يُروى السباق العالمي نحو صافي الانبعاثات الصفري عادةً كقصة شركات ناشئة خضراء، ومستثمرين من القطاع الخاص، وتعهدات مناخية جريئة من شركات متعددة الجنسيات. لكن هناك بطلاً غائباً وقوة مؤثرة غالباً ما يتم تجاهلها، رغم أنها تقع في قلب نظام الطاقة العالمي وعملية التحول: المؤسسات المملوكة للدولة.
تؤدي هذه المؤسسات مهمة مزدوجة تتمثل في تحقيق الربحية التجارية، إلى جانب الوفاء بأهداف اجتماعية أوسع تشمل خلق فرص العمل، والتنمية الإقليمية، وتقديم السلع والخدمات العامة. فهي تدير بنى تحتية وطنية أساسية، وتضمن أمن الطاقة، وتوفر الوظائف في مناطق قد يندر فيها الاستثمار الخاص.
وبحكم حجمها الكبير، تشكل العديد من هذه الشركات نسبة معتبرة من الناتج المحلي الإجمالي لبلدانها. وهي ليست مجرد جهات تجارية، بل أذرع للدولة وركائز رئيسية في استراتيجيات التنمية الوطنية.
الدور الحيوي للمؤسسات المملوكة للدولة في الاقتصادات الوطنية
تلعب المؤسسات المملوكة للدولة أدواراً محورية في العديد من الاقتصادات، إذ توفر خدمات وسلعاً عامة في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة، والاستخراج، والبنية التحتية، والتمويل. فمن المرافق الصينية إلى عمالقة النفط السعوديين، وصولاً إلى شركات الفحم والطاقة الهندية، تمثل هذه المؤسسات العمود الفقري للاقتصادات الوطنية، كما أنها من بين أكبر الجهات المسببة لانبعاثات غازات الدفيئة.
وفي معظم بلدان الجنوب العالمي، تهيمن المؤسسات المملوكة للدولة على قطاعات الطاقة والتعدين والنقل والتمويل، وغالباً ما تدير بنى تحتية حيوية وسلاسل قيمة كاملة. وفي قطاع الطاقة تحديداً، تتحمل هذه المؤسسات مسؤولية نحو نصف إنتاج الوقود الأحفوري في العالم.
ونظراً لكونها مصدراً رئيسياً للانبعاثات، وفي الوقت نفسه أداة سياسية قوية بيد الحكومات الوطنية، فإنها قادرة على أن تكون جزءاً أساسياً من الحل كما هي جزء من المشكلة. فلا يمكن تحقيق أهداف صافي الانبعاثات الصفري بمعزل عن هذه المؤسسات، وتحولها ليس خياراً بل شرطاً أساسياً لنجاح الانتقال المناخي العالمي.
وقد ازداد حضور هذه المؤسسات بين أكبر الشركات العالمية بشكل ملحوظ؛ فبين عامي 2000 و2023، ارتفع عدد المؤسسات المملوكة للدولة ضمن أكبر 500 شركة عالمية من حيث الإيرادات بنحو أربعة أضعاف، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
إن قرارات هذه المؤسسات تؤثر بقوة في إمكانية تحقيق مسارات وطنية – ومن ثم عالمية – نحو صافي الانبعاثات الصفري، من حيث السرعة والعدالة والجدوى. وباختصار، فإن الطريق إلى صافي الانبعاثات الصفري يمر عبر مجالس إدارة عمالقة الشركات المملوكة للدولة.
لطالما تجاهلت الدبلوماسية المناخية التحالفات العالمية لهذه المؤسسات، بل وشيطنتها أحياناً. إلا أن الوقت قد حان للاعتراف بها كجهات اقتصادية وأدوات للسياسة الدولية في آن واحد. وينبغي أن تتوسع الدبلوماسية المناخية لتشمل هذه الكيانات الكبرى إلى جانب الحكومات والشركات الخاصة على طاولة التفاوض.
لماذا يُعد تحول المؤسسات المملوكة للدولة معقداً لكنه حاسم؟
بحلول منتصف القرن، من المرجح أن تختلف المؤسسات المملوكة للدولة جذرياً عن نظيراتها الحالية التي تهيمن عليها الصناعات الأحفورية. فالمؤسسات التي تسلك مسار تنويع أنشطتها يمكنها أن تتحول وتستمر وتنمو، أما تلك التي تبقى رهينة للتقنيات ونماذج الأعمال القديمة فمن المرجح أن تتلاشى.
غير أن تحول هذه المؤسسات ليس بالأمر السهل، في ظل تحديات مثل البيروقراطية المتجذرة، والتدخلات السياسية، وتضارب الأهداف التي قد تفضل الإيرادات قصيرة الأجل أو الحفاظ على الوظائف على حساب الاستدامة طويلة المدى. كما تعاني العديد منها من ضعف هياكل الحوكمة ومحدودية المساءلة العامة. وفي المؤسسات المعتمدة على الوقود الأحفوري، غالباً ما تعرقل جماعات ضغط داخلية قوية مسارات التنويع، ما يبطئ الاستثمار في القطاعات الجديدة.
وتضاف إلى ذلك قيود مالية وديون متراكمة تحد من قدرتها على التحول نحو البنية التحتية الخضراء. وبدون إصلاحات متعمدة، قد تتحول هذه المؤسسات إلى عوائق أمام الانتقال إلى صافي الانبعاثات الصفري بدلاً من أن تكون محركات له.
هناك فئة أولى من المؤسسات المملوكة للدولة تختار التحول الكامل من الداخل. فعلى سبيل المثال، تستثمر شركة الشبكة الحكومية الصينية – أكبر مرفق كهرباء في العالم – بكثافة في الشبكات الذكية والرقمنة وتخزين الطاقة، مما يمكّن من دمج 1200 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030.
وفي النرويج، أعادت شركة إكوينور – المعروفة سابقاً باسم ""ستات أويل"" – صياغة هويتها لتصبح شركة طاقة شاملة، مع تنفيذ مشاريع ضخمة لطاقة الرياح البحرية في بحر الشمال، وهو تحول يتطلب قيادة استراتيجية قادرة على إدارة التعقيدات السياسية والاقتصادية.
أما الفئة الثانية، فتعتمد على إعادة توجيه استراتيجياتها الاستثمارية بدلاً من التحول الكامل. فقد حولت شركة ""تماسيك"" القابضة في سنغافورة جزءاً كبيراً من استثماراتها نحو تقنيات المناخ والشركات الناشئة في مجال الطاقة المتجددة، مدمجة الاستدامة في فلسفتها الاستثمارية.
وغالباً ما تتم هذه التحولات عبر إنشاء مشاريع مشتركة أو شركات تابعة جديدة. فعلى سبيل المثال، أنشأت شركة ""إن تي بي سي"" الهندية – أكبر شركة مرافق كهرباء في البلاد – عدداً من الكيانات للاستثمار في الطاقة المتجددة والطاقة النووية والهيدروجين الأخضر.
دمج المؤسسات المملوكة للدولة في الدبلوماسية والتمويل المناخي
نظراً للأهمية الاستراتيجية لهذه المؤسسات في العمل المناخي، ينبغي إدماجها كجهات فاعلة مركزية في التعددية الدولية والسياسة الخارجية، عبر تضمينها في الدبلوماسية المناخية، ومواءمة التمويل المناخي مع خطط تحولها، وتشكيل تحالفات عالمية بينها.
يتطلب ذلك أن تتناول الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف هذه المؤسسات صراحة، وأن تطور المنتديات المناخية مقاييس واضحة لإزالة الكربون والحوكمة داخلها. كما أن التزاماً من مجموعة العشرين بالشفافية في تقارير الانبعاثات والاستثمارات الخاصة بالمؤسسات المملوكة للدولة يمكن أن يخلق ضغطاً متبادلاً بين أكبر الجهات الملوِّثة المملوكة للدولة في العالم.
كذلك، ينبغي أن تجعل بنوك التنمية وصناديق الثروة السيادية ووكالات الائتمان من الشروط الخضراء معياراً لتمويل هذه المؤسسات، نظراً لاعتمادها الكبير على القروض الميسرة والضمانات الحكومية.
ومن شأن ائتلاف يضم مؤسسات رائدة – من شركات المرافق إلى شركات النفط – أن ينسق الاستثمارات في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وطاقة الرياح البحرية والشبكات الذكية، ما يسرع انتشار التكنولوجيا ويعزز الضغط الإيجابي على المؤسسات المتأخرة.
المؤسسات المملوكة للدولة كمحفزات لمستقبل بصافي انبعاثات صفري
في المحصلة، ستؤدي المؤسسات المملوكة للدولة دوراً محورياً في الرحلة العالمية نحو صافي الانبعاثات الصفري، لكن بقاءها ونجاحها يعتمدان على قدرتها على التحول الجذري.
فالمؤسسات التي تظل مرتبطة بالصناعات كثيفة الكربون قد تتراجع، بينما يمكن أن تنشأ كيانات جديدة مدعومة من الدولة تركز على الطاقة المتجددة والبنية التحتية الخضراء وتعزيز القدرة على التكيف المناخي.
تمتلك هذه المؤسسات مزايا فريدة – من حيث الحجم والدعم الحكومي والنفوذ الاستراتيجي – تؤهلها لأن تكون محفزات لتغيير منهجي واسع النطاق. ومن خلال تبني ممارسات شفافة وخاضعة للمساءلة، والعمل عبر قطاعات مستدامة رئيسية، يمكن للمؤسسات الرائدة أن تلهم غيرها لتسريع التحول نحو مستقبل خالٍ من الانبعاثات الصافية.
لذلك، ينبغي على الحكومات وأصحاب المصلحة إعطاء الأولوية لدعم هذا التحول، إدراكاً منهم بأن مستقبل المؤسسات المملوكة للدولة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطموحات المناخية العالمية وبالتنمية الاقتصادية المستدامة.
