الفصل الثامن: استشراف المستقبل (Looking Forward)
يمثل هذا الفصل انتقالًا من العرض الوصفي للمبادرات والسياسات إلى قراءة استشرافية ترصد اتجاهات المرحلة المقبلة. فبعد استعراض الوضع الراهن وتطوراته على مستوى السياسات والمشاريع والتجارب التطبيقية، يصبح من الضروري تحديد الأولويات قصيرة ومتوسطة المدى، إضافة إلى مجالات الدعم والتعاون التي تحتاجها الأنظمة التعليمية لضمان إدماج مسؤول ومستدام للذكاء الاصطناعي في التعليم المدرسي.
8.1 الأولويات قصيرة ومتوسطة المدى
أظهرت نتائج الاستبيان الموجه إلى 23 سلطة تعليمية أوروبية أن هناك توافقًا واسعًا حول عدد من الأولويات المرحلية المرتبطة بدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم.
- بناء قدرات المعلمين
تصدرت هذه الأولوية القائمة، حيث أشار 22 من أصل 23 نظامًا تعليميًا إلى أهمية دعم المعلمين مهنيًا لتمكينهم من الاستخدام الفعّال والأخلاقي للذكاء الاصطناعي. ويعكس ذلك إدراكًا واضحًا بأن نجاح أي تحول تقني يعتمد في المقام الأول على الجاهزية البشرية وليس فقط على توفر الأدوات.
- تطوير إرشادات أخلاقية وعملية
أشار 21 نظامًا إلى ضرورة تطوير أدلة وإرشادات عملية لدعم المدارس والمعلمين. ويتعلق ذلك بوضع أطر واضحة تنظم الاستخدام، وتحد من المخاطر المرتبطة بالخصوصية، والتحيز الخوارزمي، وسوء الاستخدام الأكاديمي.
- توليد وتحليل الأدلة البحثية
أكد 14 نظامًا تعليميًا أهمية إنتاج أدلة علمية قائمة على البحث حول أثر الذكاء الاصطناعي في التعليم، بما يدعم اتخاذ القرار القائم على البيانات بدلًا من الانطباعات أو الضغوط التقنية.
- تطوير الاستراتيجيات والسياسات
أشار 16 نظامًا إلى أولوية تطوير أو تحديث سياسات وطنية أو مؤسسية واضحة بشأن الذكاء الاصطناعي في التعليم، بما يضمن الاتساق والتوجيه المنهجي.
- تحسين البنية التحتية
رغم أهمية البنية الرقمية، فإن 7 دول فقط اعتبرت تحسين البنية التحتية أولوية عاجلة، وهو ما يعكس أن العديد من الأنظمة قطعت شوطًا في هذا المجال خلال مرحلة التحول الرقمي السابقة (خصوصًا بعد جائحة كوفيد-19).
8.2 احتياجات الدعم والتعاون (استكمال)
أظهرت نتائج الاستبيان أن تبادل التعلم والخبرات بين الدول يُعد من أكثر أشكال الدعم أهمية لتعزيز الجهود الوطنية في مجال إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم. فقد أشارت 15 دولة إلى أن التعلم المتبادل وتبادل الخبرات يمثلان أولوية رئيسة، بما يعكس الحاجة إلى مجتمعات ممارسة عابرة للحدود تساعد على تقليل فجوة المعرفة وتسريع وتيرة التعلم المؤسسي.
كما أكدت 15 دولة كذلك الحاجة إلى برامج بناء القدرات والتدريب للمعلمين، الأمر الذي يتسق مع ما ورد في القسم السابق حول أولوية التمكين المهني قصير ومتوسط المدى. ويشير ذلك إلى أن الطلب على التدريب لا يزال يتجاوز ما هو متاح حاليًا، وأن الأنظمة التعليمية ترى في التعاون الأوروبي وسيلة لتوسيع نطاق هذه الفرص وتحسين جودتها.
وفي المقابل، أشار 12 بلدًا إلى أهمية:
- تطوير إرشادات وتوصيات مشتركة لدعم الاستخدام الآمن والفعال للذكاء الاصطناعي في المدارس.
- الوساطة المعرفية وتبادل الأدلة (Knowledge brokering and evidence sharing)، بما يسهم في نقل نتائج البحوث إلى صانعي السياسات والممارسين بصورة منهجية.
- التمويل الأوروبي للمشاريع البحثية أو التجريبية، لدعم الابتكار القائم على الأدلة وتعزيز التكامل بين البحث والتطبيق.
كما برزت لدى بعض الدول، مثل أيرلندا وهولندا، الحاجة إلى دعم متخصص في تفسير وتطبيق قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) داخل السياقات التعليمية، ما يشير إلى أن التحدي المقبل لن يكون تقنيًا فحسب، بل تنظيميًا وقانونيًا أيضًا.
