القائمة الرئيسية

هل ارتفاع أسعار الكربون علامة نجاح أم جرس إنذار؟

هل ارتفاع أسعار الكربون علامة نجاح أم جرس إنذار؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة ما إذا كان ارتفاع أسعار الكربون في الاتحاد الأوروبي يُعد دليلاً على نجاح سياسات إزالة الكربون أم مؤشراً لمخاطر كامنة، موضحةً أن الأسعار المرتفعة تعكس قوة الإشارات السوقية في تحفيز الاستثمار وخفض الانبعاثات، لكنها في الوقت ذاته تحذر من الإفراط في المضاربة والطابع المالي الذي قد يؤدي إلى تقلبات حادة تقوّض الثقة وتضعف مصداقية السياسة المناخية، مؤكدة أن تسعير الكربون أداة فعالة يجب أن تُدار بحذر وتكامل مع سياسات مناخية أخرى لضمان انتقال طاقي مستقر وعادل.

  • يبدو أن ارتفاع أسعار الكربون في الاتحاد الأوروبي، عقب تشديد سقف تصاريح الانبعاثات، يشير إلى نظام يعمل كما خُطط له لدفع مسار إزالة الكربون.
  • وعلى عكس أسواق الكربون الطوعية أو آليات التمويل المختلط، ترسل الأسواق المنظمة للكربون إشارات سعرية واضحة على مستوى الاقتصاد ككل، ما يتيح تعبئة سريعة لرأس المال الخاص يمكن للحكومات الاستفادة منه.
  • لكن إذا أصبح سوق الكربون الأوروبي مفرطاً في الطابع المالي، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاعات سعرية غير مستدامة، ما قد يقوّض الثقة ويضعف مصداقية السياسة المناخية نفسها.

إن الزيادات في أسعار الكربون المدفوعة بصناديق التحوط تمثل سيفاً ذا حدين.

من المتوقع أن يتجاوز سعر تصاريح انبعاث الكربون ضمن نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي حاجز 100 يورو في عام 2026، وذلك للمرة الأولى منذ أوائل عام 2023.

ولا شك أن ارتفاع أسعار الكربون في الاتحاد الأوروبي يجذب انتقادات ممثلي الصناعات المتأثرة، الذين سيتعين عليهم التعامل مع التكاليف المتزايدة، إضافة إلى أولئك الذين يخطئون في اعتبار الأسعار المرتفعة خللاً في النظام، لا سمة مقصودة فيه.

غير أن استمرار ارتفاع الأسعار – كما صُمم لها أن تفعل – يكشف عن ديناميكيتين أعمق: قوة الإشارات السوقية الواضحة في تحفيز الاستثمار، والمخاطر عندما يتحول سوق قائم على السياسات إلى سوق مُفرط في الطابع المالي، مدفوع بالتداول والمضاربة أكثر من خفض الانبعاثات وتحقيق نتائج فعلية في الاقتصاد الحقيقي.

قوة الإشارة السوقية الواضحة

تُنشئ أسعار الكربون المرتفعة حافزاً قوياً لخفض الانبعاثات، ولذلك فإن بلوغ تصاريح الكربون الأوروبية مستويات قياسية جديدة يُعد، ظاهرياً، مؤشراً مرحباً به على أن النظام يؤدي وظيفته.

وقد جادل البنك الدولي، استناداً إلى أعمال جوزيف ستيغليتز ونيكولاس ستيرن، منذ فترة طويلة بأن سعراً عالمياً للكربون يتراوح بين 50 و100 دولار ضروري لدفع استثمارات جادة في حلول المناخ. ومع ذلك، ففي عام 2025 لم يكن سوى نحو 3% من أنظمة تسعير الكربون حول العالم يحقق أسعاراً ضمن النطاق الموصى به.

وباعتباره أكبر نظام لتسعير الكربون في العالم، يكتسب نظام الاتحاد الأوروبي أهمية خاصة، ولا سيما مع دخول آلية تعديل حدود الكربون حيز التنفيذ الكامل في عام 2026. وستفرض هذه الآلية سعراً للكربون على بعض السلع المستوردة، ما يعني أن الشركات المتعاملة مع الاتحاد الأوروبي ستضطر أيضاً إلى احتساب تكاليف الكربون التي يفرضها التكتل.

ويُظهر دور رأس المال المضارب في دفع التوقعات السعرية صعوداً قوة الإشارة السوقية الواضحة. ففي هذه الحالة، تتمثل الإشارة في التشديد الوشيك لإمدادات تصاريح الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي، ما يجعلها أكثر ندرة وأعلى قيمة.

فالمستثمرون، الذين يتوقعون هذه الندرة ويثقون في استمرار قوة السياسة المناخية الأوروبية، يسهمون في دفع الأسعار إلى الأعلى، معززين بذلك الحافز على خفض الانبعاثات.

ويختلف هذا الوضع عن مبادرات التمويل المناخي التقليدية مثل أسواق الكربون الطوعية أو التزامات التمويل المختلط، التي – مع بعض الاستثناءات – بالغت تاريخياً في وعودها وأخفقت في تحقيق النتائج المرجوة.

مخاطر المضاربة المفرطة

غالباً ما كان هناك عدم توافق بين ما يفضله المستثمرون (مشاريع خفض انبعاثات قابلة للتمويل وقليلة المخاطر) وما تحتاجه الدول الأكثر هشاشة، مثل برامج التكيف وبناء القدرة على الصمود وتمويل الخسائر والأضرار.

والنتيجة هي نظام حسن النية لكنه غير كافٍ عملياً، ولا يزال يكافح لمواءمة الحوافز المالية مع الضرورات الكوكبية.

ولا يضمن تسعير الكربون بحد ذاته توفير التمويل للنتائج المناخية؛ إذ يعتمد ذلك على كيفية إنفاق الحكومات للعائدات المحصلة. غير أن قدرته على مواءمة الإشارات السوقية وتعبئة رأس المال الخاص تظل غير مسبوقة.

غير أن هذه القوة تثير سؤالاً حول ما إذا كان ينبغي السماح لرأس المال المضارب بالتدفق إلى أسواق تصاريح الكربون المنظمة. فماذا يحدث عندما تتحول الأسواق المصممة لتحقيق نتائج للمجتمعات والاقتصادات إلى أدوات لتحقيق الأرباح للمستثمرين؟

تُظهر تجارب أسواق السلع والأسواق المالية الأخرى مدى سرعة تفوق المضاربة المفرطة على الأسس الحقيقية.

فخلال أزمة ارتفاع أسعار الغذاء في 2007-2008، ساهمت التدفقات الكبيرة إلى صناديق مؤشرات السلع في دفع أسعار القمح وغيرها من السلع الأساسية إلى مستويات تجاوزت ما تبرره قوى العرض والطلب، ما أدى إلى تفاقم التقلبات وزيادة المعاناة في الواقع.

وفي عام 2020، كشف انهيار أسعار خام غرب تكساس الوسيط إلى مستويات سلبية عن هشاشة مماثلة، حين اضطُر اللاعبون الماليون إلى تصفية مراكزهم في سوق تعاني من قيود التخزين، فانفصلت أسعار العقود الآجلة بعنف عن الواقع المادي.

وفي عام 2022، شهد سوق النيكل في بورصة لندن للمعادن ضغط شراء تاريخياً دفع الأسعار إلى الارتفاع بأكثر من 250% خلال يومين، ما اضطر البورصة إلى إلغاء صفقات وأثار أزمة ثقة في المؤشر المرجعي نفسه.

وتُظهر هذه الحالات نمطاً مشتركاً: عندما تصبح التدفقات المضارِبة كبيرة مقارنة بالنشاط الفعلي الأساسي، يمكن أن تتصرف الأسواق بطرق مزعزعة للاستقرار وتضر في النهاية بمصداقية إشارة السعر.

ومن المهم التوضيح أن هذا لم يحدث بعد في سوق الكربون الأوروبي، لكنه ليس بمنأى عن هذه الديناميكيات.

لماذا تهم الأسعار القابلة للتنبؤ؟

رغم أن نظام تداول الانبعاثات الأوروبي صُمم كأداة سياسية لا كفئة أصول مالية، فإن تزايد مشاركة صناديق التحوط والمضاربين الآخرين قد يحول مركز الثقل بعيداً عن المشاركين الفعليين في السوق نحو جهات لا تتماشى حوافزها مع هدف إزالة الكربون.

ولكي تكون أنظمة تسعير الكربون أكثر فاعلية، فهي تحتاج إلى أسعار مستقرة ويمكن التنبؤ بها.

وقد يجادل المضاربون بأن الطابع المالي يوفر سيولة تسهم في تخفيف تقلبات الأسعار، لكن حجم الانبعاثات عبر القطاعات الصناعية وشركات المرافق وشركات الطيران يضمن وحده استمرار طلب كافٍ على التصاريح في المستقبل المنظور.

والدرس المستفاد من أسواق القمح والنفط والنيكل ليس أن المضاربة يجب أن تُلغى، بل أن الإفراط غير المنضبط في الطابع المالي يمكن أن يشوه الأسعار ويقوض الثقة ويدفع الجهات التنظيمية إلى تدخلات تفاعلية.

وقد تؤدي مثل هذه التقلبات إلى إضعاف مصداقية إشارة سعر الكربون، وتثبيط الاستثمارات طويلة الأجل في إزالة الكربون، وإثارة ردود فعل سياسية معارضة لتسعير الكربون نفسه. فسوق يهدف إلى توجيه انتقال الطاقة في أوروبا لا يمكنه تحمل هذا النوع من عدم الاستقرار.

لا يمكن ترك السياسة المناخية للسوق وحده

باختصار، لا ينبغي أن تكون السياسة المناخية رهينة لشهية المخاطرة لدى جهات مالية لا ترتبط حوافزها بخفض الانبعاثات.

وعلى الرغم من استمرار نمو التمويل الموجه للمناخ والطبيعة، فإن محاولة بناء مبرر اقتصادي للعمل المناخي دون تسعير كربون قوي ومنظم جيداً تشبه خوض معركة بذراع واحدة.

ينبغي أن يكمل تسعير الكربون الجهود الأخرى للتمويل المناخي، لا أن يحل محلها. فقدرته على إرسال إشارات قوية على مستوى الاقتصاد تحفز الاستثمار وتغير السلوكيات أقوى من أن تُهمل كأداة سياسات، داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه.

لكن في الوقت الذي نرحب فيه بارتفاع أسعار الكربون بوصفها إشارة سوقية واضحة لتسريع انتقال الطاقة، يتعين علينا أيضاً التحوط من الإفراط غير الضروري في الطابع المالي والمضاربة.

المصدر

مقالات ذات صلة