍ. وبالمثل، فإن رؤية صديق يعاني ألمًا عاطفيًا قد تثير لديك مشاعر الحزن واليأس، وهي ظاهرة تُعرف باسم “العدوى العاطفية”.

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، حاول الباحثون معرفة ما إذا كانت الاضطرابات النفسية نفسها قد تتأثر بالبيئة الاجتماعية المحيطة بنا. وقد توصلت الدراسات إلى نتائج متباينة بشأن مدى تأثير الحالة النفسية للأصدقاء أو الزملاء أو أفراد الأسرة في الصحة النفسية للفرد.

الدراسة المنشورة في مجلة JAMA Psychiatry، التي أجراها باحثون من جامعة هلسنكي ومؤسسات أخرى، اعتمدت على بيانات سجلات وطنية شملت 713,809 مواطنين فنلنديين وُلدوا بين عامي 1985 و1997. وحدد فريق البحث طلابًا في مدارس مختلفة في أنحاء فنلندا كانوا قد شُخِّصوا باضطراب نفسي بحلول الصف التاسع. ثم تابع الباحثون بقية أفراد العينة لرصد أي تشخيصات لاحقة حتى نهاية عام 2019.

وأظهرت النتائج أن طلاب الصف التاسع الذين كان لديهم أكثر من زميل واحد في الصف شُخِّص باضطراب نفسي كانوا أكثر عرضة بنسبة 5 في المئة للإصابة بمرض نفسي في السنوات اللاحقة مقارنة بالطلاب الذين لم يكن في صفوفهم أي زميل مصاب. وكان الخطر أعلى خلال السنة الأولى بعد هذا “التعرّض”. فالطلاب الذين كان لديهم زميل واحد مصاب كانوا أكثر احتمالًا بنسبة 9 في المئة لتلقي تشخيص نفسي، بينما ارتفعت النسبة إلى 18 في المئة لدى من كان لديهم أكثر من زميل مصاب. وتركزت هذه الزيادة خصوصًا في اضطرابات المزاج والقلق واضطرابات الأكل. وقد ظهرت هذه النتائج حتى بعد ضبط عدد من العوامل المحتملة المرتبطة بالأسرة أو المدرسة أو المنطقة، مثل الصحة النفسية للوالدين وحجم الصف ومعدلات البطالة في المنطقة.

قد تبدو هذه النتائج دليلًا قويًا على انتقال الاضطرابات النفسية اجتماعيًا، لكن باحثين آخرين أبدوا تحفظات. من بينهم إيكو فريد، أستاذ علم النفس السريري المشارك في جامعة لايدن، الذي أشار إلى أن الفريق الفنلندي ربما لم يأخذ جميع العوامل المؤثرة في الحسبان. فريد ضرب مثالًا بالسكن في حي فقير، إذ إن ذلك يزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب. وقد يؤدي تجمع الأطفال الذين يعيشون في مثل هذه الظروف في المدارس نفسها إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب بينهم، ما قد يبدو وكأنه انتقال اجتماعي للمرض، بينما يكون العامل الحقيقي هو البيئة الاجتماعية المشتركة.

صحيح أن الباحثين أخذوا في الاعتبار بعض العوامل المرتبطة بالأحياء مثل معدلات التوظيف ومستويات التعليم، لكن من المحتمل أن تكون هناك عوامل سياقية أخرى لم تُقاس بدقة. وعندما لا تُقاس هذه العوامل المشتركة بشكل كافٍ، قد تُنسب العلاقة السببية إلى متغير غير صحيح. وقد كتب فريد في منشور على منصة إكس أنه من المرجح أن تكون هناك عوامل خفية تفسر النتائج بدلًا من فرضية العدوى الاجتماعية.

وردًا على هذه الانتقادات، أوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، يوسي ألهو، أن استخدام الصفوف الدراسية كنقطة مرجعية له مزايا منهجية مهمة. فالأشخاص يميلون عادة إلى تكوين علاقات مع من يشبهونهم، وهو ما قد يخلق تحيزًا في الدراسات الاجتماعية. أما الصفوف الدراسية فهي شبكات اجتماعية مفروضة مؤسسيًا وليست ناتجة عن اختيار الأفراد لأصدقاء يشبهونهم. ولهذا يرى الباحثون أنها تمثل بيئة مناسبة لدراسة التأثيرات الاجتماعية، خصوصًا أن الطلاب يقضون وقتًا طويلًا مع زملائهم خلال الطفولة والمراهقة.

ويشير ألهو وزملاؤه إلى أن إحدى نقاط قوة الدراسة الفنلندية تكمن في أن الشبكات الاجتماعية التي جرى تحليلها لم يختَرها المشاركون بأنفسهم. ومع ذلك يعترف الباحث بأن الانتقادات ليست بلا أساس، إذ لا يمكن استبعاد وجود عوامل مؤثرة لم تُقاس أو لم تُقاس بدقة في الدراسة.

هذه المشكلة المنهجية تلاحق هذا النوع من الأبحاث منذ فترة طويلة. ففي دراسة نُشرت عام 2013 في مجلة Health Economics، فحص الباحثون الحالة النفسية لطلاب جامعيين يشاركون غرف السكن خلال سنتهم الدراسية الأولى، وذلك لاختبار احتمال انتقال الاضطرابات النفسية بين أشخاص جرى جمعهم معًا إلى حد كبير بالصدفة. ووصف الباحثون دراستهم بأنها تجربة طبيعية يمكن أن تقدّم تقديرات غير متحيزة للتأثير السببي.

لكن النتائج لم تُظهر أي دليل واضح على انتقال عام للاضطرابات النفسية، ولم تتجاوز التأثيرات المحتملة حدودًا طفيفة في بعض المؤشرات مثل الضيق النفسي العام أو الاكتئاب أو القلق. وحتى هذه التأثيرات المحدودة قد تكون ناجمة عن عوامل غير مقاسة، مثل تشابه البيئات الاجتماعية أو الخلفيات التربوية للطلاب. ففي النهاية، هؤلاء الطلاب التحقوا بالجامعة نفسها وربما اختاروها بسبب اهتمامات أكاديمية أو أنشطة متقاربة.

كل هذه العوامل تجعل من الصعب تحديد ما الذي يؤثر في ماذا. هل تنتقل مشكلات الصحة النفسية فعلًا عبر الشبكات الاجتماعية؟ أم أن عوامل أخرى غير مرئية هي التي تخلق هذا الانطباع؟

مهما كان الجواب، فإن الاحتكاك المباشر بأشخاص يعانون اضطرابات نفسية قد يقود إلى نوع آخر من “العدوى”، وهو انتشار الوعي. فاضطراب القلق العام، على سبيل المثال، لم يظهر كتَشخيص مستقل إلا في الطبعة الثالثة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية عام 1980. ويتميز هذا الاضطراب بالقلق المفرط والمتكرر وغير الواقعي بشأن أمور الحياة اليومية. وبحلول صدور الطبعة الرابعة من الدليل عام 1994، تحول هذا الاضطراب من حالة نادرة التشخيص إلى اضطراب تصل نسبة انتشاره خلال الحياة إلى نحو 5 في المئة في بعض الدراسات المجتمعية.

كما تشير بيانات تقرير صدر عام 2016 عن وكالة أبحاث وجودة الرعاية الصحية في الولايات المتحدة إلى أن القلق لدى الأطفال يصيب نحو طفل واحد من كل أربعة بين سن 13 و18 عامًا، في حين تبلغ نسبة انتشار اضطرابات القلق الشديدة خلال الحياة لدى هذه الفئة العمرية نحو 5.9 في المئة.

قد يكون السبب في هذه الأرقام ارتفاع مستوى الوعي لدى المرضى والأطباء على حد سواء. وربما تعكس أيضًا تغير المعايير التشخيصية وتحسن الوصول إلى العلاج. لكن من المحتمل كذلك أن يكون انتشار المعرفة وقبول الحديث عن الاضطرابات النفسية داخل الشبكات الاجتماعية عاملًا إضافيًا. فالتعرض لزميل يعاني اضطرابًا نفسيًا قد يسهم في جعل هذه الاضطرابات أكثر قابلية للفهم والقبول، ويزيد الاستعداد لطلب التشخيص والعلاج.

المصدر

مقالات ذات صلة