- نخاطر ببناء مستقبل من وفرة غير مسبوقة للبعض، يقابله حرمان غير مسبوق للأغلبية.
- اتسم الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام بالحجم والسرعة والزلازل التحولية. وما نحتاجه الآن هو اهتمام مستدام يضمن أن تخدم هذه القوى الجميع.
عند عودتي من الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 في دافوس، ما زلت أجد صعوبة في استيعاب حجم وسرعة وطبيعة التحولات التكنولوجية والجيوسياسية المتسارعة. كان شرفًا لي أن أكون جزءًا من بعض النقاشات التي قد تؤدي، فعليًا أو محتملًا، إلى تعبئة مليارات الدولارات من رأس المال، حيث جرى بحث وبناء أو حتى تفكيك أطر سياسات تؤثر على أنظمة سياسية أحادية أو متعددة الأطراف، وحيث تُصمَّم ملامح المستقبل بشكل نشط.
وبصفتي الرئيس التنفيذي لمنظمة تنموية عالمية تدعو إلى توسيع نطاق التقنيات القائمة — مثل الهاضمات الحيوية — وفي نقاشات يهيمن عليها الحديث عن شبكات كهرباء مولّدة بالذكاء الاصطناعي، أو أثناء الدفاع عن تمويل مساعدات إنمائية رسمية تحفيزية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سياقات تزداد هشاشة، في قاعات يسعى فيها آخرون وراء تريليونات التكنولوجيا، كان الأمر أشبه بالهمس في وجه إعصار.
لقد خلقت السرعة الهائلة وحجم الاضطراب التكنولوجي والجيوسياسي اقتصادًا للاهتمام يُقدَّم فيه العاجل على الأساسي، ويطغى فيه التحول الجذري على الركائز الجوهرية. لكن ما قد تغفله بعض النقاشات اليوم هو أن هذه ليست ثنائيات متعارضة، بل مسارات متصلة. وإذا لم ندرك ذلك، فإننا نخاطر ببناء مستقبل من وفرة غير مسبوقة للبعض، يقابله غياب وحرمان غير مسبوقين للآخرين.
من الثنائيات إلى الانتشار
تبلورت جلسات دافوس، التي نسقها فريق ديناميكي ومنخرط بعمق، حول ما أسميه «الخمسة P». وهي خمسة محاور مترابطة إذا جرى التعامل معها كثنائيات متقابلة أو تم تجاهلها، فإن التحولات التكنولوجية والجيوسياسية الكبرى ستقود إلى مكاسب قصيرة الأجل لقلة متناقصة وخسائر لنا جميعًا.
1. الازدهار إما أن يكون مشتركًا أو لا يكون ازدهارًا
إن تركز الثروة مقلق أخلاقيًا وغير مستقر اقتصاديًا. وقد جاءت نقاشات دافوس حول الشمولية بخطاب قوي، لكن الآليات الكفيلة بتحقيقها ما زالت غامضة بشكل خطير، في ظل تآكل المؤسسات الضرورية لتمكينها. لا يمكننا السماح لمكاسب الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي بأن تتبع الأنماط الاستخراجية ذاتها التي رافقت الثورات التكنولوجية السابقة. وهذا يتطلب أكثر من نوايا حسنة؛ بل يستدعي نماذج ملكية جديدة، وآليات تمويل مبتكرة، وإعادة تفكير جذرية في مسألة من يلتقط القيمة الناتجة عن الابتكار.
2. مكاسب الإنتاجية ليست انتصارًا تلقائيًا
من الواضح أن الذكاء الاصطناعي سيُسرّع الإنتاجية بشكل هائل. لكن ما يزال غير محسوم ما إذا كانت هذه المكاسب ستُقاس وتُعاد استثمارها وتُوزَّع بشكل عادل. وقد اقترحت سابقًا مفهوم تقاسم مكاسب الإنتاجية بشكل صريح وتعاقدي بين الدول الأكثر ازدهارًا والدول منخفضة الدخل كإطار لتوجيه كفاءة الذكاء الاصطناعي نحو نتائج تنموية.
الأمر ليس نظريًا. الحل يكمن في اعتبار الإنتاجية منفعة عامة، وتوزيع عوائدها بعدالة أكبر عبر القطاعات. فمثلًا، إذا تمكن مزارع ألبان في هولندا من توفير ساعتين يوميًا بفضل الأتمتة، يمكن توجيه جزء من هذه المكاسب لدعم زيادة الإنتاجية في إثيوبيا. وفي قطاع الصحة، إذا حقق طبيب في دولة مرتفعة الدخل زيادة في الإنتاجية بنسبة 30% بفضل تقليل الأعمال الورقية أو التشخيص الأولي، يمكن توظيف هذه المكاسب لدعم أو التحقق من تشخيصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي في جنوب السودان.
3. حدود الكوكب لا تنحني أمام خطاب الوفرة
ترتكز رؤية الوفرة التي يروج لها بعض رواد التكنولوجيا على فكرة أننا قادرون على الابتكار لتجاوز الحدود الكوكبية — سواء عبر المريخ أو الاندماج النووي أو الهندسة الجيولوجية. إنها سردية جذابة، لكنها خطيرة.
فالنمو الاقتصادي الذي يتجاهل العتبات البيئية لا يحقق تنمية، بل يؤجل أزمة حتمية. إن التقدم الحقيقي يتطلب حلولًا تحترم الحدود البيئية وتلبي الاحتياجات الإنسانية في آن واحد — فأنظمة الطاقة الشمسية المنزلية في ريف أوغندا لا تقل أهمية عن الألواح الشمسية المدارية في الفضاء. نحتاج إلى الابتكار في القمة والتنفيذ على الأرض، لا أحدهما على حساب الآخر.
4. الاقتصاد السياسي سيحدد من الرابح
لقد بُنيت مؤسسات بريتون وودز والنظام متعدد الأطراف وأطر السياسات التي تحكم نشر الذكاء الاصطناعي وتمويل المناخ والمساعدات التنموية لعصر مختلف. وهي اليوم، بعد سنوات من الترهل، مهددة بالانهيار تحت وطأة الاضطرابات الحالية، وقد تتداعى بالكامل أمام ما هو قادم.
في دافوس، كان الإلحاح في إعادة التفكير في هياكل الحوكمة واضحًا، وكذلك غياب التوافق حول البديل. إن الاقتصاد السياسي لتقاسم مكاسب الإنتاجية — وكيف نقيسها ونفرض عليها الضرائب ونوزعها ونعيد استثمارها — سيحدد ما إذا كان تسارع التكنولوجيا سيقود إلى ازدهار مشترك أم إلى تعميق عدم المساواة. لا يمكن ببساطة إعادة تركيب مؤسسات القرن العشرين لتلائم تحديات القرن الحادي والعشرين. نحن بحاجة إلى أطر جديدة تُمكّن التعاون عبر القطاعات والحدود، وتخلق حوافز للعدالة، وتتحرك بوتيرة أسرع من التكنولوجيا التي يُفترض أن تنظمها.
5. السلطة تتركز حين نحتاج إلى توزيعها
المفارقة الكبرى في عصرنا أن التقنيات التي تُمكّن التواصل وتُ democratize المعلومات، تساهم في الوقت ذاته في تركيز السلطة بشكل غير مسبوق. نشهد تحولًا من «قوة من أجل» و«قوة مع» إلى «قوة على»، وهو تحول يتسارع.
عندما يمتلك عدد محدود من الأفراد موارد تفوق موارد دول بأكملها، وعندما تؤثر قراراتهم في أنظمة عالمية دون مساءلة ديمقراطية، فإننا نواجه أزمة حوكمة تتخفى في صورة ابتكار.
لا يمكننا أن نكون ساذجين حيال هذا التركّز في السلطة. نحن بحاجة إلى استراتيجيات تبني قوى موازنة — عبر إشراف ديمقراطي على التقنيات الأساسية، وعبر جهود متعمدة لتوزيع السيطرة بدل تركيزها.
اختيار مسارات التكامل
نحن نقف عند نقطة انعطاف حقيقية. أحد المسارات يقود إلى مزيد من التباعد، إلى تفكيك التعاون العالمي، وإلى سباق نحو القاع حيث تتراكم مكاسب القلة ويتكاثر الخاسرون. هذا المسار يعامل التنمية والابتكار كأولويات متنافسة، والاحتياجات الأساسية والتقنيات المتقدمة كخيارات صفرية.
أما المسار الآخر فهو أصعب. يتطلب قدرًا من الدقة والتسامح والصبر. يدعونا إلى اختيار المسارات المتصلة بدل الثنائيات المتعارضة. إلى رؤية الخيوط التي تربط بين الهاضمات الحيوية والاندماج النووي، بين أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية والألواح الفضائية، بين تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وطموحات الذكاء الاصطناعي الكبرى.
إن حرمان أكثر من 700 مليون شخص من الكهرباء ليس قضية منفصلة عن حوكمة الذكاء الاصطناعي أو تمويل المناخ أو إعادة الاصطفاف الجيوسياسي. إنها القضية ذاتها، لكن بعدسات مختلفة. فإذا عالجنا واحدة وتجاهلنا الأخرى، فلن نحقق حلًا مستدامًا.
لقد اتسم دافوس هذا العام بالحجم والسرعة والزلازل التحولية. وما نحتاجه الآن هو اهتمام مستدام يضمن أن تخدم هذه القوى الجميع، لا فقط أولئك الذين صاغوا مسار النقاش.
