عندما نتأمل السماء ليلًا ونرى قمرًا صناعيًا يشقّ طريقه في العتمة، نادرًا ما يخطر ببالنا تغيّر المناخ أو طبقة الأوزون. يبدو الفضاء، للوهلة الأولى، عالمًا منفصلًا عن النظم البيئية التي تحفظ الحياة على الأرض. غير أن ما يجري هناك بات يترك أثرًا مباشرًا هنا.
خلال سنوات قليلة فقط، تضاعف عدد عمليات إطلاق الأقمار الصناعية بصورة غير مسبوقة. واليوم يدور حول الأرض نحو 15 ألف قمر صناعي نشط، ينتمي معظمها إلى ما يُعرف بـ«الكوكبات العملاقة»؛ وهي شبكات ضخمة من الأقمار لا يتجاوز عمر الواحد منها بضع سنوات. ومع انتهاء عمرها التشغيلي، تُطلَق دفعات جديدة لتحل محلها، في دورة متسارعة لا تكاد تهدأ.
ولتفادي ازدحام المدارات المنخفضة بأقمار ميتة، يعمد المشغّلون إلى إسقاطها عمدًا نحو الطبقات العليا من الغلاف الجوي، حيث تحترق أو تتفتت إلى أجزاء دقيقة في عملية تُسمّى «الاحتراق الكامل عند العودة». وبهذا المعنى، دخلت الأقمار الصناعية منطق الاستهلاك السريع: تصنيع، استخدام قصير، ثم إتلاف.
غير أن هذا النموذج يُوسَّع اليوم إلى نطاق غير مسبوق، ما يثير تساؤلات عميقة حول أثره في مناخ الأرض وغلافها الجوي.
تهديد صامت للمناخ والأوزون
تقدّمت شركة SpaceX مؤخرًا بطلب إلى Federal Communications Commission للحصول على إذن بإطلاق مليون قمر صناعي إضافي مخصّصة لمراكز بيانات ذكاء اصطناعي لا تزال في طور الاختبار. الرقم وحده كافٍ لإثارة القلق، لكن المسألة لا تتوقف عند العدد.
فالأقمار من طراز «ستارلينك V2 ميني» يبلغ وزن الواحد منها نحو 800 كيلوغرام، أي ما يعادل تقريبًا سيارة صغيرة، فيما يُتوقع أن تصل الأجيال اللاحقة إلى 1250 كيلوغرامًا. أما النسخة المخطط لها V3 فتقترب في حجمها من طائرة ركاب من طراز Boeing 737.
عمليات إطلاق الصواريخ تترك أصلًا بصمتها في تسخين الطبقات العليا من الغلاف الجوي واستنزاف الأوزون. فكيف سيكون الحال إذا أضيف إليها إطلاق مليون قمر بحجم طائرة تقريبًا، ثم احتراقها تباعًا بعد سنوات قليلة؟ نحن أمام سيناريو قد يغيّر كيمياء الغلاف الجوي وأنماط تسخينه بطرق لم تُدرَس بعد بما يكفي.
وقد بدأت الإشارات الأولى بالظهور. ففي عام 2023، رصد باحثون جسيمات معدنية في الطبقات العليا من الغلاف الجوي ناتجة عن عودة مركبات فضائية إلى الأرض، كما كُشف مؤخرًا عن آثار لليثيوم عقب عودة غير منضبطة لأحد صواريخ «فالكون 9». وهذه المؤشرات لا تمثل سوى جزء يسير مما قد يحدث إذا مضت خطط الكوكبات العملاقة قدمًا — وSpaceX ليست الجهة الوحيدة؛ فشركات أخرى حول العالم تقدّمت بطلبات لإطلاق ما مجموعه يتجاوز مليون قمر إضافي.
المشكلة أن المعرفة العلمية لا تزال قاصرة، إذ نادرًا ما تُفصح الشركات المصنّعة عن المكوّنات الدقيقة لأقمارها. يُرجّح أن نسبة كبيرة منها من الألمنيوم، الذي يتحول عند الاحتراق إلى جسيمات «ألومينا» دقيقة للغاية. وهذه الجسيمات، الأصغر من شعرة الإنسان، يمكن أن تبقى عالقة في الغلاف الجوي لسنوات، مسهمة في استنزاف الأوزون وتعزيز الاحترار.
تقديرات أولية تشير إلى أن إطلاق مليون قمر صناعي قد يؤدي إلى تراكم نحو مليار كيلوغرام من الألومينا في الطبقات العليا من الغلاف الجوي. رقم كهذا، مقترنًا بانبعاثات الإطلاق، كفيل بإحداث تحولات كبيرة في بنية الغلاف الجوي، من دون تفويض عام أو توافق دولي يجيز لشركة واحدة إحداث تغيير بهذا الحجم في نظام كوكبي مشترك.
المخاطر لا تقف عند الغلاف الجوي
ليست كل الأقمار العائدة تحترق بالكامل. بعض الحطام يصل إلى سطح الأرض، وقد قُدِّر احتمال وقوع إصابة بشرية نتيجة عودة أقمار الكوكبات العملاقة بنحو 40% خلال كل خمس سنوات — وهي نسبة مرشحة للارتفاع مع تضاعف الأعداد.
وفي المدار نفسه، لا تبدو الصورة أكثر اطمئنانًا. فمؤشر «CRASH Clock» الصادر عن معهد الفضاء الخارجي يشير إلى أن اصطدامًا قد يحدث خلال أيام معدودة إذا توقفت الأقمار عن تنفيذ مناورات تفادي الاصطدام. ويعتقد عدد من الخبراء أننا دخلنا بالفعل المراحل الأولى لما يُعرف بـ«متلازمة كيسلر»؛ وهي سلسلة تفاعلية من الاصطدامات تضاعف الحطام الفضائي وتزيد خطر الانفلات.
سماء مشتركة… أم ساحة مزدحمة؟
السماء الليلية من آخر المشاهد المشتركة بين البشر، وتحظى بقيمة خاصة في دول مثل New Zealand التي تُعدّ سماؤها من الأصفى عالميًا. غير أن المحاكاة الفلكية تشير إلى أن الكوكبات بالحجم المقترح من SpaceX قد تجعل آلاف الأقمار مرئية بالعين المجردة في كل مكان على الأرض، إلى حد قد يتجاوز فيه عدد الأقمار المرئية عدد النجوم.
سيصبح رصد الظواهر الفلكية الدقيقة، من موت النجوم إلى اكتشاف الكواكب الجديدة، أكثر صعوبة. كما ستتأثر السياحة الفلكية والتراث الثقافي المرتبط بالسماء في مجتمعات كثيرة حول العالم.
قرار لجنة الاتصالات الفيدرالية بشأن طلب SpaceX، المفتوح حاليًا للنقاش العام، لا يخص الولايات المتحدة وحدها؛ بل يمسّ البشرية جمعاء، سواء عبر آثار بيئية، أو مخاطر مدارية، أو فقدان سماء ليلية نقية.
الحاجة إلى إطار عالمي
من المقترحات المطروحة نقل الأقمار المنتهية صلاحيتها إلى مدارات أبعد عن الأرض بدل إسقاطها في الغلاف الجوي. غير أن ذلك يتطلب وقودًا أكبر، ما يزيد بدوره من الانبعاثات البيئية لعمليات الإطلاق، كما أن بعض الحطام سيظل عائدًا في جميع الأحوال.
في ظل خطط التوسع المتسارعة، تبدو الحاجة ملحّة إلى تنظيم دولي يضع سقفًا واضحًا لهذا النشاط. ففي غياب إطار عالمي، لن يؤدي تقييد شركة واحدة إلا إلى انتقال النشاط إلى جهات أخرى. وبحكم حجمها، تملك SpaceX موقعًا يؤهلها لقيادة مسار أكثر استدامة.
الخطوة الأولى ينبغي أن تكون تحديد «قدرة استيعابية» آمنة للغلاف الجوي فيما يخص إطلاق الأقمار وعودتها، وإلزام الشركات بتقييمات بيئية شاملة لدورة الحياة كاملة، تراعي سلامة المدار وأثر النشاط الفضائي في البحث العلمي والثقافة الإنسانية.
مهما كان المسار التنظيمي المقبل، يبقى أمر واحد واضحًا: لا يمكن تحويل الغلاف الجوي إلى محرقة جماعية للأقمار الصناعية على هذا النطاق، ثم التعامل مع الأمر بوصفه ثمنًا تقنيًا عابرًا. نحن نتحدث عن نظام بيئي كوكبي مشترك، لا عن فضاء خالٍ من العواقب.
