ملخص: يستعرض المقال تأثير دانينغ-كروجر، وهو تحيز معرفي اكتشفه ديفيد دانينغ وجوستين كروجر، يوضح كيف أن ضعف معرفتنا في مجال معين يجعلنا نبالغ في تقدير قدراتنا، دون أن ندرك حدود معرفتنا، وهو ما يُسمى "التعدي المعرفي". يظهر التأثير في الحياة اليومية، من تشخيص صحي خاطئ على الإنترنت إلى الثقة المبالغ فيها في مهارات متنوعة، وقد برز كمصطلح شائع في الثقافة الشعبية، رغم أن جوهره هو التأمل بالنفس لا الحكم على الآخرين. ويشير دانينغ إلى أن جميع البشر يمتلكون نقاط ضعف معرفية غير مدركة، وأن المعرفة بالتأثير تساعد على زيادة الوعي بالجهل وتحفيز التعلم المستمر، معتمدين على مؤسسات اجتماعية ومهنية لتعزيز التفكير النقدي والتقليل من الثقة المفرطة، مع التأكيد على أن إدراك جهلنا يمثل فرصة للنمو والتطور الشخصي.
ديفيد دانينغ، عالم النفس الاجتماعي بجامعة ميشيغان، هو أحد مكتشفي ما يعرف بتأثير دانينغ-كروجر، وهو تحيز معرفي يظهر في كيفية تقييمنا لمعرفتنا الذاتية. يشير هذا التأثير إلى حقيقة مزعجة: أننا لا نعرف ما لا نعرفه، وأن ثغرات معرفتنا غالبًا ما تجعلنا نبالغ في تقدير قدراتنا، حتى في المجالات التي نفتقر فيها للخبرة.
يظهر هذا التأثير بوضوح في الحياة اليومية. فالمرضى الذين يفتقرون للمعرفة الطبية يلجأون أحيانًا إلى الإنترنت لتشخيص مشكلات صحية معقدة بأنفسهم، وقد نجد أنفسنا أحيانًا نرتكب أخطاء في مجالات تبدو بسيطة مثل إصلاح السباكة أو الترافع أمام القضاء، بسبب تقدير خاطئ لقدراتنا. ومع مرور الوقت، أصبح تأثير دانينغ-كروجر موضوعًا شائعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وغدا مصطلحًا يستخدم في الجدل والنقاشات الساخنة أحيانًا كإهانة للخصم، باعتباره شخصًا لا يدرك جهله.
في عام 1999، قدّم دانينغ وزميله جوستين كروجر من جامعة نيويورك هذا التأثير في ورقة علمية شهيرة. وأظهرت دراساتهم أن الطلاب الأقل أداءً في جامعة كورنيل كانوا يبالغون في تقدير درجاتهم، معتقدين أنهم أكثر كفاءة مما هم عليه بالفعل، وهو ما كشف عن أشكال مختلفة من الثقة غير المستحقة. ومنذ ذلك الحين، وسّع دانينغ أبحاثه لتشمل دراسة آليات الثقة والاعتقاد والتقييم الذاتي.
وعند سؤاله عن شعوره بتحول تأثيره العلمي إلى ظاهرة شائعة في الثقافة الشعبية، أوضح دانينغ أنه يشعر بالدهشة لأن الشهرة العامة لا علاقة لها بالشهرة العلمية. وأضاف أنه سعيد بأن الفكرة انتشرت، لكنه يتمنى أن لا تُستخدم كإهانة، لأن جوهر التأثير هو التأمل بالنفس ومعرفة أن هناك أشياء لا نعرفها، وليس الحكم على الآخرين.
الخطأ الشائع في فهم تأثير دانينغ-كروجر هو الاعتقاد بأنه يعني أن "الأشخاص الأغبياء لا يعرفون أنهم أغبياء". في الواقع، التأثير أعمق من ذلك. كل شخص لديه مناطق ضعف معرفية لا يراها، وليس بالضرورة أن تكون مرتبطة بالغباوة العامة. يمكنك أن تكون ذكيًا جدًا في مجال ما وغير ملم بالمجال الآخر. نحن جميعًا نعرف أشخاصًا أذكياء لا يدركون ضعفهم في مهارات اجتماعية أو حس الفكاهة، أو لديهم معرفة عميقة بالفن لكنهم يفتقرون للفهم الطبي. هذا ما يسميه دانينغ وزميله "التعدي المعرفي"، أي دخول مجال خبرة الآخرين دون وعي، وهو ما ظهر بوضوح خلال جائحة كورونا، عندما حاول بعض الأشخاص تقدير انتشار الفيروس استنادًا إلى معرفة سطحية بمجالات لم يكونوا خبراء فيها.
وعند الحديث عن كيفية التعامل مع تأثير دانينغ-كروجر، يشير دانينغ إلى أن معرفة التأثير لا تجعل الشخص محصنًا بالضرورة، بل أحيانًا يزيد من وعيه بنقاط ضعفه، لكنه يعترف بأننا غالبًا لا نكون مدركين لمناطق ضعفنا إلا بعد أن تكشفها الحياة. ويضيف: الحياة معلم قاسٍ يعطي الاختبار قبل الدرس، وعليه فإن التعلم المستمر ومراجعة أخطائنا جزء لا يتجزأ من النضج الفكري.
ويؤكد دانينغ أن البشر مهيئون بطبيعتهم للثقة والاعتماد على الآخرين، وهو أمر ضروري لبقاء الحضارة. فعلى الرغم من أن المنطق البحت يقول إننا لا يجب أن نثق بالآخرين، فإننا نفعل ذلك لأن الثقة تُمكّننا من التفاعل الاجتماعي، وتسهيل التعاون، وتحقيق مصالح جماعية، وهي جزء من القواعد الاجتماعية التي تُحافظ على المجتمع.
ويشير إلى أن البشر يتأثرون بما يسمونه "الاستدلال الدافعي" أو الخداع الذاتي، حيث يفضل العقل رؤية ما يتوافق مع رغباته ومعتقداته مسبقًا، وقد يصل الأمر إلى التأثير على الإدراك البصري نفسه. فشيء يبدو مرغوبًا يظهر أقرب للعين من شيء آخر أقل جاذبية، وكأن الدماغ يفسر كل ما يحدث بشكل متحيز لرغباتنا.
وعن كيفية التغلب على هذا التحيز، يرى دانينغ أن المؤسسات الاجتماعية والمهنية تلعب دورًا كبيرًا. في القانون، وجود محامي الخصم يوجه الشخص نحو أخطائه، وفي الطب يتم تدريب الأطباء على التفكير في تشخيصات بديلة، والمنهج العلمي مصمم لتفنيد الفرضيات بدل إثباتها. المؤسسات التي تشجع على التفكير الواعي قبل اتخاذ القرار تساعد على مواجهة الثقة المفرطة.
ويختتم دانينغ بالقول إن تأثير دانينغ-كروجر ليس عن الغباء، بل عن جهلنا اليومي الذي يرافقنا طوال حياتنا. لكنه يشدد على التفاؤل: إدراكنا لجهلنا يمنحنا فرصة للتعلم والتحسين، ويدعونا إلى التفكير بالنفس، وعدم الانغماس في الإحباط، بل النظر إلى المعرفة الجديدة كفرصة للنمو والتطور.
