- يوفّر الذكاء الاصطناعي فرصة تحوّلية لتبسيط تقديم الرعاية الصحية وتعزيز أنظمة ترصّد الأمراض في المناطق محدودة الموارد.
- لكن الفجوات في البنية التحتية لتخزين البيانات وقدرات الحوسبة المحلية تهدّد بحرمان فئات سكانية كاملة من الاستفادة من ثمار الابتكار الرقمي.
- إن سدّ فجوة التمثيل عبر بيانات أكثر تنوّعاً وأطر حوكمة منسّقة أمرٌ أساسي لضمان أن تخدم حلول الذكاء الاصطناعي المجتمعات الأكثر هشاشة في العالم.
يعيد الذكاء الاصطناعي اليوم تشكيل طريقة تقديم الرعاية الصحية. فمن دعم القرارات السريرية إلى الإدارة التنبؤية لسلاسل الإمداد الطبية، يتسارع إيقاع الابتكار، واعداً بخدمات أفضل للأطباء ومرضاهم.
وتستثمر شركات التكنولوجيا الكبرى مثل Google وAmazon وMicrosoft وApple موارد ضخمة في تقنيات صحية لا تملك القدرة على تطوير الرعاية في الدول الغنية فحسب، بل أيضاً على تعزيز العدالة الصحية عالمياً، بما يسهم في إنقاذ الأرواح وخفض التكاليف في آنٍ واحد.
على مدى أكثر من 20 عاماً من العمل في مجال إتاحة الأدوية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، رأيتُ كيف يمكن للأدوات المناسبة أن تُحدث أثراً تحفيزياً كبيراً في تحسين النتائج الصحية لملايين الأشخاص. وإذا طُبّق الذكاء الاصطناعي بالشكل الصحيح، فيمكنه الارتقاء بهذه الجهود إلى مستوى جديد، عبر تبسيط تقديم الرعاية الصحية وتخفيف الضغط عن العيادات والمستشفيات المكتظة في القرى والمدن في أفريقيا وغيرها.
لكن مع تسارع زخم الذكاء الاصطناعي، لا بد من اتخاذ إجراءات حاسمة لضمان توزيع عادل لإتاحة هذه التكنولوجيا. وإلا فإن هناك خطراً حقيقياً يتمثل في أن تعزز هذه التطورات أوجه عدم المساواة الصحية القائمة بدلاً من الحدّ منها.
تصميم شامل للذكاء الاصطناعي
لن تنجح أنظمة الذكاء الاصطناعي في خدمة سكان البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل إلا إذا أُدرجت الفئات الأكثر هشاشة في تصميمها، وضُمنت للمجتمعات إمكانية الوصول إلى الحلول الناتجة عنها.
ومع توفير البنية المعمارية المناسبة، يمكن تسخير أدوات الذكاء الاصطناعي في المناطق الأكثر احتياجاً، لمساعدة الأطباء على إجراء تشخيصات أسرع وأكثر دقة، وتعزيز أنظمة ترصّد الأمراض، وتحسين سلاسل الإمداد الطبية، وإيصال المعلومات والعلاجات المنقذة للحياة إلى المرضى.
ولا وقت للتأخير. فأسس ثورة الذكاء الاصطناعي في الصحة تُرسى الآن. والتكنولوجيا تتقدم بسرعة، وسيكون من المؤسف أن تبني شركات التكنولوجيا الكبرى أنظمة لا تعالج أعظم الاحتياجات الصحية في العالم.
حلول سريرية بالذكاء الاصطناعي للجميع
في مختلف أنحاء العالم، بدأ الأطباء بالفعل في اعتماد أدوات سريرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل OpenEvidence لمساعدتهم على مراجعة الأبحاث الطبية واتخاذ قرارات علاجية عند سرير المريض. كما يستخدم قطاع الأدوية الذكاء الاصطناعي لتسريع اكتشاف أدوية جديدة وخفض تكاليف المختبرات، بينما تعمل شركات التشخيص على تحسين كفاءة تقنيات التصوير والفحوصات المخبرية، من أجهزة الموجات فوق الصوتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى السماعات الطبية الرقمية.
ومن الضروري ضمان استفادة الجميع – وليس الميسورين فقط – من هذا التحول. ولهذا تكتسب مبادرات مثل “تحفيز الاستخدام العادل للذكاء الاصطناعي” التابعة لمؤسسة غيتس، وأعمال الحوكمة التي تقودها HealthAI، أهمية كبيرة. وفي هذا السياق، تهدف مبادرة Horizon1000 الجديدة من مؤسسة غيتس وOpenAI إلى إدخال أدوات ذكاء اصطناعي مخصّصة إلى 1,000 عيادة رعاية أولية في أفريقيا، بدءاً من رواندا، لدعم الرعاية في الخطوط الأمامية وتخفيف نقص الكوادر الصحية.
إن تنوّع أدوات الذكاء الاصطناعي وتحسّن أدائها أمرٌ مشجّع. لكن لإطلاق كامل إمكاناته، ينبغي تحفيز الشركات الكبرى على معالجة العقبات التي تعيق الوصول، على غرار ما قامت به مؤسسة إتاحة الأدوية في قطاع الأدوية.
تحديات تعيق إطلاق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية
من أكثر التحديات إلحاحاً مسألة القدرة الحاسوبية، خاصة في أفريقيا، نظراً للشهية الكبيرة للذكاء الاصطناعي للبيانات. فأفريقيا تضم أكثر من 18% من سكان العالم، لكنها لا تمتلك سوى 1.3% من القدرة العالمية على تخزين البيانات. ومن بين أكثر من 8,000 مركز بيانات حول العالم، يوجد 152 مركزاً فقط في أفريقيا. كما أن محدودية الوصول إلى الإنترنت المحمول الموثوق تحرم كثيرين من استخدام الأدوات الرقمية الحديثة وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتوجد بعض المؤشرات الإيجابية. فقد دخلت Nvidia في شراكة مع Cassava Technologies لبناء أول “مصنع ذكاء اصطناعي” في أفريقيا، يتيح للباحثين والحكومات الوصول إلى قدرات حوسبة متقدمة، كما طوّرت Microsoft وG42 مركز بيانات يعمل بالطاقة الحرارية الأرضية في كينيا. غير أن هذه المبادرات تبقى استثناءات. ومن دون استثمارات كبيرة، قد تكون الدول التي تتحمل أعلى أعباء الأمراض في العالم هي الأخيرة في الاستفادة من التطورات الصحية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.
ومن العقبات الأخرى حوكمة البيانات. فمن الطبيعي أن تسعى الدول إلى التحكم في كيفية تخزين البيانات الصحية الشخصية واستخدامها ونقلها. فعلى سبيل المثال، يفرض قانون حماية البيانات في رواندا لعام 2021 تخزين البيانات الشخصية محلياً بشكل افتراضي، ويقيّد نقلها عبر الحدود دون تصريح صريح. ورغم أن هذه القواعد تحمي الخصوصية والسيادة، فإنها تعقّد تطوير ونشر أنظمة ذكاء اصطناعي تعتمد على تجميع البيانات. والحل يتمثل في إطار حوكمة منسّق يحمي الأفراد ويتيح التعاون في الوقت ذاته.
كما تطرح اللوائح التنظيمية تحديات إضافية. فالذكاء الاصطناعي ليس دواءً ولا جهازاً طبياً ولا خدمة تقليدية. ونتيجة لذلك، تضطر الشركات العاملة دولياً إلى التعامل مع فسيفساء معقّدة من القوانين. وقد يضع قانون الذكاء الاصطناعي الجديد للاتحاد الأوروبي معايير عالمية بحكم حجم السوق الأوروبية، لكنه قد يزيد أيضاً من أعباء الامتثال بطريقة قد تضر بالمبتكرين في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وفي المقابل، تختبر بعض المناطق نهجاً أكثر مرونة، مثل “بيئات الاختبار التنظيمية” في كينيا، التي تسمح للشركات باختبار حلول صحية قائمة على الذكاء الاصطناعي ضمن إطار تنظيمي مبسّط مقابل تقارير شفافة.
أما التحدي الأخير فهو فجوة تمثيل البيانات. فكثير من مجموعات البيانات الصحية لا تمثل السكان المتنوعين تمثيلاً كافياً، ما يؤدي إلى تحيزات خوارزمية ونقص في البيانات الثقافية واللغوية الملائمة. ولا تتجاوز نسبة المحتوى المتاح عبر الإنترنت باللغة الأفريقية 0.02% من إجمالي المحتوى العالمي، ما يعني أن معظم نماذج الذكاء الاصطناعي تُدرَّب أساساً باللغة الإنجليزية. وهكذا، فإن مليارات البشر لا وجود لهم فعلياً في هذه النماذج.
وقد بدأت بعض الدول في معالجة هذه الفجوة. ففي الهند، تسعى مبادرات حكومية مثل Bhashini إلى إنشاء بيانات أكثر ملاءمة للاستخدام من خلال خدمات الترجمة، بينما تبني شركات تكنولوجية مثل Karya مجموعات بيانات محلية لصالح شركات متعددة الجنسيات. كما أطلقت نيجيريا نموذجاً متعدد اللغات لدعم اللغات منخفضة الموارد. وهذه المبادرات تُظهر ما يمكن تحقيقه.
لحظة مفصلية
نحن عند منعطف حاسم. فالذكاء الاصطناعي يملك القدرة على المساعدة في حل بعض أكثر التحديات استعصاءً في الصحة العالمية، من فجوات التشخيص وتعثر سلاسل الإمداد إلى بطء مسارات البحث. ويمكن أن تصل فوائده إلى ملايين المرضى في الرعاية الأولية، وإلى أجيال من النساء اللواتي يلدن في مناطق ريفية فقيرة، بما يوفّر رعاية أكثر أماناً وموثوقية.
لكن تحقيق هذه الرؤية يتطلب التزاماً حقيقياً من شركات التكنولوجيا الكبرى. فالعدالة الصحية ليست أمراً مفروغاً منه؛ بل هي نتيجة لاختيارات متعمدة. لقد أثبتت شركات التكنولوجيا ما تستطيع بناءه. والآن عليها أن تثبت ما هي مستعدة لمشاركته.
