في وقت سابق من عام 2024، وجّه تقرير بريطاني انتقادًا لشركة الأدوية العملاقة فايزر بسبب ترويجها للقاح كوفيد-19 قبل حصوله على الترخيص، وهو ما اعتُبر تصرفًا يسيء إلى سمعة صناعة الدواء. والمفارقة أن هذا التوبيخ لم يصدر عن منتقدي الشركات الدوائية أو عن جهة حكومية، بل عن لجنة مستقلة للتنظيم الذاتي تابعة لاتحاد مهني في القطاع. هذه اللجنة، المعروفة باسم هيئة مدونة ممارسات الأدوية الموصوفة، تقوم بدور هيئة رقابية داخل الصناعة، وتفصل في الشكاوى المتعلقة بسلوك شركات الأدوية وما إذا كان يتعارض مع المعايير المهنية.
تعود القضية إلى منشور نشره أحد موظفي فايزر في الولايات المتحدة على منصة تويتر، المعروفة اليوم باسم إكس، في نوفمبر 2020. كتب الموظف حينها رسالة تبدو عادية، قال فيها إن مرشح اللقاح الذي تطوره الشركة أظهر فعالية تبلغ 95 في المئة في الوقاية من كوفيد-19، و94 في المئة لدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا، مضيفًا أن الشركة ستقدم جميع بياناتها إلى السلطات الصحية خلال أيام، وموجهًا الشكر إلى المتطوعين في التجارب وإلى كل من يعمل لمكافحة الجائحة.
غير أن موظفين تابعين للشركة في المملكة المتحدة قاموا بالإعجاب بالمنشور وإعادة نشره، ما جعل محتواه يقع ضمن نطاق اختصاص الهيئة الرقابية البريطانية. وبعد مراجعة القضية، رأت الهيئة أن موظفي فايزر في بريطانيا تواصلوا مع الجمهور بشأن لقاح لم يكن قد حصل بعد على الترخيص بطريقة لا تتفق مع المعايير الأخلاقية. وأكدت في قرارها أن على الشركات أن تراعي بعناية اللغة المستخدمة والسياق والمكان والجمهور المستهدف والانطباع العام الذي قد يتركه أي محتوى، كما تساءلت عما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي أصلًا المنصة المناسبة لمشاركة مثل هذه المعلومات.
وذكرت صحيفة التلغراف أن متحدثًا باسم فايزر في المملكة المتحدة أكد أن الشركة تدرك تمامًا الملاحظات الواردة في التقرير وتقر بها، معربًا عن أسفها لما حدث.
قد يبدو هذا النوع من القضايا غير مألوف لمن يعيشون في الولايات المتحدة، حيث تتولى إدارة الغذاء والدواء المسؤولية الأساسية عن تنظيم الترويج للأدوية. وفي بعض الحالات قد تتدخل المحاكم المدنية أو الجنائية عندما تصل النزاعات إلى القضاء. ورغم أن الشركات الأمريكية لا يُسمح لها بالترويج لاستخدامات غير معتمدة للأدوية، فإنها تملك قدرًا من المرونة في التواصل بشأن هذه الاستخدامات، وهو تمييز قد يجد حتى المنظمون صعوبة في تحديد حدوده بدقة.
أما في معظم الدول الأوروبية فيعتمد تنظيم تسويق الأدوية الموصوفة بدرجة كبيرة على التنظيم الذاتي داخل الصناعة. فالاتحادات المهنية في هذا القطاع تضع القواعد وتتابع الالتزام بها، وتحدد ما تعتبره سلوكًا مقبولًا أو غير مقبول. وتعد مدونة الممارسات المعتمدة في المملكة المتحدة من أشهر الأطر التنظيمية في هذا المجال. وغالبًا ما يُستند إلى أحد بنودها الذي يحظر أي نشاط يسيء إلى سمعة صناعة الأدوية أو يقلل الثقة بها عندما ترى اللجنة أن هناك مخالفة تستدعي المساءلة. وفي كثير من الأحيان تأتي الشكاوى من أطراف خارج الشركات نفسها.
ورغم أن الغرامات المترتبة على مخالفة المدونة ليست مرتفعة عادة، فإن الهدف المعلن للتنظيم الذاتي هو تعزيز ثقة الجمهور في هذا القطاع ومواجهة التصورات السلبية عنه. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 53 في المئة من البريطانيين يرون أن شركات الأدوية جديرة بالثقة إلى حد ما على الأقل. وضمن اثني عشر قطاعًا اقتصاديًا شملها أحد الاستطلاعات جاءت صناعة الأدوية في المرتبة الثالثة من حيث مستوى الثقة. قد لا يعد ذلك تأييدًا قويًا، لكنه يظل أفضل بكثير من الوضع في الولايات المتحدة، حيث أظهرت استطلاعات أن نسبة الأمريكيين الذين يحملون نظرة إيجابية تجاه صناعة الأدوية لا تتجاوز 18 في المئة. بل إن استطلاعًا آخر قبل بضع سنوات وضع هذا القطاع في المرتبة الأخيرة من حيث السمعة بين خمس وعشرين صناعة مختلفة.
لا شك أن هذا التفاوت يعود إلى عدة عوامل. فأسعار الأدوية الموصوفة في الولايات المتحدة أعلى بكثير، كما أن الإعلان المباشر للمستهلكين عن هذه الأدوية مسموح به هناك، بخلاف المملكة المتحدة، رغم أن كثيرًا من الأمريكيين يعترضون عليه. ومع ذلك، قد يكون للتنظيم الذاتي لممارسات التسويق دور في تفسير هذا الفارق في مستوى الثقة.
ولم تكن فايزر الشركة الوحيدة التي تعرضت للانتقاد في بريطانيا بسبب الترويج للقاحات كوفيد-19 قبل الترخيص، إذ وُجهت ملاحظات مشابهة إلى شركة أسترازينيكا بسبب سلوكيات خلال فترة الجائحة.
وفي قضايا أخرى بعيدة عن وسائل التواصل الاجتماعي، انتقدت الهيئة الرقابية مؤخرًا شركة نوفارتس السويسرية بسبب جهود ترويجية اعتُبرت مضللة تتعلق بدواء لعلاج فشل القلب. فقد نظمت الشركة عام 2020 اجتماعًا عبر الإنترنت لمناقشة هذا المرض، وخلال اللقاء جرى الحديث عن دوائها إنتريستو. غير أن الشركة صنفت الاجتماع على أنه غير ترويجي، رغم أن طريقة عرض الدواء بدت ذات طابع ترويجي واضح.
وفي قضية منفصلة أثارت اللجنة أيضًا ملاحظات بشأن موقع إلكتروني تابع لنوفارتس يروج لدواء يستخدم في علاج التصلب المتعدد. فقد ذكر الموقع أن الدواء يمكن إعطاؤه لمرضى لديهم تاريخ من احتشاء عضلة القلب أو فشل القلب، لكنه لم يوضح أن الدواء لا ينبغي استخدامه إذا كانت تلك الأحداث القلبية قد وقعت خلال الأشهر الستة السابقة. صحيح أن الشركة أدرجت هذه المعلومة في صفحة أخرى منفصلة، إلا أن اللجنة رأت أن ذلك غير كافٍ لتجنب الانطباع المضلل الذي قد يتكون لدى القارئ.
وفي مارس 2023 أصدرت الهيئة قرارًا أكثر صرامة بشأن الشركة الدنماركية نوفو نورديسك، إذ خلصت إلى أن الشركة ارتكبت انتهاكات جسيمة لمدونة الممارسات تتعلق بتسويق غير أخلاقي لدوائها المخصص لإنقاص الوزن ساكسيندا. فقد تبين أن الشركة موّلت دورات تدريبية للمهنيين الصحيين حول هذا الدواء دون أن تكشف بشكل كامل عن مدى مشاركتها في تنظيم تلك الدورات. ونتيجة لذلك جرى تعليق عضوية الشركة في رابطة صناعة الأدوية البريطانية. كما أشارت مراجعة علمية نُشرت في المجلة الطبية البريطانية إلى أن الشركة نفذت حملة ترويجية واسعة قللت فيها من شأن الآثار الجانبية للدواء.
وفي مقابلة صحفية لاحقة اعتذر الرئيس التنفيذي لنوفو نورديسك عن عدم الإفصاح عن رعاية برامج التدريب المتعلقة بإدارة الوزن. وأكدت الشركة في بيان آخر أنها رغم خيبة أملها من القرار فإنها تقبله، مشددة على التزامها بمدونة الممارسات والمعايير الأخلاقية. ومع ذلك تعرضت الشركة لاحقًا لانتقاد جديد بسبب ملايين الدولارات التي دُفعت إلى مجموعات في قطاع الرعاية الصحية دون الإفصاح عنها، وهو ما قالت الشركة إنه نتج عن خطأ في التصنيف المحاسبي وليس عن نية للإخفاء.
وتلزم مدونة الممارسات الشركات التي يثبت انتهاكها للقواعد بالمساهمة في تكاليف التحقيق في القضايا المرفوعة ضدها، وهي رسوم تتراوح عادة بين عدة آلاف وعشرات الآلاف من الدولارات. وفي الحالات الأكثر خطورة قد تتعرض الشركة لتوبيخ علني أو يُطلب منها إصدار بيان تصحيحي. أما العقوبة الأشد فتتمثل في تعليق العضوية مؤقتًا أو الطرد نهائيًا من الاتحاد المهني للصناعة.
وفي الولايات المتحدة تمتلك منظمة أبحاث وصنّاع الأدوية في أمريكا مدونات سلوك تغطي قضايا متعددة، مثل ضرورة مشاركة معلومات صادقة وغير مضللة مع الجهات المعنية، وتنظيم العلاقة مع المهنيين الصحيين. غير أن هذه المنظمة لا تمتلك هيئة تنظيم ذاتي مستقلة على غرار اللجنة البريطانية.
ومع ذلك فإن الاعتماد على التنظيم الذاتي وحده لا يخلو من حدود. فبعض الخبراء يرون أن هذا النظام في المملكة المتحدة لا يكفي بمفرده لضمان الالتزام بالقانون، ويعتقدون أن التدخل الحكومي يظل ضروريًا في بعض الحالات. لكن التنظيم الذاتي يوفر في الوقت نفسه أداة إضافية لمساءلة الشركات عن الممارسات غير الأخلاقية، وقد يسهم في إظهار التزام الصناعة بوضع المعايير المهنية والالتزام بها، وهو ما قد يساعد في النهاية على كسب ثقة الجمهور.
