القائمة الرئيسية

التكيّف مع المناخ وبناء المرونة: الفرصة الواعدة التي تنتظر جنوب شرق آسيا

التكيّف مع المناخ وبناء المرونة: الفرصة الواعدة التي تنتظر جنوب شرق آسيا
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تحولت الكوارث المناخية المرتبطة بالمياه في جنوب شرق آسيا من أزمات متكررة إلى تهديدات اقتصادية ممنهجة تكلف مليارات الدولارات سنوياً، في وقت لا يزال فيه تمويل التكيّف يعتمد بشكل شبه كامل على القطاع العام، رغم أن بناء المرونة المناخية يمثل فرصة استثمارية قد تصل إلى تريليون دولار سنوياً بحلول 2050. وتبرز المقالة المياه كمدخل استراتيجي لحماية سلاسل الإمداد وتعزيز التنافسية، داعيةً القطاع الخاص إلى الانتقال من إدراك المخاطر إلى الاستثمار الفعلي في البنية التحتية الذكية، والحلول الرقمية، والشراكات المبتكرة لضمان نمو مستدام في عالم يتسم بتقلبات مناخية متصاعدة.

  • تسببت الكوارث المناخية المرتبطة بالمياه في جنوب شرق آسيا بخسائر تُقدّر بمليارات الدولارات، إلى جانب خسائر إضافية في الإنتاجية، وتعطّل سلاسل الإمداد، وتأثيرات صحية واسعة النطاق.
  • ويمثل التكيّف مع تغير المناخ وبناء القدرة على الصمود فرصة استثمارية قد تصل إلى تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2050، إلا أن القطاع العام يستحوذ حالياً على نحو 90% من إجمالي التمويل المُوجَّه لهذا المجال.
  • وتوجد العديد من المبادرات والفرص غير المستغلة لتمويل جهود التكيّف المناخي عبر قطاع المياه، ما يتيح للقطاع الخاص مجالاً واسعاً لتعزيز تأثيره ودعم المرونة المناخية.

في أواخر العام الماضي، وبينما كان قادة العالم مجتمعين في مدينة بيليم بالبرازيل لحضور مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ لعام 2025 (COP30)، ضربت عاصفتان كبيرتان كلاً من الفلبين وفيتنام وتايلاند.

فقد اجتاح إعصار كالمايغي (تينو) والإعصار الفائق فونغ-وونغ (أوان) المنطقة خلال أيام قليلة من بعضهما البعض، مما تسبب في تعطيل حياة ملايين الأشخاص في أنحاء المنطقة، وألحق أضراراً تُقدَّر بنحو 250 مليون دولار و350 مليون دولار على التوالي. كما انهارت بنى تحتية حيوية تحت وطأة الأمطار الغزيرة المتواصلة، تاركةً مجتمعات كاملة في ظلام دامس ومن دون مياه نظيفة لأيام.

الصورة: REUTERS / Eloisa Lopez

لم تكن هذه العواصف سوى أحدث الضغوط التي تتعرض لها المنطقة. ففي حين تضاعف الأثر الاقتصادي للكوارث المرتبطة بالمناخ عالمياً أكثر من مرتين خلال العقدين الماضيين، تتسبب الفيضانات وحدها في جنوب شرق آسيا بخسائر مباشرة تتجاوز ملياري دولار سنوياً.

ومن المرجح أن يعكس هذا الرقم جزءاً فقط من التكلفة الحقيقية، إذ تتفاقم الآثار الاقتصادية والاجتماعية نتيجة خسائر الإنتاجية، وتعطل سلاسل الإمداد، والتداعيات الصحية.

ورغم أن القطاع العام يستحوذ على الغالبية العظمى من تمويل التكيّف المناخي، فإن هناك فرصة كبيرة أمام القطاع الخاص للاستثمار في التكيّف عبر قطاع المياه، بما يعزز القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ.

وتُعد المنطقة شديدة الهشاشة أمام الصدمات المناخية؛ إذ تُصنَّف فيتنام ضمن أكثر الدول عرضة لمخاطر الفيضانات الساحلية والنهرية على مستوى العالم، كما تشمل الدول عالية المخاطر الفلبين وإندونيسيا وتايلاند وكمبوديا. ويؤدي التوسع الحضري السريع، وضعف التنسيق المؤسسي، وتفاوت معايير التخطيط إلى ترك العديد من المجتمعات في مواجهة فيضانات متكررة بموارد محدودة.

ويحمل هذا العام فرصة نادرة لقادة المنطقة للتصدي لهذا التحدي المتنامي، حيث يُشار إلى عام 2026 على أنه ""عام المياه"" تمهيداً لعقد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في ديسمبر.

وقد استُهل العام بالاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026 في دافوس بسويسرا، حيث احتلت قضية المياه موقعاً محورياً على جدول الأعمال من خلال جلسات ركزت على إعادة التفكير في إدارة المياه، مع التأكيد على أن المياه ليست مجرد قضية بيئية ثانوية، بل محرك أساسي للنمو والاستقرار والأمن.

وتستمر هذه المناقشات طوال العام عبر مجتمعات ومبادرات متعددة الأطراف، من بينها مبادرات تركز على مستقبل المياه والابتكار في هذا المجال.

كما يتواصل الزخم في سنغافورة من خلال أسبوع سنغافورة الدولي للمياه ومبادرة ""إيكوسبيريتي""، حيث سيعمل القادة على دفع حلول مبتكرة في مجالات المياه، والتمويل المستدام، وإزالة الكربون، وتعزيز المرونة المناخية.

ويمتد الاهتمام العالمي لاحقاً عبر اجتماعات اتفاقيات ريو الثلاث المعنية بالمناخ والتنوع البيولوجي ومكافحة التصحر، وصولاً إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في ديسمبر بدولة الإمارات العربية المتحدة.

وبالنسبة للقطاع الخاص في جنوب شرق آسيا، تمثل هذه الفعاليات فرصة للتواصل مع مختلف الأطراف المعنية لفهم مشهد المخاطر المتغير والتعامل معه بفاعلية أكبر.


كيف تمثل المرونة المناخية والتكيّف فرصة للأعمال؟

في ظل إعادة تشكيل الظواهر المناخية المتطرفة للأسواق وسلاسل الإمداد وإنتاجية العمالة في جنوب شرق آسيا، يوفر قطاع المياه مدخلاً عملياً وواضحاً لتعزيز المرونة المناخية، ويمكن أن يشكل مؤشراً موثوقاً لتحقيق مكاسب أوسع في جهود التكيّف عبر قطاعات وسلاسل قيمة رئيسية.

ورغم تصاعد المخاطر، لا يزال أكثر من 90% من تمويل التكيّف المناخي عالمياً يأتي من مصادر عامة، بما في ذلك الحكومات وبنوك التنمية، ما يعكس محدودية مشاركة القطاع الخاص.

ويتطلب سد هذه الفجوة مواءمة أولويات القطاع العام مع حوافز القطاع الخاص. وتشير تقارير حديثة إلى أن التكيّف المناخي وبناء المرونة يمثلان فرصة استثمارية سنوية قد تصل إلى تريليون دولار بحلول عام 2050.

ويشمل ذلك فرصة لتوسيع نطاق مشاريع البنية التحتية عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص، بقيمة تتراوح بين 320 و500 مليار دولار سنوياً.

غير أن العديد من الشركات والجهات العامة تفتقر إلى وضوح في تحديد مسؤولية مخاطر المناخ، أو لا ترى عائداً قريب الأجل يبرر الاستثمار، مما يؤدي إلى التقليل من تقدير المخاطر والنظر إلى التكيّف باعتباره تكلفة بدلاً من كونه محركاً للقيمة.

ومن دون إشارات طلب قوية وواضحة من القطاع الخاص، قد تفتقر الحكومات إلى الحافز لتوسيع استثمارات التكيّف والمرونة، مثل تطوير بنى تحتية بديلة للتبريد لمراكز البيانات أو تنفيذ منصات متكاملة لإدارة أحواض المياه واستعادة السواحل، أو تعزيز الشراكات التي تحقق فوائد نظامية أوسع.


ما الذي يمكن للقطاع الخاص فعله في جنوب شرق آسيا؟

تلعب جهود إقليمية مثل شراكة جنوب شرق آسيا للتكيّف عبر المياه دوراً تسهيلياً في فتح هذه الفرص الاستثمارية، من خلال مساعدة الأطراف المعنية على تجاوز العوائق التنظيمية، مثل تشتت المشاريع، وغموض الأدوار، وضعف تصميم المشاريع الجاهزة للاستثمار.

كما يشهد الطلب العالمي على تقنيات المرونة والحلول القابلة للاستثمار نمواً سريعاً. فبحلول عام 2030، تُقدّر احتياجات تمويل الحلول المناخية المرتبطة بالمحيطات والمياه بنحو تريليون دولار، في حين قد يخلق الطلب على تقنيات دعم التكيّف والمرونة فرصة استثمارية مماثلة.

وتشمل هذه التقنيات حلولاً رقمية معتمدة على البيانات، مثل نمذجة مخاطر المناخ، والتنبؤ المعزز بالذكاء الاصطناعي، وأنظمة المياه الذكية، وأدوات التمويل المرتبطة بالمرونة.

ومع ذلك، لا يزال رأس المال الخاص يمثل أقل من 1% من إجمالي تدفقات تمويل المحيطات، ما يشير إلى فرصة استثمارية غير مستغلة بشكل كبير.

كما يضطلع القطاع الخاص بدور مهم في تعزيز مرونة عملياته الداخلية، والعمل مع الموردين لتقليل الاضطرابات المرتبطة بالمناخ، وتطوير منتجات تراعي التكيّف، ودعم المبادرات المجتمعية التي تعزز الاستقرار المحلي.

وفي جنوب شرق آسيا، بدأت مقاربات جديدة تسلط الضوء على التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لعدم التحرك في مجال مرونة المياه، حيث باتت الفيضانات تُفهم بشكل متزايد ليس فقط ككوارث إنسانية أو قصيرة الأجل، بل كمخاطر مادية تهدد الناتج المحلي الإجمالي والنمو والقدرة التنافسية.


ما الخطوة التالية للقطاع الخاص؟

مع تصاعد الضغوط المناخية في جنوب شرق آسيا، تتمثل الخطوة التالية في الانتقال من مجرد الاعتراف بفرصة المرونة إلى تنظيم الجهود حولها. فالمياه ستستمر في تحديد كيفية تأثر المنطقة بتغير المناخ، لكنها يمكن أن تحدد أيضاً كيفية استعدادها للمستقبل وتنمية اقتصادها.

ويمثل الاستثمار في التكيّف عبر المياه أحد أكثر السبل العملية لحماية السكان، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز القدرة التنافسية على المدى الطويل.

عملياً، قد يشمل ذلك تمويل تقنيات الدفاع الساحلي، أو نشر أنظمة تنبؤ بالفيضانات والجفاف مدعومة بالذكاء الاصطناعي، أو الاستثمار في أنظمة مياه دائرية تعيد تدوير مياه الصرف في الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه.

كما يتطلب الأمر بناء حافظة أقوى من المشاريع الجاهزة للاستثمار، وتطوير آليات تمويل مبتكرة قادرة على تعبئة رأس المال الخاص على نطاق واسع.

بالنسبة للشركات، الرسالة واضحة: العمل على تعزيز مرونة المياه ليس ضرورة فحسب، بل خيار استراتيجي، ومن يتحرك مبكراً سيكون في موقع أفضل للازدهار في عالم يتسم بتقلبات متزايدة.

شارك في تأليف هذه المقالة تان يينغ جيه، مدير أول بقسم البرامج في مؤسسة سنغافورة الدولية، وآن كريستيانسون، قائدة ملف المرونة المناخية في المنتدى الاقتصادي العالمي، نيابة عن أمانة شراكة جنوب شرق آسيا للتكيّف عبر المياه.

ويتقدم المؤلفان بالشكر إلى باميلا نوبوسي لمساهماتها القيّمة وملاحظاتها البنّاءة.

المصدر

مقالات ذات صلة