- من المتوقع أن يعيش أكثر من ثلثي سكان العالم في المناطق الحضرية بحلول عام 2050، لكن العديد من المناطق تفتقر إلى استراتيجيات تنقّل وتصميم حضري مستدام.
- وإذا كان للمدن أن تزدهر، فعليها اعتماد نهج يمزج بين الذكاء الاصطناعي الفيزيائي، والنظم البيئية التعاونية، والاتصال الرقمي، والتصميم المرتكز على الإنسان.
- ومن خلال الجمع بين التمويل الإبداعي ونظم الابتكار المتكاملة، يمكن للمدن أن تبني مستقبلاً حضرياً أكثر ترابطاً وشمولاً واستدامة.
الساعة 7:42 صباحاً في مدينة كبرى. انفجار في أحد أنابيب المياه يغلق تقاطعاً رئيسياً. الحافلات، التي تفتقر إلى تحديثات آنية، تتخبط في تغيير مساراتها. شاحنات الخدمات اللوجستية تصطف عند مخرج الميناء. تطبيقات التنقل تتعطل تحت ضغط الاستخدام المفاجئ. آلاف الركاب عالقون، ليس لأن المدينة تفتقر إلى البنية التحتية، بل لأن أنظمتها ليست مترابطة أو مرنة بما يكفي.
ومع تسارع نمو السكان في المدن، تصبح الفجوات في شبكات التنقل والبنية التحتية تحدياً حاسماً. فوفقاً للبنك الدولي، يُنتج أكثر من 80% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في المدن، لكن عدم التوافق بين النمو والتخطيط يهدد الاستدامة.
ومن المتوقع أن يعيش أكثر من ثلثي سكان العالم (68%) في المناطق الحضرية بحلول عام 2050، وفقاً للأمم المتحدة، وغالباً في مناطق تفتقر إلى استراتيجيات تنقل طويلة الأجل أو تصميم حضري مستدام، ما يؤكد الحاجة إلى تحرك فوري.
وإذا كان للمدن الكبرى أن تزدهر، فعليها اعتماد نهج يوحد بين قوة الذكاء الاصطناعي، والنظم البيئية التعاونية، والاتصال الرقمي، والتصميم المرتكز على الإنسان ضمن استراتيجية تحول شاملة.
لماذا يُعد الذكاء الاصطناعي الفيزيائي مخططاً جديداً لتطور المدن؟
على مدى عقود، اعتمدت مبادرات التنقل في المدن على هيئات النقل والمخططين الحضريين. لكن الاعتماد على هؤلاء الفاعلين التقليديين وحدهم خلق نقاط عمياء. فالمواطنون، والشركات الناشئة، ومصنّعو المركبات، ومقدمو الخدمات اللوجستية، وشركاء التكنولوجيا غالباً ما ظلوا على الهامش رغم أهميتهم الجوهرية لنجاح المنظومة.
المدن الأكثر كفاءة تستخدم اليوم الذكاء الاصطناعي الفيزيائي لكسر هذه العزلة بين الأطراف.
يجمع الذكاء الاصطناعي الفيزيائي بين إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، لكنه يعتمد تحولاً معمارياً حاسماً: إذ تتم المعالجة الحاسوبية على الأطراف (Edge) بدلاً من السحابة. ومن خلال معالجة البيانات محلياً، تحقق المدن استجابة أسرع وزمناً أقل للتأخير. كما أن النماذج المستخدمة خفيفة الوزن، وفعالة من حيث التكلفة، وتعتمد على الفيزياء والرياضيات بدلاً من التجريدات اللغوية.
المدن بطبيعتها أنظمة مادية تدير الطرق، والمرافق، والمباني، والمساحات العامة في الوقت الفعلي. ورغم أن الذكاء الاصطناعي طُبق بالفعل في المجالات الرقمية – مثل تحسين ميزانيات تكنولوجيا المعلومات – فإن الذكاء الاصطناعي الفيزيائي يمثل نقطة تحول. فهو يتيح إدارة مستمرة وفورية للبنية التحتية المادية، ما يُحدث نقلة نوعية في سرعة الاستجابة والموثوقية وجودة الخدمات.
وتشمل تطبيقاته جودة الهواء والمياه، وإدارة حركة المرور، والسلامة والأمن العام، والوقاية من الحرائق، والاستجابة للطقس. ومع ازدياد انتشار السيارات ذاتية القيادة في البيئات الحضرية، سيزداد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي الفيزيائي بشكل كبير.
الحاجة إلى ابتكار متكامل في المدن
لكن هل المدن مستعدة لذلك؟ ما تحتاجه هو نظام بيئي متكامل للابتكار يجمع بين الشركات، والباحثين الأكاديميين، والقادة المدنيين لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي الفيزيائي بشكل مشترك. ويمكن لهذه الشراكات أن تحقق قيمة اجتماعية واقتصادية، وتحول المدن إلى محركات للكفاءة والاستدامة والشمول.
غير أن النظم البيئية وحدها لا تكفي. فالذكاء الاصطناعي مكلف، كما يتضح من التقييمات الأخيرة والطفرة في مراكز البيانات. لذلك تحتاج المدن إلى آليات جديدة لتمويل وتوسيع نطاق الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي والتحول الحضري. ومن بين هذه الآليات:
الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتوزيع المخاطر وتسريع نشر البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وخدمات التنقل.
نماذج التمويل القائمة على النتائج، التي تربط الاستثمارات بتحسينات حضرية ملموسة وقابلة للقياس، مثل تقليل الازدحام المروري، وتحسين جودة المياه، وخفض الانبعاثات.
صناديق الابتكار ونماذج القيمة المشتركة التي تمكّن مختلف الأطراف من الاستثمار المشترك في حلول تخدم المدينة بأكملها، مع الاستفادة من طفرة مراكز البيانات في البيئات الحضرية.
الاتصال الرقمي: البنية التحتية الجديدة للذكاء الاصطناعي
كما اعتمدت مدن القرن العشرين على الطرق والكهرباء، تعتمد مدن القرن الحادي والعشرين على الاتصال. فالنطاق العريض، وشبكات الجيل الخامس، وإنترنت الأشياء، ومنصات الذكاء الاصطناعي تشكل الأساس للتنقل، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والسلامة العامة.
وتُظهر مدن مبتكرة حول العالم ما يمكن تحقيقه:
في براونزفيل بولاية تكساس، يُستخدم الجيل الخامس الخاص لتقديم حلول ذكاء اصطناعي فيزيائي لتعزيز السلامة العامة.
وفي مشروع مدريد نويفو نورتي في إسبانيا، تسهم البنى الرقمية المفتوحة ومنصات البيانات في تحسين وصول الركاب وتسهيل الحركة.
وفي محطة تشامارتين للسكك الحديدية في مدريد، توفر التوائم الرقمية والذكاء الاصطناعي رؤية آنية لمستويات الإشغال وتدفقات الركاب والاحتياجات التشغيلية.
كما تتيح صناديق ائتمان بيانات التنقل سوقاً آمنة تحافظ على السيادة لتبادل بيانات التنقل بين القطاعين العام والخاص دون المساس بالثقة.
الذكاء الاصطناعي الفيزيائي كخدمة: تنقل سلس للأشخاص والبضائع
حركة البضائع هي شريان حياة المدينة، لكنها أيضاً مصدر رئيسي للازدحام والانبعاثات.
ويعيد الذكاء الاصطناعي الفيزيائي كخدمة تصور كيفية تدفق الشحنات من وإلى الموانئ ومحطات السكك الحديدية ومراكز التوزيع. ومن خلال التخطيط التعاوني، والتوجيه القائم على البيانات، وتحسين الربط بالسكك الحديدية، يمكن للمدن:
تقليل حركة المرور حول المراكز اللوجستية
تسريع حركة الشحن
خفض التكاليف والانبعاثات
تشجيع التحول من النقل البري إلى السكك الحديدية
التصميم الحضري المرتكز على الإنسان: الأساس الحقيقي للمدن المتصلة
الذكاء الاصطناعي وحده لا يصنع مدناً عظيمة؛ الناس هم من يفعلون ذلك. فكل ابتكار – بما في ذلك التوائم الرقمية والذكاء الاصطناعي الفيزيائي – يجب أن يخدم احتياجات البشر مثل سهولة الوصول، والسلامة، والعدالة، والاستدامة، وجودة الحياة.
هذا هو جوهر التصميم الحضري المرتكز على الإنسان: استخدام التكنولوجيا واستراتيجيات التمويل لتحسين تجربة كل مواطن، بغض النظر عن مكان إقامته أو طريقة تنقله.
غير أن هناك تحدياً متزايداً يتمثل في التوسع السريع للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة في المناطق الحضرية المكتظة حول العالم، ما يضغط على شبكات الكهرباء غير المصممة لتحمل هذا الطلب المرتفع، ويؤدي إلى ازدحام في الشبكات وارتفاع أسعار الكهرباء على المستهلكين.
وهنا يبرز سؤال أعمق حول «معادلة الطاقة» الجديدة في المدن المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ببساطة، تتوسع قدرات الذكاء الاصطناعي بقدر توافر الطاقة: فقلة الطاقة تقيد الابتكار، بينما تعزز السعة الأكبر وتسرّع وتيرته. ومن دون تنظيم مدروس، قد يؤدي ذلك إلى تفاوت حضري يمنح شركات التكنولوجيا الكبرى وصولاً تفضيلياً إلى الطاقة، بينما تتحمل المجتمعات المحلية التكاليف وترى فوائد محدودة.
لكن يمكن للمدن إعادة صياغة هذه المعادلة. فعلى سبيل المثال، يمكن تخصيص جزء من قدرات مراكز البيانات الحضرية لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي الفيزيائي المحلية على مستوى الأطراف، بحيث تعود بفوائد مباشرة على المجتمعات.
فالمدن كانت دائماً محفزات للفرص والابتكار والمجتمع.
ومن خلال الجمع بين التمويل الإبداعي ونظم الابتكار المتكاملة، يمكنها إعادة تصور اقتصاداتها، وتحسين التنقل، وتحقيق رؤية مستقبل حضري أكثر ترابطاً وشمولاً واستدامة.
