القائمة الرئيسية

معركة الأطعمة المصنعة

معركة الأطعمة المصنعة
ملخص المقال

يتناول المقال قضية الأطعمة فائقة المعالجة باعتبارها أحد أبرز التحديات الصحية الحديثة، حيث يشير الباحثون إلى أن هذه الأطعمة، التي تشمل الوجبات السريعة والحلويات والمشروبات الغازية والمنتجات المصنعة لتكون أطول عمرًا وأسهل تخزينًا، قد تسهم في زيادة معدلات السمنة وأمراض القلب والسكري وبعض الأمراض العصبية، بسبب كثافة المعالجة والمواد الصناعية المضافة، وليس بسبب مكون غذائي محدد. ومع تزايد الأدلة من دراسات رصدية وتجارب عملية، مثل زيادة الوزن بعد أسبوعين من تناول الأطعمة فائقة المعالجة، يظل الرابط بين هذه الأطعمة والمشكلات الصحية غير حاسم بسبب قيود الدراسات والتباين بين أنواع الأطعمة، ما يفرض التعامل بحذر مع النتائج، والتركيز على تمكين الناس من اختيار خيارات غذائية صحية، مع استغلال بعض الأطعمة فائقة المعالجة المفيدة جزئيًا في النظام الغذائي.

يتجه بعض الباحثين اليوم إلى اعتبار الأطعمة الصناعية أو فائقة المعالجة واحدة من أبرز التحديات الصحية التي تواجه البشرية. ومع ذلك، كما هو الحال في كثير من القضايا الغذائية، فإن الواقع أكثر تعقيدًا مما تظهره العناوين الإعلامية أو النقاشات السطحية.

بعد عقود من البحث والدراسة، يعتقد الكثير من العلماء أنهم اكتشفوا العامل الأساسي وراء الارتفاع المستمر في معدلات السمنة، والسكري، وأمراض القلب، والعديد من الأمراض المزمنة الأخرى. ومن المثير للدهشة أن السبب ليس مرتبطًا بالدهون المشبعة أو المتحولة، ولا بالكوليسترول أو الكربوهيدرات أو السكريات، ولا حتى بالحليب أو الغلوتين أو اللحوم. الحقيقة أن المشكلة ليست مادة غذائية محددة، بل هي مرتبطة بكيفية معالجة الطعام نفسه.

وفقًا لهذه الحجة التي باتت تحظى بشعبية متزايدة، فإن ما نستهلكه بشكل يومي من الأطعمة فائقة المعالجة يُعد العامل الرئيس. في الماضي، كان الناس يستخدمون طرقًا محدودة لمعالجة الطعام، مثل الطهي أو التخليل أو التجفيف، بهدف حفظه أو تحسين طعمه. أما اليوم، فالشركات الغذائية الحديثة تطيل من عمليات المعالجة بشكل كبير، باستخدام تقنيات مثل البثق والتشكيل، وإضافة مكونات مستخلصة في المختبر مثل المنكهات والمستحلبات والمواد الحافظة. ويهدف هذا النوع من المعالجة إلى إنتاج أطعمة أرخص، أطول عمرًا وأكثر سهولة في التخزين والاستخدام.

ويكتب كريس فان تولكن، الطبيب المتخصص في الأمراض المعدية والمؤلف المعروف، في كتابه الشهير Ultra-Processed People: The Science Behind Food That Isn’t Food:

“إذا كان الطعام مغلفًا بالبلاستيك ويحتوي على مكون واحد على الأقل لا تجده في مطبخك، فهو من الأطعمة فائقة المعالجة.”

وتشير الإحصاءات إلى أن هذه الأطعمة أصبحت تمثل جزءًا كبيرًا من النظام الغذائي في دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا. ويضيف فان تولكن:

“لقد بدأنا نستهلك مواد مصنوعة من جزيئات جديدة وعمليات غير مسبوقة في تاريخنا التطوري، مواد لا يمكن اعتبارها طعامًا بالمعنى التقليدي.”

ويشير العديد من خبراء التغذية والباحثين إلى أن هذا التحول له ثمن صحي باهظ. فقد أظهرت سلسلة من الدراسات أن الأطعمة فائقة المعالجة تسهم بشكل كبير في انتشار السمنة، وأمراض القلب، والسرطان، وحتى بعض الأمراض العصبية التنكسية مثل الزهايمر. ومع تزايد الأدلة، بدأت بعض الدول في تطبيق سياسات صحية عامة تهدف إلى تقليل استهلاك هذه الأطعمة، بينما تبنت وسائل الإعلام الشعبية تقارير متزايدة التحذير من أضرارها.

ومع ذلك، على الرغم من وجود أدلة قوية تثير المخاوف، يجب التعامل مع هذه القضية بحذر. فالحجة القائلة بأن الأطعمة فائقة المعالجة هي السبب الرئيس وراء مشاكلنا الصحية ليست قوية بما يكفي لتبرير الذعر العام. فالدراسات التي تربط هذه الأطعمة بالمشكلات الصحية تحتوي على قيود واضحة، وتوجد أيضًا أدلة متناقضة. وهذا يوضح مبدأ أساسي في البحث العلمي: النتائج لا تتحدث عن نفسها، بل يجب تفسيرها في سياق الأدلة الأخرى، التي غالبًا ما تتناقض. كما يقول جونتر كونل، باحث التغذية بجامعة ريدينغ:

“هل هناك فعليًا دراسات تثبت أن الأطعمة فائقة المعالجة مضرة؟ هذه الحجج مبنية على بيانات ضعيفة جدًا.”

لطالما بالغ المجال الغذائي في تفسير النتائج البحثية الحديثة، وقد نكرر نفس الخطأ اليوم مع قضية المعالجة الغذائية. كما يقول دوان ميلور، اختصاصي التغذية في جامعة أستون:

“واجهنا هذا من قبل، كما حدث مع توصيات خفض الدهون التي تبين لاحقًا أنها كانت مضرة. لقد أخطأنا كثيرًا، ويجب أن نكون أكثر حرصًا في إجراء التغييرات.”

ولا توفر الأدلة حول الأطعمة فائقة المعالجة إجابات واضحة أو نهائية.

بدأت فكرة أن الأطعمة الحديثة تسبب مشاكل صحية حديثة في الانتشار منذ حوالي خمسة عشر عامًا، عندما نشر الطبيب وعالم الأوبئة وخبير التغذية كارلوس مونتيرو من جامعة ساو باولو تعليقًا قصيرًا في مجلة Public Health Nutrition، مؤكدًا أن الأطعمة الصناعية “غير متوافقة تقريبًا مع البقاء”، وأن “النظم الغذائية الغنية بهذه الأطعمة غير متوازنة غذائيًا ومضرة بالصحة.”

وأوصى مونتيرو بتبني سياسات مشابهة لتلك التي تُفرض على الكحول والتبغ، بحيث تصبح هذه الأطعمة أقل توفرًا وأكثر تكلفة. وأنشأ هو وزملاؤه نظامًا لتصنيف الأغذية يُعرف باسم NOVA، حيث تضم المجموعة الأولى الأطعمة غير المعالجة أو قليلة المعالجة، والمجموعة الثالثة الأطعمة فائقة المعالجة. لاحقًا، تم توسيع النظام ليشمل أربع مجموعات. وتشمل هذه الأطعمة مجموعة واسعة من الحلويات، والوجبات السريعة، والمشروبات الغازية، وقطع الدجاج المقلية، والآيس كريم، ورقائق البطاطس والبسكويت، بالإضافة إلى منتجات غير تقليدية ولكنها مصممة للراحة، مثل الزبادي بالفواكه، والخبز المقطع، وحليب الأطفال الصناعي، وحبوب الإفطار منخفضة السكر المضاف.

بدأ باحثون آخرون استخدام نظام NOVA لدراسة التأثيرات الصحية لهذه الأطعمة، بمقارنة الأشخاص الذين يستهلكون كميات كبيرة منها بمن يعتمدون على الأطعمة الطبيعية أكثر. وأظهرت معظم الدراسات ارتباطًا واضحًا بين الأطعمة فائقة المعالجة وتدهور الصحة.

ففي غواتيمالا، أظهرت دراسة عام 2011 أن الأشخاص الذين يستهلكون الأطعمة المصنعة بكثرة لديهم مؤشر كتلة جسم أعلى ومعدلات سمنة أكبر، حيث أن زيادة بنسبة 10% في استهلاك هذه الأطعمة تُترجم إلى زيادة بنسبة 4.3% في مؤشر كتلة الجسم. وفي الولايات المتحدة، أظهرت دراسة عام 2019 ارتباط هذه الأطعمة باضطرابات أيضية مثل ارتفاع ضغط الدم وسكر الدم، مما يزيد من مخاطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب.

مع تزايد الدراسات، اكتسبت فكرة أن الأطعمة الحديثة تسبب مشاكل صحية حديثة قبولًا واسعًا في وسائل الإعلام وبين الناس، وحتى بين الأطباء. ومع ذلك، هناك حد مهم لهذه الدراسات: الترابط لا يثبت السببية. فقد يكون الأشخاص الذين يستهلكون الكثير من الأطعمة فائقة المعالجة في صحة أسوأ قليلًا، لكن ليس بالضرورة بسبب هذه الأطعمة وحدها، فقد تكون أنماط حياتهم عامةً أقل صحة.

كما تواجه الدراسات الرصدية مشكلة تسمى السببية العكسية: هل تسبب المشروبات الدايت زيادة الوزن، أم أن الأشخاص الذين يريدون إنقاص الوزن بدأوا بشرب المشروبات الدايت؟ بالإضافة إلى ذلك، هناك تساؤلات حول دقة تذكر الناس لما يأكلونه.

حاول بعض الباحثين التغلب على هذه القيود من خلال الدراسات المستقبلية، أي متابعة مجموعة من الأشخاص على مدى سنوات لمراقبة نظامهم الغذائي وربطه بالنتائج الصحية. وأظهرت دراسة فرنسية متابعة لمدة سبع سنوات أن من يستهلكون الأطعمة فائقة المعالجة أكثر لديهم خطر وفاة أعلى بنسبة 14% لكل زيادة بنسبة 10% في الاستهلاك، نصفها تقريبًا بسبب السرطان وأمراض القلب. وأظهرت دراسة إسبانية على طلاب الجامعات أن الأكثر استهلاكًا لهذه الأطعمة كانوا أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بنسبة الثلث خلال عشر سنوات مقارنة بمن استهلكوا أقل.

وفي تجربة عملية عام 2019، أجرى الباحث كيفين هول وزملاؤه تجربة على 20 شخصًا في مستشفى، حيث أعطوا نصفهم نظامًا غذائيًا غنيًا بالأطعمة فائقة المعالجة لمدة أسبوعين، ثم نظامًا منخفض المعالجة للأسبوعين التاليين، مع السماح بتناول الطعام بحرية. وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تناولوا الأطعمة فائقة المعالجة زادوا حوالي 2 كيلوغرام في أسبوعين، بينما فقدوا نفس الوزن عند الانتقال إلى النظام منخفض المعالجة، ما أثبت أن الأطعمة فائقة المعالجة قد تدفع نحو زيادة الوزن.

ومع ذلك، هذه الدراسة الصغيرة لا تحسم القضية نهائيًا، وهناك حاجة لمزيد من الدراسات لفهم تأثير الأطعمة فائقة المعالجة على المدى الطويل. كما أن ليس كل هذه الأطعمة متساوية؛ فبعضها أقل كثافة حرارية من الأطعمة الطبيعية وقد يكون مفيدًا جزئيًا.

ويشير الخبراء إلى أن معظم الأطعمة فائقة المعالجة تحتوي على مستويات عالية من الملح والدهون والسكريات، وهي في الواقع ما يُعرف بالوجبات غير الصحية. وفي الوقت نفسه، هناك أطعمة فائقة المعالجة يمكن أن تكون جزءًا من نظام غذائي صحي، مثل الحبوب الكاملة، والزبادي، وبعض منتجات الألبان.

ويخلص الباحثون إلى أن الهدف الآن هو تمكين الناس من اتخاذ خيارات غذائية صحية وتجنب الأطعمة الضارة، مع الاعتراف بأن الأطعمة المصنعة بشكل محسّن يمكن أن تلعب دورًا في استبدال الأطعمة الخطرة. ويقول هول:

“هناك مجموعة كبيرة من الأطعمة فائقة المعالجة الصحية في الأسواق، ويجب زيادة إنتاجها وتوفيرها.”

المصدر

مقالات ذات صلة